حديث الثقلين

 


 1 - حديث الثقلين :

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 67

الله تعالى يقول ورسوله يتحدث . . . لقد تناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الإمامة في العديد من الأحاديث الشريفة - المقطوع بصحة إسنادها - تصريحا ، أو إشارة وتلميحا ، وقد جاء بعض هذه الأحاديث تابعا لنص قرآني منزل ، مبينا له

ومفسرا . وجاء البعض الآخر إرشادا منه صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ( وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى )
النجم : 3 ، 4 . ومن تلك النصوص :


 1 - حديث الثقلين : وهو من أشهر الأحاديث الشريفة ، ذلك الحديث الذي يلخص الأمانة الكبرى التي تركها رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أعناقنا ، من أجل حفظ هذا الدين ، وحفظ هذه الأمة بحفظ دينها . وهو ، كما في صحيح مسلم
( 1 ) : عن زيد بن أرقم ، قال : قام فينا رسول
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كتاب فضائل الصحابة 4 : 1873 ح / 2408 بعدة طرق ، ورواه عنه النووي في ( رياض الصالحين ) : 141 ، 255 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 68

الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا بماء يدعى ( خما ) بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : " أما بعد ألا أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب الله ، فيه

الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه - وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " .


وفي سنن الترمذي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " ( 1 ) . وبهذا النص أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 ) ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .


وفي مسند أحمد : " إني تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله وأهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض جميعا " ( 3 ) . وقد ورد هذا الحديث في أغلب كتب السنن ( 4 ) وبطرق عديدة ، يمتنع
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
المصدر : الجزء الخامس - كتاب المناقب : 663 / 3788 وقبله / 3786 .
( 2 )
ج 3 : 148 .
( 3 )
ج 5 : 182 ، 189 و ج 3 : 17 ، 14 ، وأخرجه في فضائل الصحابة 2 : 603 / 1035 .
( 4 )
ومنها غير ما ذكرناه : الخصائص للنسائي : 21 ، السيرة الحلبية 3 : 336 ، العقد الفريد 4 : 126 ،
مصابيح السنة
4 : 185 / 4800 و 190 / 4816 والترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 : 36 / 536 و 46 / 547 ،
ومجمع الزوائد 9 : / 163 - 164 ، الجامع الصغير 1 : 244 / 1608 ، الصواعق المحرقة باب 11 فصل 1 : 149 ،
الخصائص الكبرى
للسيوطي 2 : 466 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 112 وذخائر العقبى : 16
والدر المنثور - عند قوله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) 103 آل عمران 2 : 285 ، والرازي أيضا 8 : 163 ،
وابن كثير في سورة الشورى 4 : 122 وغيرهم كثير ، والحديث متفق عليه .  ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 69

معها تسرب الشك إليه بأي شكل من الأشكال . وقد يكون هذا النص النبوي الشريف لوحده كافيا في تعيين خلفاء الرسول ، وأئمة المسلمين .

فانظر إلى عبارته بدقة تجده قد جعل الكتاب وأهل البيت متلازمين أبدا : " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . ثم انظر كيف توجه إليهما بلفظ واحد ، ولم يفرق بينهما حتى في الخطاب ، فقال : " فإنهما " ، " لن يفترقا " ، " حتى يردا " ، فهو

تلازم في التعبير والإشارة . هذا بعد ما في صدر الحديث من كلام يفيد الالزام ، ويؤكد وجوب الحرص عليه . فهو إضافة إلى كونه أمر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وتوجيهه ، فهو أيضا يمثل خلاصة الدعوة النبوية ، فإنه : " يوشك

أن يأتي رسول ربي ، فأجيب " . . و " إني تارك فيكم الثقلين . . " ، " خليفتين " . " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي . . " . وهي أمانته في أمته : " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " " أذكركم الله في أهل بيتي " ونحن عنها مسؤولون " أيها الناس

 ، إني فرطكم ، وأنتم واردي على الحوض ، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ( 1 ) " . وبعد هذا ، فمن البديهي أن نقول : إنه متى أمكن لهذه الأمة ، أو كائن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 112 ، مصابيح السنة 4 : 190 / 4816 ، والترجمة 2 : 46 / 547 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 70

من كان فيها ، أن يكون حاكما على كتاب الله ، وقائدا له ، فقد جاز له أن يكون حاكما على أئمة أهل البيت ، وإماما منصبا عليهم . ولما كانت الأولى مستحيلة ، فإن الثانية كذلك مستحيلة ، وبنفس الدرجة بلا تفاوت ، وبلا فارق ، لأنهما " متلازمان " و " لن يفترقا " .


وأيضا ، ففي عبارة : " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( إشارة إلى أن كل ما ألم بأي من الثقلين - بعد الوجود المقدس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قد أصاب الثقل الآخر أيضا ، وأن هجر أي منهما هجر للآخر ، حتى يرد هذان

المهجوران الحوض على رسول الله ) . نعم ، هو الأمر هكذا ومما يؤيده رواية الطبراني ، كما ينقلها ابن حجر فيقول : زاد الطبراني : " إني سألت ذلك لهما ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " ( 1 )

قال ابن حجر ( 2 ) : وفي رواية : " كتاب الله وسنتي " ( 3 ) . قال : وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب ، لأن السنة مبينة له ، فأغنى ذكره عن ذكرها ، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل

البيت ، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة . ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا . . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الصواعق المحرقة : باب 11 فصل 1 : 150 ، ورواها الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 164 ،
والسيوطي في الدر المنثور 2 : 285 - عند الآية ( 203 ) آل عمران .
( 2 )
المصدر : 150 - 151 .
( 3 )
لم يأت الحديث في الصحاح بهذا اللفظ ، وأنما اتفقوا جميعا على لفظ : " كتاب الله وعترتي أهل بيتي " وسيأتي الكلام فيه مفصلا .
( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 71

إلى أن قال : وأخرج ابن سعد ، والملا في سيرته : أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : " استوصوا ، بأهل بيتي خيرا ، فإني أخاصمكم عنهم غدا ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار " .

ثم أضاف معلقا ، بقوله : ( تنبيه ) سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وعترته ( ثقلين ) لأن الثقل كل نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية ، والأحكام الشرعية . قال : ولذا

حث صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " . وقيل ( والكلام له ) : سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما ، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب

الله وسنة رسوله ، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض ، ويؤيده الخبر السابق : " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " . قال : وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة ، والمزايا

المتكاثرة ، وقد جاء في الخبر الذي في قريش : " وتعلموا منهم فإنهم أعلم منكم " فإذا ثبت هذا العموم لقريش ، فأهل البيت أولى منهم بذلك ، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش . وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل

البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك . - وهذه حقيقة بالغة الأهمية ينبغي حسن التمعن فيها ، فهي مأخوذة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي

الحوض " . قال : ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لمزيد علمه و دقائق مستنبطاته ، ومن ثم قال أبو بكر : علي عترة
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 72

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي الذين حث على التمسك بهم ، فخصه لما قلنا ، وكذلك خصه صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم ( 1 ) . انتهى .

وهل يستدعي هذا النص مزيدا من الإيضاح ؟ فقد أمرنا نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمرا جليا صريحا بالتمسك بسببين ، وصفهما أنهما سببا النجاة وطريق الهداية " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي " ثم هما " متلازمان " فلا يصح

فصل أحدهما عن الآخر " وإنهما لن يفترقا " حتى يردا جميعا على رسول الله يوم القيامة . ثم سماهما تسمية صريحة ، فقال : " كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " . ثم قطع الطريق على المعتذرين فقال : " أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " " وأني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما " .


فهذا نص صريح في تعيين خلفاء الرسول من بعده . وهذا نص متفق عليه ، أجمع على روايته أصحاب السنن والفضائل كافة - سوى البخاري ! - وذكره أيضا أصحاب السير والتفسير . وأما الحديث بلفظ ( كتاب الله وسنتي ) فقد ورد في موطأ مالك

عار من الإسناد ( 2 ) ، وفي تاريخ الطبري بهذا الإسناد : أخبرنا ابن حميد ، قال حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، قال : وساق الخبر في خطبة حجة الوداع إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله ، وسنتي ( 3 ) . وهذا الإسناد فيه :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هذه شهادة متقدمة ، وسيأتي التفصيل في خطبة غدير خم لاحقا إن شاء الله .
( 2 )
الموطأ - كتاب القدر / 3 . ووصل إسناده ابن عبد البر وفيه كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ، وهو متروك ومن أركان الكذب ونسخته عن أبيه عن جده موضوعة . ميزان الاعتدال 3 : 406 - 407 .
( 3 )
تاريخ الطبري 3 : 169 - 170 ، وعنه تاريخ ابن خلدون 2 : 480 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 73

 1 - سلمة : وهو سلمة بن الفضل الأبرش قاضي الري ، روى عن محمد بن إسحاق وروى عنه محمد بن حميد . قال فيه البخاري : عنده مناكير ، وهنه علي - المديني - قال علي : ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه ، وقال النسائي : هو ضعيف ، وقال أبو حاتم الرازي ، لا يحتج بحديثه ، ووصفه أبو زرعة ، فقال : كذاب ( 1 ) .


 2 - ابن حميد : وهو محمد بن حميد الرازي ، روى عن سلمة بن الفضل كتاب المغازي : قال يعقوب بن شيبة : محمد بن حميد كثير المناكير ، وقال البخاري : في حديثه نظر وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال الجوزجاني : غير ثقة .

وقال الرازي : عندي عن ابن حميد خمسون ألفا ، لا أحدث عنه بحرف . وقال صالح بن محمد الأسدي : ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض . وقال أيضا : ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين :

سليمان الشاذكوتي ، ومحمد بن حميد كان يحفظ حديثه كله . وقال أبو علي النيسابوري : قلت لابن خزيمة : لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد ، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه . فقال : إنه لم يعرفه كما عرفناه ، ولو عرفه ما أثنى عليه أصلا .

وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة : سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بإصبعه إلى فمه ، فقلت له : كان يكذب ؟ فقال برأسه : نعم ، فقلت : له : كان قد شاخ ، لعله كان يعمل عليه ، ويدلس عليه ؟ فقال : لا - يا بني - كان يتعمد .

وقال أبو نعيم : سمعت أبا حاتم الرازي وعنده ابن خراش وجماعة من مشائخ أهل الري وحفاظهم ، فذكروا ابن حميد ، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جدا ، وأنه يحدث بما لم يسمعه .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تهذيب التهذيب 4 : 153 / الترجمة رقم 265 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 74

وقال ابن خراش : حدثنا ابن حميد ، وكان والله يكذب . وقال أبو حاتم الرازي : هذا كذاب لا يحسن أن يكذب . وسئل النسائي عنه ، فقال : ليس بشئ . فقيل له : ألبتة ؟ قال : نعم . وقال في موضع آخر : محمد بن حميد كذاب ( 1 ) . وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريقين ( 2 ) :

 الأول فيه إسماعيل بن أبي أويس ، وعكرمة . إسماعيل ضعيف مخلط يكذب ( 3 ) ، وعكرمة هو الخارجي المعروف بكذبه على ابن عباس ( 4 ) .

 والثاني : فيه صالح بن موسى الطلحي ، وهو ضعيف جدا كثير المناكير لا يكتب حديثه ( 5 ) . هذه خلاصة حال هذا الحديث ! فقارن .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تهذيب التهذيب 9 : 129 - 131 / 180 .
( 2 )
المستدرك 1 : 93 ، السنن الكبرى 10 : 114 .
( 3 ) تهذيب التهذيب 1 : 271 .
( 4 )
ميزان الاعتدال 3 : 94 .
( 5 ) تهذيب التهذيب 4 : 354 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب