|
لماذا هذا الكتاب |
|
|
لماذا هذا الكتاب ليس هو كتابا مذهبيا يراد منه تعميق الخلاف بين المسلمين . فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تلم شملنا ، وتؤلف بين قلوبنا ، وما أحرانا باجتياز الحواجز التي ركزت بيننا . ثم ما أشوقنا إلى لغة الحوار السليم التي تعيننا على ذلك ، إذن لبلغنا المنى ولاستوت مراكبنا ، واجتمعت كلمتنا على ما تركه لنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا نضل بعده ، ولا نفترق ، أو نسلك سبلا شتى . . وإذا كانت هناك أسباب ودواع لما حصل بيننا من خلاف ، فما أجمل أن نقف عليها بكل حياد ، وتعقل مدركين أن المهم في الأمر هو ظهور النهج الإسلامي الأصيل الحنيف ، وليس غلبة هذا الاتجاه ، أو ذاك . . وأن اتفاقنا على الحق الصريح هو الذي سيضمن اجتماعنا .
وهذا الكتاب هو تجربة شخصية على هذا
الطريق . تجربة فيها كل ما في التجارب الكبيرة من مشاكل وصعوبات ، وفيها
ما في أخواتها عند ما تكلل بالنجاح . وقد لا تكون التجارب في ميدان العقيدة
عزيزة ، فربما خاضها الكثيرون من أبناء كل
جيل ، ولكن انتصار اليقين والحق المجرد على العاطفة هو العزيز
في تلك التجارب . ولست من الذين يرون أن هزيمة اليقين صاحبها في صفائها ، وربما يجتمع الأمران معا . والوفاء لذاته ممدوح ، بعكس العصبية . . فكثيرا ما يقف المرء على حقيقة كان يعتقد بخلافها ، ولكن لعقيدته هذه في قلبه قدسية أحيانا ، فينبعث عن هذه القدسية سؤال يقول : أحقا أن هذا المفهوم الذي عشت أقدسه لا أصل له ، وأن الصواب في المفهوم الآخر الذي يأباه قلبي وتنفر منه نفسي ؟ ! هذه هي العصبية ،
المرء إلى الوراء . . إنه الوفاء للذكريات . . فلم لا وقد أمضى أيام شبابه وهو في ذروة الحماس الديني ، مع ثلة من إخوانه المؤمنين ، تزدان مجالسهم بالذكر والبحث الصادق النقي الذي لا تشوبه شائبة من رياء أو مكابرة ؟ إنه ليعشق تلك الذكريات عشقا لا تتخلله سهام الطعن ، فإذا ما واجهته الحقيقة بغير ما
كان يرى ثار شوقه إلى تلك الذكريات وتأجج عشقه لها ، يشك في ذلك الماضي الجميل ! ! وهذا هو الوفاء للذكريات . .
ولقد كنت للعصبية عدوا حيثما واجهتني ، غلبتها أو غلبتني ، أما الذكريات فقد
آخيتها وأحسنت صحبتها حتى النهاية ، وقد جعلتها في فقرات من هذا الكتاب بمثابة
صديق لي أحاوره فيستجيب لي ولو همسا . وقد أعانني على ذلك كونها ذكريات واضحة
لم تختلط في ذهني . . وكونها زاخرة
بعلامات استفهام كانت تثيرها العقول في ساعات انطلاقاتها ،
فتخترق بحريتها أسوار القداسة ، ثم تترك السؤال حائرا ، وقلما
مرتبة كما كانت في الواقع ، بعيدا عن التكلف . . إثارات أولية ، ثم عودة إلى نقاط البدء ، فحوار بين حقيقة تهدي إليها الإثارة وموقف مسبق إزاء هذه الحقيقة . . وقد اتخذ هذا الحوار ثلاثة أشكال : - حوار مع قطب من الأقطاب الذين تبنوا ذلك الموقف ودافعوا عنه ، وقد قدمت لهذا دائما بذكر اسم الرجل وكتابه . - حوار مع الذكريات ، فإذا حاورتها سميتها ( صديقي ) ، أو تكلمت بضمير الخطاب . - حوار مع حدث ثابت من الأحداث ، أو مفهوم من المفاهيم . فتكشف عن كل ذلك أن ثم نسيجا غليظا نسجه التاريخ حول كثير من الحقائق ، وهالة مصطنعة أضفاها على كثير من الرجال والمفاهيم ، وليس لذلك أساس في الدين ولا واقع في التاريخ . ووضعت ذلك في فصول اكتفيت فيها بالقليل من شواهد التاريخ ، وأغضيت عن كثير منها خشية الإطالة مرة ، ولكراهة
الغوص في أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي مرة أخرى . وقد قدمت
له بمقدمتين : الأولى : حول طبيعة الانتماء
المذهبي ، وأثره في قضية الوحدة بين المسلمين .
والثانية : إشارة موجزة إلى بداية قصتي في هذه الرحلة . وهناك ركائز منهجية اعتمدناها تجدر الإشارة إلى بعضها ، فمنها : 1 - تجنب النقل بالواسطة ، والاقتصار على ما نقف عليه مباشرة ما تيسر ذلك . 2 - التحقيق في أسانيد الأحاديث المنتخبة ، أو اعتماد حكم أرباب هذا الفن فيها . وقد ذكرنا نبذا من ذلك في مواضع الضرورة فقط ، وأعرضنا عما سواها تجنبا للإطالة . 3 - لملاحظة اختلاف النسخ المتعددة للمصدر الواحد ، ذكرنا تعريفا بالنسخة المعتمدة في فهرس المصادر . 4 - ألحقنا بالكتاب فهارس مفصلة تيسيرا للحصول على المطالب ، وقد تضمنت : الآيات ، والأحاديث ، والأعلام ، والأشعار ، والمصادر ، ومحتوى الكتاب . والله ولي التوفيق . صائب عبد الحميد
|
|