|
حديث الثقلين |
|
|
الله تعالى يقول ورسوله يتحدث . . . لقد تناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الإمامة في العديد من الأحاديث الشريفة - المقطوع بصحة إسنادها - تصريحا ، أو إشارة وتلميحا ، وقد جاء بعض هذه الأحاديث تابعا لنص قرآني منزل ، مبينا له ومفسرا . وجاء البعض الآخر إرشادا منه صلى الله عليه وآله
وسلم لأمته ( وما ينطق عن
الهوى*إن هو إلا
وحي يوحى )
الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا بماء يدعى ( خما ) بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : " أما بعد ألا أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه - وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " .
معها تسرب الشك إليه بأي شكل من الأشكال . وقد يكون هذا النص النبوي الشريف لوحده كافيا في تعيين خلفاء الرسول ، وأئمة المسلمين . فانظر إلى عبارته بدقة تجده قد جعل الكتاب وأهل البيت متلازمين أبدا : " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . ثم انظر كيف توجه إليهما بلفظ واحد ، ولم يفرق بينهما حتى في الخطاب ، فقال : " فإنهما " ، " لن يفترقا " ، " حتى يردا " ، فهو تلازم في التعبير والإشارة . هذا بعد ما في صدر الحديث من كلام يفيد الالزام ، ويؤكد وجوب الحرص عليه . فهو إضافة إلى كونه أمر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وتوجيهه ، فهو أيضا يمثل خلاصة الدعوة النبوية ، فإنه : " يوشك أن يأتي رسول ربي ، فأجيب " . . و " إني تارك فيكم الثقلين . . " ، " خليفتين " . " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي . . " . وهي أمانته في أمته : " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " " أذكركم الله في أهل بيتي " ونحن عنها مسؤولون " أيها الناس ، إني فرطكم ، وأنتم واردي على الحوض ، وإني سائلكم حين تردون علي
عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ( 1 )
" . وبعد هذا ، فمن البديهي أن نقول : إنه متى أمكن لهذه الأمة ، أو كائن
من كان فيها ، أن يكون حاكما على كتاب الله ، وقائدا له ، فقد جاز له أن يكون حاكما على أئمة أهل البيت ، وإماما منصبا عليهم . ولما كانت الأولى مستحيلة ، فإن الثانية كذلك مستحيلة ، وبنفس الدرجة بلا تفاوت ، وبلا فارق ، لأنهما " متلازمان " و " لن يفترقا " .
المهجوران الحوض على رسول الله ) . نعم ، هو الأمر هكذا ومما يؤيده رواية الطبراني ، كما ينقلها ابن حجر فيقول : زاد الطبراني : " إني سألت ذلك لهما ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " ( 1 ) قال ابن حجر ( 2 ) : وفي رواية : " كتاب الله وسنتي " ( 3 ) . قال : وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب ، لأن السنة مبينة له ، فأغنى ذكره عن ذكرها ، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت ، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام
الساعة . ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا
. . .
إلى أن قال : وأخرج ابن سعد ، والملا في سيرته : أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : " استوصوا ، بأهل بيتي خيرا ، فإني أخاصمكم عنهم غدا ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار " . ثم أضاف معلقا ، بقوله : ( تنبيه ) سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وعترته ( ثقلين ) لأن الثقل كل نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية ، والأحكام الشرعية . قال : ولذا حث صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " . وقيل ( والكلام له ) : سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما ، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله ، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض ، ويؤيده الخبر السابق : " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " . قال : وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة ، والمزايا المتكاثرة ، وقد جاء في الخبر الذي في قريش : " وتعلموا منهم فإنهم أعلم منكم " فإذا ثبت هذا العموم لقريش ، فأهل البيت أولى منهم بذلك ، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش . وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك . - وهذه حقيقة بالغة الأهمية ينبغي حسن التمعن فيها ، فهي مأخوذة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . قال : ثم أحق
من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه ، لمزيد علمه و دقائق مستنبطاته ، ومن ثم قال أبو بكر : علي عترة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي الذين حث على التمسك بهم ، فخصه لما قلنا ، وكذلك خصه صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم ( 1 ) . انتهى . وهل يستدعي هذا النص مزيدا من الإيضاح ؟ فقد أمرنا نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمرا جليا صريحا بالتمسك بسببين ، وصفهما أنهما سببا النجاة وطريق الهداية " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي " ثم هما " متلازمان " فلا يصح فصل أحدهما عن الآخر " وإنهما لن يفترقا " حتى يردا جميعا على رسول الله يوم القيامة . ثم سماهما تسمية صريحة ، فقال : " كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " . ثم قطع الطريق على المعتذرين فقال : " أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " " وأني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما " .
عار من الإسناد ( 2 ) ، وفي تاريخ الطبري بهذا الإسناد :
أخبرنا ابن حميد ، قال حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ،
قال : وساق الخبر في خطبة حجة الوداع إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : وتركت
فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله ، وسنتي
( 3 ) . وهذا الإسناد فيه :
1 - سلمة : وهو سلمة بن الفضل الأبرش قاضي الري ، روى عن محمد بن إسحاق وروى عنه محمد بن حميد . قال فيه البخاري : عنده مناكير ، وهنه علي - المديني - قال علي : ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه ، وقال النسائي : هو ضعيف ، وقال أبو حاتم الرازي ، لا يحتج بحديثه ، ووصفه أبو زرعة ، فقال : كذاب ( 1 ) .
وقال الرازي : عندي عن ابن حميد خمسون ألفا ، لا أحدث عنه بحرف . وقال صالح بن محمد الأسدي : ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض . وقال أيضا : ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين : سليمان الشاذكوتي ، ومحمد بن حميد كان يحفظ حديثه كله . وقال أبو علي النيسابوري : قلت لابن خزيمة : لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد ، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه . فقال : إنه لم يعرفه كما عرفناه ، ولو عرفه ما أثنى عليه أصلا . وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة : سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بإصبعه إلى فمه ، فقلت له : كان يكذب ؟ فقال برأسه : نعم ، فقلت : له : كان قد شاخ ، لعله كان يعمل عليه ، ويدلس عليه ؟ فقال : لا - يا بني - كان يتعمد . وقال أبو نعيم : سمعت أبا حاتم الرازي وعنده ابن خراش وجماعة
من مشائخ أهل الري وحفاظهم ، فذكروا ابن حميد ، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث
جدا ، وأنه يحدث بما لم يسمعه .
وقال ابن خراش : حدثنا ابن حميد ، وكان والله يكذب . وقال أبو حاتم الرازي : هذا كذاب لا يحسن أن يكذب . وسئل النسائي عنه ، فقال : ليس بشئ . فقيل له : ألبتة ؟ قال : نعم . وقال في موضع آخر : محمد بن حميد كذاب ( 1 ) . وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريقين ( 2 ) : الأول فيه إسماعيل بن أبي أويس ، وعكرمة . إسماعيل ضعيف مخلط يكذب ( 3 ) ، وعكرمة هو الخارجي المعروف بكذبه على ابن عباس ( 4 ) . والثاني : فيه صالح بن موسى الطلحي ، وهو ضعيف جدا
كثير المناكير لا يكتب حديثه ( 5 ) . هذه خلاصة
حال هذا الحديث ! فقارن .
|
|