|
- مدافع
الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 75 - |
مدافع البغدادي النجاة لنا
والهلاك للآخرين . .
البغدادي هو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي
المتوفى عام ( 429 ه ) وقد صنف البغدادي عدة مصنفات هي بمثابة مدافع مسلطة على
المسلمين استثمرها الفقهاء في مواجهة خصومهم من التيارات الأخرى . .
وعلى رأس هذه المصنفات كتابه الفرق بين الفرق . وكتابه أصول الدين ، وهذان
الكتابان من أخطر ما صنف في مواجهة الآخرين . وقد اعتمد عليها مذهب أهل السنة
في تبرير تطرفه وعداوته للمخالفين لمذهبهم . .
- الفرق بين الفرق : وقد اعتمد البغدادي في كتابة
هذا على رواية منسوبة للرسول ( ص ) تنص على أن الأمة سوف تفترق إلى ثلاث وسبعين
فرقة .
وقام على أساس هذه الرواية بتبيين الاتجاهات المخالفة وإلقاء
الضوء عليها مؤكدا أنها تنتسب إلى الإسلام بينما هي ليست منه في شئ .
وخصص فصلا لما أسماه فضائح هذه الاتجاهات باعتبارها من فرق الأهواء الضالة
والكتاب من أوله إلى آخره يفتح النار على المخالفين لنهج أهل السنة الذين حصر
الحق في دائرتهم وحكم بالضلال والبوار والخلود في النار على مخالفيهم ، فأهل
السنة في منظوره فم الفرقة الوحيدة الناجية من النار يوم
القيامة فمن سار على دربهم واتبع طريقهم وتبنى عقائدهم فقد نجا ، ومن حاد عن
هذا الدرب وتبنى عقائد واتجاهات الآخرين فقد حاد عن الطريق القويم وسلك سبيل
الضالين أهل النار . .
يقول البغدادي : إن أمة الإسلام تجمع المقرين
بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه صفاته وعدله وحكمته ونفى التشبيه عنه ، وبنبوة
محمد ( ص ) ورسالته إلى الكافة وبتأييد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن
القرآن منبع أحكام الشريعة وأن الكعبة
هي القبلة التي تجب الصلاة إليها فكل من أقر بذلك كله ولم
يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو السني الموحد ، وإن ضم إلى الأقوال بما ذكرناه
بدعة شنعاء نظر فإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة
الإمامية - الشيعة -
أو الزيدية وأو الجهمية أو المجسمة فهو من الأمة في بعض
الأحكام وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وألا يمنع حظه من الفيئ والغنيمة إن
غزا مع المسلمين وألا يمنع من الصلاة في المساجد ، وليس في الأمة في أحكام
سواها وذلك ألا تجوز
الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية ،
ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم . .
ومثل هذا الكلام لا يعني إلا شيئا واحدا وهو أن أصحاب المذاهب
والاتجاهات الأخرى غير أهل السنة بين أمرين لا ثالث لهما :
الأول : أن يتنازلوا عن
معتقداتهم وأفكارهم ويدينوا بمذهب أهل السنة . .
الثاني : أن يكونوا في دائرة
المبتدعة الضالين ويعاملوا على هذ الأساس في الحياة الدنيا من قبل أهل السنة
فتفرض عليهم العزلة ويعاملوا كمواطنين من الدرجة الثانية ويتقبلوا ما سوف
يلاقونه من اضطهاد واستحلال لأموالهم ودمائهم . .
وإذا كان جميع المسلمين يقرون بما ذكر البغدادي فما هو المبرر لهذا التصنيف
واتخاذ مثل هذا الموقف المتطرف من المخالفين . . ؟
وهل هناك من ينكر وحدانية الله ونبوة محمد ( ص ) ورسالته
والشريعة التي جاء بها على لسان القرآن ويرفض الاعتراف بالكعبة قبلة للمسلمين .
. ؟
وإذا كانت الإجابة بالنفي ، فما هو مبرر هذا الكلام . وما هو
ضرورته ؟
إن القضية باختصار هي أن الإقرار بمثل هذه الأمور لا يكفي وحده للحكم بصحة
إسلام الفرد في نظر أهل السنة .
وإنما يجب مع ذلك الإقرار أن يتبنى عقائدهم ورواياتهم . .
عقائدهم التي تنص على موالاة الحكام ووجوب السمع والطاعة لهم وإن كانوا فسقة
وفجارا ، ووجوب الصلاة والحج والجهاد معهم .
وتنص على عدالة جميع الصحابة وأن كل من رأى الرسول ( ص ) ولو ساعة أو ولد في
حياته أو سلم عليه فهو صحابي عدل يجب أن تضفى عليه القداسة . . وتنص على أن
الله سبحانه له يد ورجل وعين ويهبط ويصعد ويضحك ويفرح وأن جميع الصفات الواردة
له سبحانه في القرآن هي حقيقة لا مجاز . . ( 1 )
أما رواياتهم فهي سبب شقاء الأمة وفرقتها . . وهي التي شوهت صورة الإسلام . .
وهي التي منحت الفقهاء الحق في ضرب المخالفين وتصفيتهم . . وهي التي قامت على
أساسها تلك العقائد الباطلة من وجوب طاعة الحكام والاستسلام لهم وإن كانوا
فجارا وتحريم الخروج عليهم . .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر كتب العقائد مثل كتاب العقيدة والطحاوية والعقيدة الواسطية
وانظر لنا كتاب أهل السنة شعب الله المختار ، وكتاب دفاع عن الرسول . .
( * )
|
|
|
وهي التي قامت على أساسها فكرة عدالة الصحابي ووجوب التغطية
على تلك الانحرافات والتجاوزات التي ارتبطت بالصحابة . وهي التي قامت على
أساسها فكرة التجسيم والتشبيه فيما يتعلق بصفات الله سبحانه . .
إن القارئ لكتب السنن خاصة كتابي البخاري ومسلم سوف يجد مئات الروايات التي
تمجد الحكام وتضفي القداسة على الصحابة وتصف الله سبحانه بما لا يجب أن يوصف به
وتدعوا إلى التطرف وتنتهك الحقوق والحرمات والعقول . . ( 2 )
ويحدد البغدادي معالم مذهب أهل السنة فيما يلي :
* الإحاطة بأبواب التوحيد والنبوة والأحكام . .
* التبرء ومن الاتجاهات الأخرى . .
* تبني رؤية الله تعالى . .
* تبني عذاب القبر . .
* تبني إمامة أبو بكر وعمر وعثمان . .
* الثناء على السلف . .
* تبني صلاة الجمعة خلف الحكام والأئمة . .
* تبني استنباط الأحكام من الكتاب السنة وإجماع الصحابة . .
* تبني جواز المسح على الخفين . .
* تبني وقوع الطلاق الثلاث في مكان واحد وفي لفظ واحد . .
* تبني تحريم زواج المتعة . .
* وجوب طاعة السلطان . .
وهذه المعالم على ما يبدو تعد من القضايا الخلافية وهي للفقه
أقرب من كونها أصول وإذا كانت الاتجاهات الأخرى تختلف حول هذه القضايا فهي لا
تختلف حول أصول الدين وإنما تختلف مع مذهب أهل السنة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) أنظر البخاري كتاب التوحيد . ومسلم
كتاب الإمارة ، وأبواب فضائل الصحابة في كتب السنن . .
|
|
|
ومكمن المشكلة أن أهل السنة اعتبروا أنفسهم هم الإسلام ، وهم
الجهة الوحيدة التي لها الحق في النطق بلسانه ، وقد نتج هذا الاعتقاد لديهم
بسبب دعم الحكام لهم وفتح الأبواب أمامهم كي يسودوا وينتشروا بين المسلمين حتى
أصبحوا هم الأغلبية
فتصوروا أن الحق معهم لكثرتهم والباطل مع غيرهم لقتلهم وعدم
شهرتهم . . والنصوص القرآنية صريحة في كون الكثرة ليست معيار الحق ولا دليلا
عليه . . ( 3 )
يقول البغدادي : ومن مال إلى الأهواء الضالة لم
يكن من أهل السنة ولا كان قوله حجة في اللغة والنحو والحديث والفقه وخلافه . .
ثم حسم البغدادي الأمر في نهاية كتابة بإطلاق قذيفة قاتلة أبادت الاتجاهات
الأخرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهي أن الفرقة الناجية الوحيدة هي أهل
السنة وأن جميع الاتجاهات الأخرى هالكة ومثواها النار . .
- أصول الدين : وقد حدد البغدادي أصول الدين في
منظورة فيما يلي :
* الروايات . .
* الإجماع . .
* أسماء الله وصفاته . .
* معرفة الأنبياء . .
* المعجزات والكرامات . .
* الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج . .
* الأحكام والتكاليف . .
وفيما يتعلق بالروايات فقد شن حربا شعواء وأطلق قذائفه على
منكري الروايات جملة والذين ينكرون أحاديث الآحاد خاصة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) أنظر قوله تعالى ( وقليل ماهم )
وقوله ( وقليل من عبادي الشكور ) وقوله (
وما آمن معه إلا قليل ) |
|
|
ومن المعروف أن غالبية الروايات المنسوبة للرسول (
ص ) هي روايات آحاد . . ( 4 )
ثم أطلق قذائفه على منكري الإجماع والمشككين فيه
.
ولم تسثني قذائفه بالطبع أولئك الذين يتبنون رؤية في أسماء الله وصفاته لا
تعتمد على الروايات . .
فالذين ينكرون رواية أن الله خلق أدم على صورته . .
ورواية أن الله يضع قدمه في النار حتى تقول قط قط . .
ورواية أن الله ينزل إلى
السماء كل ليلة . .
ورواية أن الله في السماء . .
ورواية أن الله يرى في الآخرة
. .
وغيرها من الروايات التي تشير إلى أن الله سبحانه له يد ورجل وعين يضحك
ويحزن والتي أنكرتها الاتجاهات المخالفة لأهل السنة من باب دفع التشبيه
والتجسيم وتنزيه الله سبحانه عن مشابهة مخلوقاته . .
الذين ينكرون مثل هذه
الروايات أو يشككون فيها هم من أهل الزيغ والضلال في نظر البغدادي ومن على
شاكلته من الفقهاء .
وليس من بين المسلمين من ينكر النبوات والأنبياء
والشهادتين وسائر أركان الإسلام أو الأحكام والتكاليف إلا أن التسليم بمثل هذه
الأمور لا يكفي في نظر البغدادي وأمثاله فلا بد حتى يكمل الإيمان ويسلم الإنسان
أن يدين بمذهب أهل السنة . .
من هنا فقد أعلن البغدادي في كتابة أن من أكل لحم الخنزير من غير ضرورة ولا خوف
أو أظهر زي الكفار في بلاد المسلمين وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر وإن لم
يكن في نفسه كفر أجرينا عليه حكم أهل الكفر وإن لم نعلم كفره
باطنا ، وأن الدار - المجتمع - لا يحكم بكونها دار إسلام إلا
إذا أنفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة وكانت الغلبة فيها لأهل السنة على
أهل البدعة . .
| |
* هامش * |
|
| |
( 4 ) يقسم فقهاء الرواية الأحاديث إلى متواتر وآحاد . والمتواتر قلة
قليلة تعد على الأصابع ويعتبرون درجتها درجة القرآن بمعنى أن منكرها
كافر أما الآحاد فهي الروايات التي رويت عن طريق شخص واحد أو شخصين من
الصحابة . . ( * ) |
|
|
ومعنى هذا الكلام الحكم بالكفر على المجتمعات المعاصرة
والاعتبار الزي ( الإفرنجي ) الذي يرتديه المسلمون اليوم وشتى الممارسات التي
يمارسونها من ألعاب وصناعات ووسائل ترفيه وما شابهها هي صورة من صور الكفر ،
على أساس الرواية التي تقول : من تشبه بقوم فهو منهم . .
وقد عقد البغدادي في كتابه أكثر من عشرة فصول عن
الإمامة ووجوبها وشروطها مسلطا قذائفه على الاتجاهات الأخرى التي تتبنى رؤية
مختلفة في الإمامة لا تنطبق على الحكام الذين اعتبرهم البغدادي وأصحابه أئمة
المسلمين وعلى رأسهم معاوية وولده يزيد وذلك سيرا مع الروايات المنسوبة للرسول
( ص ) المتعلقة بالإمامة والتي لا تدين الاتجاهات بها الأخرى . .
ثم ختم البغدادي كتابة بإطلاق قذيفة مدوية على
الخصوم أعداء الدين تمثلت فيما يلي :
* وجوب قتل المرتدين . .
* كفر الاتجاهات الأخرى ( أهل البدع والأهواء ) ووجوب قتالهم . .
* عدم جواز أكل ذبائح أهل الأهواء والبدع وحرمة مواريثهم . .
* عدم جواز نكاح المسلمة منهم . .
* الشاك في كفر أهل الأهواء كافر . .
|