اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 83 -

مدافع الطحاوي الآخرون ضلال وأردياء . .

 

- ص 85 -

صاحب هذا المدفع هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الحنفي المعروف بالطحاوي ( 237 : 321 ه‍ ) وقد أطلق على مدفعه هذا اسم العقيدة السلفية وعرف فيما بعد بالعقيدة الطحاوية .


وجاء من بعده القاضي صدر الدين علي بن محمد بن العز الحنفي ( 731 : 792 ه‍ ) فقام بشرح هذه العقيدة وأضاف قذائف جديدة إلى قذائف الطحاوي . .


- مدافع ضد العقل / يوجه الشارح أول مدافعه نحو أصحاب الرأي من أهل الكلام أي أهل الجدل الفلسفة والمنطق بنقل مقاله لأبي يوسف صاحب أبو حنيفة فيهم هذا نصها : العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم .

وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل زنديق أو رمي بالزندقة ومن طلب العلم بالكلام تزندق . .

ونقل عن الشافعي قوله فيهم : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام . .


ثم يوجه مدفعه الثاني نحو الاتجاهات المخالفة لعقيدة الفقهاء فيما يتعلق بصفات الله تعالى التي تقوم على الروايات وأقوال السلف ، تلك الاتجاهات التي أنكرت رؤية الله وأن كلامه سبحانه غير مخلوق ورفضت التشبيه والتجسيم الذي تشير إليه

الروايات ونسبة الظلم إلى الله برفض فكرة إرادة الله للشر والكفر وأنهما يتمان بمشيئته ، وهي ما يعرف بفكرة خلق أفعال العباد التي يدين بها الفقهاء . .


أما مدفعه الثالث فقد سلطه على العقل واعتبر أنه إذا اصطدم العقل مع النقل وجب تقديم النقل أي الرواية لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين وتقديم العقل ممتنع والواجب التسليم للرواية وتلقيها بالقبول والتصديق دون معارضة بخيال باطل

نسميه معقولا . . ويؤكد الطحاوي أن جميع ما ورد عن الرسول ( ص ) من الروايات التي يعتبرها الفقهاء صحيحة من الشرع والبيان كله حق .

- ص 86 -

وشن الشارح حربا شعواء على الفلسفة والفلاسفة وأن حقيقة أقوالهم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه . مؤكدا أن أهل السنة لا يعدلون عن الرواية ولا يعارضوها بمعقول أو بقول أحد من أهل البدع والأهواء .


وهاجم الشارح الاتجاهات الأخرى التي تستند إلى قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) في نقص الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) بخصوص صفات الله تعالى والتي تصطدم اصطدما صريحا بهذا النص القرآني . .


والشارح بموقفه هذا يكون قد مال إلى صف الرواية في مواجهة النص القرآني ، بل اعتبر خصومه يحرفون الكلم عن مواضعه ويلبسون على الناس دينهم وفهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله فهمه أحد من الفقهاء . .


- في خدمة الحكام / يقول الطحاوي : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم . ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة . .


وحشد الشارح عشرات الروايات التي توجب على المسلمين طاعة الحكام وإن كانوا فجارا فسقة شعارهم ظلم العباد ونهب البلاد . . وعلى رأس هذه الروايات رواية تقول : من رأى من أميره شيئا فليصبر . .

ورواية تقول : أطع الأمير وإن جلد ظهرك وأخذ مالك . .

ورواية تقول : من فارق الجماعة - أي شق عصا الطاعة على الحكم - فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه أو مات ميتة جاهلية كما تنص روايات أخرى . .


يقول الشارح : وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم ، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور .

فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل فعلينا الاجتهاد بالاستغفار والتوبة وإصلاح العمل ، فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم . وهذا الكلام هو محل إجماع الفقهاء سلفا وخلفا بل هو من معتقدات أهل السنة التي
 

- ص 87 -

اعتبرت من أساسيات الدين الواجب على المسلمين الالتزام بها ومن أخل بها فهو ضال زائغ يدخل في زمرة أهل البدع والأهواء . .

وقد أجاز الفقهاء قتل الخارج على الحكام المفارق للجماعة على أساس رواية تقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة . .

هذا هو نهج الفقهاء والسلف الذين سخروا الدين في خدمة الحكام وألزموا الأمة بالسير على هذا النهج الذي حدد الشارح أن أتباعه هدى وخلافه ضلال . .


يقول الطحاوي : والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلها شئ ولا ينقضها .


ثم يتجه الطحاوي من بعد ومعه الشارح إلى تصويب مدافعهم على المخالفين لعقائد الفقهاء في الحكام والصحابة والسلف معلنين أن حب هؤلاء من الإيمان وبغضهم من النفاق وأن الواجب الشرعي يحتم بغض من يبغضهم والبراءة منه وإحسان القول فيهم بلا استثناء .


يقول الطحاوي : ومن أحسن القول في أصحاب الرسول ( ص ) وأزواجه فقد برئ من النفاق وعلماء السلف أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ولا نصدق من يدعي شيئا يخالف

الكتاب والسنة وإجماع الأمة هذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا ونحن براء إلى الله تعالى من كل خالف الذي ذكرناه وبيناه ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل

المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة ونحن منهم براء وهم عند ضلال وأردياء . .


ويقول الشارح : وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه . والشارح بقوله هذا يريد أن يؤكد أن صراط الفقهاء والحكام هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه .

وهو الصراط الذي حدد معالمه الطحاوي في ختام كتابه بقوله : هذا ديننا واعتقادنا . وهذا الكلام يؤكد المقولات السابقة من أن أهل السنة هم أهل الحق وأصحاب الجنة وغيرهم
 

- ص 88 -

من الاتجاهات الأخرى هم أهل الباطل وأصحاب النار . .


ويطالب الشارح الحكام بالتدخل للقضاء على المخالفين من جميع الاتجاهات وأهل اللعب واللهو والفنون بقوله : والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى إلى إزالة المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات

ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات أو يدخلوا على الناس في منازلهم وقد ثبت عن الرسول ( ص ) قوله : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه . .


وهو بهذه الفتوى لم يمنح الحاكم فقط سلطة مقاومة المنكر بل منح أفراد الرعية أيضا هذه السلطة لمقاومة مثل هذه الأنشطة والممارسات . . وبالطبع فإن مقاومة أصحاب الرأي والاتجاهات المخالفة هي مقدمة على ذلك بل هي أولى في منظور الفقهاء . .

وهكذا نرى مدافع الفقهاء تتداول فيما بينهم عبر العصور يسلمها كل فقيه لمن بعده ولا مانع أن تسلم هذه المدافع للحكام أيضا ولأفراد الرعية إذا حتمت الضرورة ذلك وتهدد نفوذ الفقهاء والحكام . .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب