اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 43 -

- نصوص الفقهاء في الحكام :


اعتمد الفقهاء اعتمادا كبيرا على النص المنسوب للرسول ( ص ) الذي يقول : الأئمة من

 

- ص 44 -

قريش ، واعتبروا أن هذا النص هو الذي حسم الخلاف والصراع الذي دار في سقيفة بني ساعده لاختيار الإمام من بعد الرسول . .

قال البغدادي : قال أصحابنا أن الشرع قد ورد بتخصيص قريش بالإمامة ودلت الشريعة على أن قريشا لا تخلوا ممن يصلح للإمامة ، فلا يجوز إقامة الإمام للكافة من غيرهم . . ( 146 )


واشترط الفقهاء في الإمام أربعة شروط : الأول : العلم الثاني : العدالة والورع . . الثالث : السياسة وحسن التدبير . . الرابع : النسب من قريش . . ( 147 )


ومن الثابت تاريخيا أن أغلب الذين تولوا الحكم في بلاد المسلمين بداية من العصر الأموي وحتى عصرنا هذا لم تكن تتوافر فيهم هذه الشروط اللهم إلا شرط القرشية الذي توافر في الأمويين والعباسيين ولم يتوافر في السلاجقة الترك أو الأيوبيين

الأكراد ، أو المماليك الرقيق أو العثمانيين الترك ، ومع ذلك دان الفقهاء لهؤلاء الحكام وأقروا لهم بالسمع والطاعة وألزموا الرعية بذلك . . وعندما قامت الدولة الفاطمية في مصر وحكامها ينسبون إلى قريش رفضوها ورموها بالكفر والزندقة لأنها

لا تلتزم عقيدتهم ولا تتبع نهجهم ورواياتهم في الوقت الذي كانوا يدينون فيه بالطاعة والولاء لحكام زنادقة سفاحين ضاق بهم العباد من الأمويين والعباسيين وغيرهم . . ( 148 )


أما عن طريقة اختيار الإمام أو الخليفة فقد اختلف الفقهاء في هذا الأمر : قال الأشعري : إن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع إذا عقدها لمن يصلح لها . فإذا فعل ذلك وجب على الباقين طاعته . . ( 149 )
 

  * هامش *  
 

( 146 ) أصول الدين . ط بيروت .
( 147 ) المرجع السابق . وانظر كتب الفقه ، وهناك شروط أخرى وضعها بعض الفقهاء مثل الحرية والبلوغ والإسلام وهي تنضم إلى الشروط الأخرى التي لم تتحقق في الحكام . .

( 148 ) أنظر تاريخ الخلفاء للسيوطي وكيف ترجم ليزيد بن معاوية الذي كفر من قبل بعض الفقهاء واعتبره خليفة وترجم للوليد بن يزيد الفاسق منتهك الحرمات الذي أراد الحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة واعتبره خليفة ثم ترجم للمماليك العبيد وخلفاء بني العباسي في مصر الذين كانوا لافتة وصورة لسلاطين المماليك هذا في الوقت الذي لم يترجم لأحد من خلفاء الفاطميين لأن أمامتهم غير صحيحة في نظره ، انظر المقدمة وآخر الكتاب .

( 149 ) أصول الدين للبغدادي . وانظر مقالات الاسلاميين . . ( * )

 

 

- ص 45 -

وقال القلانسي : تنعقد الإمامة بعلماء الأمة ( علماء بلد الإمام ) الذين يحضرون موضع الإمام وليس لذلك عدد مخصوص ، فإن عقد الإمامة واحد أو جماعة لواحد وعقدها آخرون لواحد آخر وكل واحد منهما يصلح لها صح العقد السابق ، فإن عقد في وقت واحد ولم يعرف السابق منهما استؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما . . ( 150 )


وقال ابن قدامة المقدسي ، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي أمير المؤمنين ، وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين . . ( 151 )


وقال ابن حنبل : من ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به وغلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة . ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم . . ( 152 )


وقال : ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة ، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله ( ص ) فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق . . ( 153 )


وقال : الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة ، والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا ، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان ، وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء ، ودفع الخراج والفئ والصدقات والأعشار والغنائم إلى الأمراء

عدلوا فيها أم جاروا والانقياد إلى من ولاه الله أمركم ، لا تنزع يدا من طاعته ولا تخرج عليه بسيفك وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعة ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع ضال مفارق للجماعة ( 154 )


وقال الأشعري : وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين ، وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبه من بر وفاجر لا يلزمهم الخروج عليه بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزو معهم العدو ويحج معهم ، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ، ويصلي خلفهم الجمع

  * هامش *  
  ( 150 ) المرجع السابق . .
( 151 ) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد . .
( 152 ) أصول السنة ط السعودية
( 153 ) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي ح‍ 1 / 161 . .
( 154 ) رسالة السنة ذيل الرد على الجهمية والزنادقة . ط السعودية . ( * )
 

 

- ص 46 -

والأعياد . . ( 155 )

