|
- مدافع
الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 99 - |
مدافع ابن القيم تلميذ بن
تيمية وحامل مدافعه . .
حمل ابن القيم راية الحنابلة من
بعد وفاة أستاذه ابن تيمية وأطلق مدافعه على الخصوم وسار على سنة أستاذه إلا
أنه لم يصمد طويلا وسلك سبيل التأليف بعيد عن الصدام والمواجهة بعدما نال من
الاضطهاد والمحن على يد الفقهاء من أصحاب المذاهب الأخرى وحلفائهم من حكام
المماليك . . ( 1 )
وقام ابن القيم بتطوير مدفع إمامه ابن حنبل
المسمى ( الرد على الجهمية والزنادقة ) وأعده وجهزه ليواجه أهل زمانه من
المسلمين المخالفين أو الزنادقة المارقين وأسماه ( اجتماع الجيوش الإسلامية على
غزو المعطلة والجهمية ) وسلك ابن القيم
نفس سبل إمامه ابن حنبل وأستاذه ابن تيمية في مواجهة
المعارضين معتمدا على الروايات وأقوال سلفة وشعاراتهم التي رفعوها وبدا وكأنه
صورة طبق الأصل من ابن حنبل وابن تيمية . .
ثم تجاوز ابن القيم هذا الدور واجتهد في تصنيف
المخالفين وإصدار الأحكام فيهم . .
يقول ابن القيم : وأما أهل
البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة
والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام :
أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له ، فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا
ترد شهادته ، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين من الرجال
والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن
يعفوا عنهم وكان الله عفو غفورا . .
القسم الثاني : المتمكن من السؤال وطلب الهداية
ومعرفة الحق ، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك ،
فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته ،
فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى
على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته ، وأن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت
شهادته . .
القسم الثالث : أن يسأل فيطلب ويتبين له الهدى ،
ويتركه تقليدا أو تعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته : أن يكون
فاسقا ، وتكفيره ، محل اجتهاد وتفصيل ، فإن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) حبس ابن القيم بسبب فتوى له بتحريم زيارة مسجد يقال له مسجد
إبراهيم انظر ترجمته في الدرر الكامنة ح
3 ترجمة رقم 1067 . . |
|
|
كان معلنا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على
ذلك ، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة كحال غلبه هؤلاء
واستيلائهم ، وكون القضاء والمفتين والشهود منهم ، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ
ذاك فساد كثير و لا يمكن ذلك فتقبل للضرورة . . ( 2 )
وقام ابن القيم بإعداد مدفع آخر أسماه ( أحكام
أهل الذمة ) سلطة على غير المسلمين وحشاه بشتى أنواع القذائف الثقيلة . . وأول
هذه القذائف ذلك الكم من الروايات التي حشدها في كتابة :
وأول هذه الروايات رواية تقول :
لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة . . وهذه الرواية منسوبة للرسول ( ص ) . .
وثاني هذه الروايات منسوبة لابن
عباس قال : أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا فيه
ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزير ، وأيما مصر مصرته العجم
ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا
بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم .
وثالث هذه الروايات منسوبة لعمر بن عبد العزيز أن
عمر كتب أمرا بهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين . .
ورابع هذه الروايات عن الحسن
تقول : من السنة أن تهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة . .
وخامس هذه الروايات تقول : سئل
ابن حنبل عن البيعة والكنيسة تحدث - أي تبني من جديد - فقال : يرفع أمرها إلى
السلطان ، أي ليأمر بهدمها . .
وسادس هذه الروايات رواية
منسوبة للرسول ( ص ) تقول : لا تكون قبلتان في بلد واحد . . وأخرى تقول : لا
تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها . .
وهذه الروايات وغيرها مما تكتظ به كتب السنن فيما
يتعلق بأصحاب الديانات الأخرى موضع شك فقهاء الحديث ، ورغم ذلك يسترشد بها
الفقهاء . كما أن هذه الروايات جميعها رويت عن طريق أحمد بن حنبل . .
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) الطرق الحكمية ص 203 . . ( * )
|
|
|
ثم حشد ابن القيم بعد هذه
الروايات كما من فتاوى الفقهاء التي ترتكز على هذه الروايات وغيرها من الروايات
التي تتعلق بالموضوع . .
وجميع هذه الفتاوى تتركز في دائرة منع بناء الكنائس ومنع ترميمها والعلاقة بين
الحاكم والذمي وأورد ابن القيم في كتابه الشروط التي يلتزم بها أهل الذمة في
ديار الإسلام وهي :
* ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا
صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب . .
* أن لا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال
يطعمونهم . .
* أن لا يؤوا جاسوسا ولا يغشوا المسلمين ولا يمنعوا ذوي
قراباتهم من الإسلام إن أرادوا . .
* أن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا
الجلوس . .
* أن لا يتشبهوا بالمسلمين في شئ من لباسهم وأن يشدوا
الزنانير على أوساطهم . .
* أن لا يتقلدوا سيفا ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في
شئ من طريق المسلمين . .
* أن لا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم . .
* أن لا يعلموا أولادهم القرآن ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم
. .
* أن لا يجاوروا المسلمين بموتاهم وأن يجزوا مقادم رؤوسهم . .
فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل
المعاندة والشقاق .
قال ابن القيم وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها
- أي محاولة إثبات صحتها من حيث السند - فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في
كتبهم واحتجوا بها ولم يزل ذكر الشروط العمرية - نسبة إلى عمر بن الخطاب صاحب
الشروط السابقة - على ألسنتهم وفي كتبهم وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا
بموجبها . .
وقسم ابن القيم في كتابه البلاد التي تحوي أصحاب الديانات الأخرى إلى ثلاثة
أقسام :
الأول : بلاد أنشأها المسلمون
في الإسلام . .
الثاني : بلاد أنشئت قبل
الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها .
الثالث : بلاد أنشئت قبل
الإسلام وفتحها المسلمون صلحا . .
والقسم الأول الثاني لا يجوز أن تبنى كنيسة ولا بيع فيه وما بني يهدم ويلزم
بالشروط السابق ذكرها ، أما القسم الثالث فيقر على حاله وما بني بعد الصلح يهدم
. .
يقول ابن القيم : وهذا الذي جاءت به النصوص
والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده فإن إحداث هذه الأمور إحداث لشعائر الكفر
وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير ، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق ،
ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق ،
فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك . . ( 3 )
ومثل هذه الروايات التي استند عليها ابن القيم
والفتاوى التي استحضرها هي التي ارتكز عليها حنابلة العصر من الجماعات
الإسلامية واستباحوا دماء وأموال النصارى على أساسها مرتكزين على أن المجتمع
المعاصر يعد حسب المفهوم الفقهي الذي
وضعه الفقهاء : دار حرب لا يوجد فيها إمام ولا توجد بين
المسلمين والنصارى عقود ذمة تحفظ على أساسها أموالهم ودمائهم فمن ثم هم عرضه
للاستحلال من قبل هذه الجماعات التي جعلت من نفسها قيما على الدين ومعبرا عنه
وناطقة بلسانه وقد منحتها هذه الصلاحيات عقيدة أهل السنة ونصوص الفقهاء ، وعجز
فقهاء العصر وتحالفهم مع الحكام من جانب آخر . .
مثل هذا الفقه المتطرف الذي بني على روايات ضعيفة
وعلى الأعراف وقرارات الحكام يجب أن يعاد ضبطه مع القرآن ، وهو لن ينضبط معه
بحال ، فالقرآن لم ينص على شئ من هذا تجاه الديانات الأخرى . .
هذا الفقه إنما هو وليد مرحلة سياسية خاصة هي مرحلة
الحروب والغزوات وليس وليد النصوص .
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) أنظر ملاحق الكتاب . . ( * )
|
|
|
|