|
- مدافع
الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 42 - |
- الأزهر والحكام :
ومع بداية ضعف الدولة
العثمانية واستقلال الولايات التابعة لها عنها بدأت المؤسسات الدينية في تلك
الولايات في الاستقلال عن المؤسسة الأم في الاستانة .
وقامت الحكومات في تلك
الولايات خاصة في مصر والشام بدعم المؤسسة الدينية فيها بهدف تطويق نظام
الخلافة العثمانية من هنا برز دور الأزهر كمؤسسة دينية استثمرتها الحكومات في
إضفاء المشروعية على نظام الحكم في مصر ، بل أن هذه المؤسسة أسهمت بدور كبير في
محاولة نقل مقر الخلافة الإسلامية إلى مصر وتنصيب فؤاد الأول خليفة للمسلمين
وذلك بعد إعلان سقوط الدولة
العثمانية عام ( 1924 م ) . . ( 140 )
وبارك الأزهر مواقف وممارسات الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق
وتغاضى عن الانحرافات والمفاسد التي ارتبطت بعصرهما . . وفي العصر الجمهوري
ارتبط الأزهر بالحكم بصورة أكبر حتى تحول إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة وقد تمثل
موقفه المداهن للحكم الشديد الارتباط به في انحيازه الكامل إلى صف عبد الناصر
ضد الإخوان المسلمين وإصداره
الفتاوى المتطرفة والعدائية ضدهم ثم تبلور أكثر في تبنيه الخط
الاشتراكي الذي تبناه عبد الناصر والخط السياسي المعادي لإسرائيل والغرب الذي
انتهجته الدولة في فترة الستينيات . . ( 141 )
وفي فترة السبعينيات انقلب موقف الأزهر سيرا مع
الاتجاه الجديد للحكم الذي أعلن المصالحة مع الاخوان المسلمين والاعتراف
بالكيان الصهيوني في فلسطين والارتباط بالغرب وتم توظيفه ليلعب دورا ضد
الشيوعية والعلمانية . . ( 142 )
وفي فترة الثمانينيات انقلب الأزهر على التيار
الإسلامي وإيران والشيعة سيرا مع التوجه الجديد لنظام الحكم ولا يزال على هذا
الموقف . . ( 143 )
ومن الملاحظ أن ارتباط الأزهر بنظام الحكم الجمهوري قد أغرقه في السياسة وباعد
بينه وبين دوره الفقهي ويعود السبب المباشر في ذلك إلى اندماجه وذوبانه داخل
الدولة حتى أصبح المفتي وشيخ الأزهر كلاهما يعينان بقرار من رئيس الجمهورية .
ولم يعد لمفتي الجمهورية من دور سوى أن يرصد حركة الأهلة
ليعلم الناس بقدوم شهر رمضان وعيد الفطر والأضحى بالإضافة إلى المهمة التشريعية
التي شرفه بها القضاة وهي إبداء الرأي في حالات الحكم بالإعدام على الأشخاص
والنظر في مدى مطابقتها لأحكام
| |
* هامش * |
|
| |
( 140 ) أنظر بيان شيخ الأزهر محمد مأمون الشناوي في عيد ميلاد الملك
فاروق وهو بيان يحمل المدح والثناء والتبجيل لفاروق ووالده والعائلة
الحاكمة .
ومن بين نصوص البيان قوله : وقد استجاب الله دعاء هذا الشعب المخلص
لجلالته الوفي لعرشه . فتحققت للبلاد أمانيها واستكملت استقلالها وهبت
نشطة بفضل توجيه الفاروق العظيم .
انظر مجلة الأزهر أعداد رمضان وجمادى
الأولى عام 1368 ه . واحتفل الأزهر أيضا بعيد جلوس فاروق على العرش
الموافق 6 / 5 / 1949 وكذلك ذكرى رحيل الملك فؤاد . انظر إعداد الأزهر
في تلك الفترة .
( 141 ) أنظر موقف الأزهر من الحركة الإسلامية ونماذج من منشورات
الأزهر المعادية للإخوان في تلك الفترة في كتابنا
الحركة الإسلامية في مصر . .
( 142 ) أنظر المرجع السابق ، وقد أعلن الأزهر موافقته على الصلح مع
إسرائيل .
( 143 ) أنظر المرجع السابق ، ومنشورات الأزهر ضد الجماعات وبياناته ضد
الشيعة وإيران والتي لا زالت تصدر حتى الآن ، وانظر لنا كتاب
الشيعة في مصر . . |
|
|
لشرع واعتراضه على هذه الأحكام لا يغير من الأمر شئ . . ( 144
)
وأصبح هذا هو حال المفتي - موظف الدولة - في جميع بلاد
المسلمين سيرا مع السنة التي سنها العثمانيين . . . كذلك الحال بالنسبة لشيخ
الأزهر فهو أشبه بمدير جامعة إلا أن المكانة التاريخية للأزهر قد أضفت عليه
قداسة في قلوب المسلمين في كل
مكان مما جعلهم يطلقون عليه اسم الإمام الأكبر . . لكن ظهور
النفط في جزيرة العرب قد مكن آل سعود من أن يلعبوا دورا في المحيط الإسلامي -
بالإضافة إلى سيطرتهم على الحرمين - نافسوا به الأزهر بل تفوقوا عليه في مواطن
كثيرة تمكنوا من
استقطاب الرموز والهيئات الإسلامية سخروها لنشر الفكر الوهابي
وتعميمه في كل مكان ليصبح المذهب الحنبلي مذهبا عالميا لأول مرة في تاريخه وكان
قبل ذلك يقبع في زاوية مظلمة من زوا يا التاريخ . . ( 145 )
وقد تجاوز الأمر هذا الحد بأن تمكن السعوديون من اختراق الأزهر واستقطاب رموزه
إلى صف الدعوة الوهابية المعادية له كمؤسسة تتبنى الخط الحنفي وتتعايش مع الخط
الصوفي والشيعي وكلا الخطين خصمين عنيدين للوهابية . . وإذا كان
السعوديون قد تمكنوا من دفع الأزهر إلى معاداة الشيعة وإعلان
الحرب على إيران إلا أنهم لم يتمكنوا من دفعة نحو محاربة الطرق الصوفية ويعود
السبب في ذلك إلى سياسة الدولة المعادية لشيعة وإيران والتي فتحت الباب أمام
الأزهر ليلعب هذا
الدور ضد الشيعة وإيران ولم تفتحه في مواجهة الطرق الصوفية
المتحالفة معها والتي تلعب دورا في وسط المسلمين هو أكبر بكثير من دور الأزهر .
.
| |
* هامش * |
|
| |
( 144 ) برزت للمفتي في الفترة الأخيرة فتاوى تتعلق بالبنوك ونقل
الأعضاء وغير ذلك إلا أن هذه الفتاوى لم تكن ملزمة . خاصة وأنه قد برز
منافسون له في هذه الميدان يحظون بشعبية ووزن لا يتمتع به المفتي مثل
الشيخ الشعرواي . .
( 145 ) ضعف المذهب الحنبلي بعد سقوط الدولة العباسية التي كانت تدعمه
بداية من عصر المتوكل ، وأصبح أقل المذاهب الإسلامية شأنا . ولم يظفر
الحنابلة بدولة تدعمهم بعد ذلك ، كما هو حال المالكية في دول بلاد
المغرب . وحال الأحناف مع العثمانيين حتى ظهرت الحركة الوهابية وآل
سعود عندئذ برز الحنابلة وادعوا تمثيل أهل السنة في غيبة المذاهب
الأخرى . .
|
|
|
|