ويقول ابن تيمية : ويرون - أي أهل السنة - إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا ( 156 )


وقال البر بهارى: لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا ومن خرج على إمام أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته جاهلية . وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى ، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة ، أمرنا أن ندعو لهم بإصلاح ولم نؤمر أن ندعو

عليهم . . وقال البيجوري : ولو تغلب عليها شخص - الإمامة - قهرا انعقدت له وإن لم يكن أهلا كصبي وامرأة وفاسق . وتجب طاعته فيما أمر به أو نهى عنه . . ( 158 )


ويقول أبو يعلى : والإمامة تنعقد من وجهين . أحدهما : باختيار أهل الحل والعقد . . بعهد الإمام من قبل . . فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد . ويجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده ، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحل والعقد ( 159 )


ويرى كثير من الفقهاء أن الإمامة تنعقد بثلاثة أوجه هي :

الأول : العهد إليه من سابقة كما فعل أبو بكر مع عمر حين أوصى إليه بالخلافة بعده . .

  * هامش *  
  ( 155 ) أصول أهل السنة والجماعة المسماة برسالة أهل الثغر . ط القاهرة
( 156 ) العقيدة الواسطية وهي العقيدة الأساسية المعتمدة عند التيار الوهابي والجماعات ويلاحظ أن ابن تيمية كان معاصر الحكام المماليك
( 157 ) أصول السنة ط السعودية . .
( 158 ) شرح البيجوري على الجوهرة المسمى تحفة المريد على جوهرة التوحيد . وهو مقرر على طلبة المعاهد الأزهرية . .
( 159 ) الأحكام السلطانية . .
 

 

- ص 47 -

الثاني : اتفاق أهل الحل والعقد ، وهم مجموعة معينة من الخليفة . .

الثالث : القهر ، والغلبة أي الاستيلاء على الحكم بالقوة وقد حدث هذا مع كثير من الحكام على مر تاريخ المسلمين ( 160 )


وقال ابن حزم : عقد الإمامة يصح بوجوه أولها وأفضلها وأصحها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إماما بعد موته وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه وعند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه كما فعل الرسول

( ص ) بأبي بكر وكما فعل أبو بكر بعمر وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما

يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع . فإن مات الإمام ولم يعهد إلى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للإمامة فبايعه واحد فأكثر ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفه عين بعده فالحق حق الأول وسواء

كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه لقول الرسول ( ص ) : فوا بيعة الأول فلأول فمن جاء ينازعه فاضربوا عنقه كائنا من كان . . ( 161 )


ويرى جمهور أهل السنة أن الإمام لا ينخلع بالفسق أو بالجور أو بغضب الأموال وضرب الأبشار وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه . . ( 162 )


وقد استفزت علاقة الفقهاء بالحكام ابن الجوزي في زمانه فكتب يقول : ومن تلبيس إبليس على الفقهاء مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك ، وربما رخصوا لهم فيما لا رخصه لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضا فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه :

الأول : الأمير يقول لولا أني على صواب لأنكر على الفقيه ، وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من ما لي .

  * هامش *  
  ( 160 ) أنظر المراجع السابقة . .
( 161 ) الفصل في الملك والنحل ح‍ 4 / باب الكلام في عقد الإمامة بماذا تصح . .
( 162 ) أنظر المراجع السابقة . والفقهاء إنما يتبنون هذا الموقف من الحكام على أساس الروايات . أنظر التمهيد للباقلاني والاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة للبيهقي . . ( * )
 

 

- ص 48 -

والثاني : العامي أنه يقول لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانا الفقيه لا يبرح عنده .

والثالث : الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك ، وقد لبس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول إنما ندخل لنشفع في مسلم وينكشف هذا التلبيس بأنه لو دخل غيره يشفع لما أعجبه ذلك وربما قدح في ذلك الشخص لتفرده بالسلطان ومن تلبيس إبليس عليه في أخذ أموالهم فيقول لك حق فيها .


ومعلوم أنها إن كانت من حرام لم يحل له منها شئ وإن كانت من شبهة فتركها أولى ، وإن كانت من مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين لا على وجه إتفاقه في إقامة الرعونة ، وربما اقتدى العوام بظاهر فعله واستباحوا ما لا يستباح ، وقد

لبس إبليس على قوم من العلماء ينقطعون على السلطان إقبالا على التعبد والدين فيزين لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء فيجمع لهم آفتين : غيبة الناس ومدح النفس ، وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في

أول الأمر ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم ، وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء . . ( 163 )

 

  * هامش *  
  ( 163 ) تلبيس إبليس . وابن الجوزي من أعيان القرن السادس الهجري توفي عام 597 ه‍ ببغداد . وهو من فقهاء الحنابلة غير أنه اصطدام بالحنابلة في مسألة الصفات وقولهم بالتجسيم وكتب كتابا في ذلك يرد فيه عليهم وهو كتاب : دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه . ط القاهرة وقد هاجمه ابن تيمية في كتابه نقد المنطق . .  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب