|
حديث الغدير |
|
|
7 - حديث الغدير هذا الحديث ، الذي بلغ حد التواتر عند جميع المسلمين - كما سنرى - وحفظته أمهات المصادر ، قد لاقى من الكتمان ، أو شبهه ، ما لم يلقه شئ من أخبار الآحاد أو الضعاف ، حتى صار كالمجهول لدى الغالبية منا ، وأصبح ذكره يستوجب الكثير من التفصيل في إثباته ، ثم رد الأقاويل التي نسجت حوله ابتغاء تأويله ! ومهما يكن ، فليس بقادح في جمال الربيع صدود من لا يعشق الجمال . وبينما ترى بعضنا يقف خاشعا مذعنا أمام النص النبوي الشريف ، تجد آخر يسلك فنون التأويل ، ويحمل الألفاظ ما لا تطيق ، ليصرف النص عن مفاده ومغزاه . ونبدأ رحلتنا الطويلة مع هذا الحديث بما أثبته اليعقوبي في تاريخه ، تحت عنوان " حجة الوداع " ( 1 ) . وهو يروي خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى أن
يقول : ثم قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا ترجعوا بعدي كفارا مضلين
يملك بعضكم رقاب بعض ، إني قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله
وعترتي أهل بيتي ، ألا هل بلغت " ؟ قالوا : نعم ، قال : " اللهم اشهد " . ثم
قال إنكم مسؤولون ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب " .
ثم يمضي في الحديث إلى أن يبلغ قوله : وخرج ليلا منصرفا إلى المدينة ، فصار إلى موضع بالقرب من الجحفة ، يقال له : غدير خم ، لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، وقام خطيبا ، وأخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قالوا بلى ، يا رسول الله . قال : " فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . ثم قال " أيها الناس ، إني فرطكم على الحوض ، وأنتم واردي على الحوض ، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . قالوا : وما الثقلان يا
رسول الله ؟ قال : " الثقل الأكبر : كتاب الله ، سبب طرفه
ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ، ثم قال : " من كان الله ورسوله وليه ، فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . وعن
زيد بن أرقم ، قال : لما دفع رسول الله من حجة الوداع ، ونزل غدير خم ، أمر
بدوحات ( 1 ) فقممن ( 2 ) ، ثم
تخلفوني فيها ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . ثم قال " إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن " ثم إنه أخذ بيد علي ، فقال : " من كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . قال أبو الطفيل : فقلت لزيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال : وإنه ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه ، وسمعه بأذنيه .
الظهر ، وأخذ بيد علي ، وقال : " ألستم تعلمون أني أولى
بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قالوا : بلى ، فأخذ بيد علي ، وقال :
" اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ،
وعاد من عاداه " . قال : فلقيه عمر بعد ذلك ،
فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت
وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة .
حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه
، ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية : (
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي " . ثم قال : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " . فقال حسان بن ثابت : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال : " قل ببركة الله تعالى " . فقال : يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا
فقال له : قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما
وهاديا
وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم
ابن عساكر ( 3 ) أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة . ثم يشرع صاحب الكتاب بإيراد
إذ قام الإمام علي عليه السلام ، في أيام خلافته ، فناشد
الناس : أنه من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول :
" من كنت مولاه فعلي
مولاه " فليشهد بذلك - فيثبت هذه الحادثة من ستة وثلاثين طريقا ، ثم يشهد بصحة القسم الأعظم منها وقوته . ثم يختتم هذا الفصل بذكر ما رد به الشيخ الحافظ أبو عبد الله الذهبي ( 1 ) على حديث أبي هريرة ، الذي فيه : عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ، قال : لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي ، قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " فأنزل الله عز وجل : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) الآية . قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ( 2 ) . قال - بعد أن استعرض رأيه - وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث : هذا حديث منكر جدا ! ورواه حبشون الخلال وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري ، وهما صدوقان ، عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة ، قال : يروي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ، ومالك بن الحويرث ، وأنس بن مالك ، وأبي سعيد ، وغيرهم بأسانيد واهية ( ! ) .
عما يخرجه إلى تأويل يصرف فيه الحديث عن حقيقته الظاهرة
الجلية ، فبعد أن دخل مدخلا واهيا ينشد غرضه ، فظن أنه انتصر ، قفز ، وهو يظن
أنه ارتقى أعلى درجات السلم ، ولكنه - أسفا -
كان قفزا إلى الأسفل ! وسنذكر محاولاته هذه بنصها : فهو يقول - في أول كلامه الذي تركه مبهما بعنوان - : ( فصل ) ، كتب تحته : ( في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة ، مرجعه من حجة الوداع ، قريب من الجحفة ، يقال له : غدير خم ، فبين فيه فضل علي بن أبي طالب ، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا ، والصواب كان معه في ذلك لهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة ، بين ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في يوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ ، وكان يوم الأحد ، بغدير خم ، تحت شجرة هناك ، فبين فيها أشياء ، وذكر من فضل علي ، وأمانته ، وعدله ، وقربه إليه ، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ، ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة . . . ) .
علم القارئ أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد رد على تلك الشكاوى في محلها وفي وقتها ، وعلى مرأى ومسمع من المسلمين ؟ وقد وردت تلك الردود في كافة الروايات التي تعرضت إلى تلك الشكاوى ، ومنها عدة روايات يذكرها صاحب البداية والنهاية نفسه !
وإليك قصص الشكاوى ، نبدأها بما رواه في هذا
الفصل ، فقال : لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله ( ص ) بمكة تعجل إلى
رسول
الله ( ص ) واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم ، فإذا عليهم الحلل ، فقال : ويلك ، ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس . قال : ويلك ، انزع قبل أن ينتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فانتزع الحلل من الناس ، فردها في البز - قال - وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم - ثم ذكر سندا ينتهي إلى أبي سعيد الخدري - قال : اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ( ص ) فينا خطيبا فسمعته يقول : " أيها الناس ، لا تشكوا عليا ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله - أو في سبيل الله " .
ثم قال : وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناد نحوه ، وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات .
وفعل الثاني منهم والثالث والرابع مثل أولهم ، وفي كل مرة يعرض الرسول عن الشاكي - قال - فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والغضب يعرف في وجهه ، فقال : " وما تريدون من علي ؟ وما تريدون من علي ؟ ! إن عليا مني ، وأنا منه ، إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " ( 1 ) .
جنده " . فلقينا بني زيد من أهل اليمن ، فاقتتلنا ، فظهر المسلمون على المشركين ، فقتلنا المقاتلة ، وسبينا الذرية ، فاصطفى علي لنفسه امرأة من السبي - قال بريدة - فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله يخبره بذلك . فلما أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفعت الكتاب ، فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، هذا مكان العائذ ،
بعثتني مع رجل ، وأمرتني أن أطيعه ، ففعلت ما أرسلت به .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تقع في علي ، فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي ، وإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " ( 1 ) .
عظيم منزلة علي عليه السلام ، ثم يؤكد الولاية له : " فإنه مني ، وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " . وبهذا يتبين بطلان ما ادعاه ، والحمد لله . وبعد ، فإذا نظرنا فيما تميزت به هذه الخطبة من خصوصيات ، نجد بما لا يدع أدنى مجالا للشك ، أن ذلك التأويل ليس له محل على الاطلاق . فقد تمتعت هذه الخطبة ، بميزات لم تحظ بها أية خطبة أخرى في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : - فبعد
عودة الناس من حجهم الأكبر . - وعند بلوغهم مفترق الطرق ، حيث يتجه كل إلى أهله
وموطنه . - وفي منتصف النهار ، ولهيب الهاجرة . - ونادى منادي رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم . - فرد المتقدم . - وانتظر المتأخر حتى لحق به .
ثم قام ذلك المقام المشهود ، أمام مائة ألف أو يزيدون ! ألا
يدل ذلك ، بل بعض منه ، على أنه صلى الله عليه وآله وسلم تبلغ فيها الحجة كل المسلمين ، وفي كافة أقطارهم ؟ بلى ، إنها كانت بيعة على الأشهاد ، تولى إبلاغها خير الخلق وسيد العباد ، ثم لم يصرفهم من تجمعهم الكبير ، ولا اختتم كلامه حتى أشهد الله عليهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، وفرض عليهم تبليغها في بلدانهم بشكل لم يفرضه على أمر آخر ، أو خطبة أخرى
، فكرر القول : " ألا هل بلغت " ، اللهم اشهد " . عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة ولا متمسك لهم ولا دليل ، لما سنبينه وننبه عليه ، فنقول ، وبالله المستعان : قال محمد بن إسحاق . . . ) .
خلافة علي بن أبي طالب ، ولأجل المزيد من الاطمئنان من عدم
قطعنا كلامه ، نعود إلى حيث انتهينا عنده من رد الحافظ الذهبي ، لنأتي بالحديث
إلى آخره : قال - الحافظ الذهبي - وصدر الحديث متواتر ، أتيقن أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قاله ، وأما " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الإسناد ،
وأما
هذا الصوم فليس بصحيح ، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة ، قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم ( 1 ) وقال الطبراني : حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، حدثنا علي ابن محمد المقدمي ، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي ، حدثنا علي بن محمد ابن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع ، حدثنا سهل بن حنيف ، عن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من حجة الوداع ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ، إن أبا بكر لم يسؤني قط ، فاعرفوا ذلك له ، أيها الناس ، إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض ، فاعرفوا ذلك لهم ، أيها الناس ، احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم ، أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين ، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا ، بسم الله الرحمن الرحيم " . انتهى .
هل أراد أن يقول : إن فيه دلالة على استخلاف أبي بكر ؟ فأي شئ فيه يدل على الاستخلاف ؟ ثم إنه ليس له أن يستدل بهذا ، ولا بغيره لأن ذلك يخالف مذهبه
الذي يقول إن النبي لم يستخلف أحدا ! وبعد ، فهذا هو كل ما عثر عليه ليرد به
على من استدل على ولاية علي
ابن أبي طالب عليه السلام من حديث الغدير ، ونظائره ، كما يدل على هذا كلامه المتقدم : ( مع إعلامنا أنه لا حظ . . . . ولا متمسك لهم ، ولا دليل ) ! فلم يبق إلا أنه أراد أن يقول بوجوب حفظ كرامة الصحابة ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي ، لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم " .
من الذين سيطلبهم الله بمظلمة أخلص أصحاب رسول الله ، وأصهاره وأحبابه ؟ ونعود فنقول : بل إن أول من استدل بخطبة الغدير على ولاية علي عليه السلام هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقد مر في حديث البراء بن عازب : فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال : هنيئا لك يا بن أبي
طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . وأورد أحمد وغيره أن أبا بكر وعمر لما
سمعاه ، قالا له : أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة
( 1 ) . لقد كانت بيعة صريحة منهم له عليه السلام
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !
|
|