حديث الغدير

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 91

 7 - حديث الغدير هذا الحديث ، الذي بلغ حد التواتر عند جميع المسلمين - كما سنرى - وحفظته أمهات المصادر ، قد لاقى من الكتمان ، أو شبهه ، ما لم يلقه شئ من أخبار الآحاد أو الضعاف ، حتى صار كالمجهول لدى الغالبية منا ، وأصبح

ذكره يستوجب الكثير من التفصيل في إثباته ، ثم رد الأقاويل التي نسجت حوله ابتغاء تأويله ! ومهما يكن ، فليس بقادح في جمال الربيع صدود من لا يعشق الجمال . وبينما ترى بعضنا يقف خاشعا مذعنا أمام النص النبوي الشريف ، تجد آخر يسلك

فنون التأويل ، ويحمل الألفاظ ما لا تطيق ، ليصرف النص عن مفاده ومغزاه . ونبدأ رحلتنا الطويلة مع هذا الحديث بما أثبته اليعقوبي في تاريخه ، تحت عنوان " حجة الوداع " ( 1 ) .

وهو يروي خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى أن يقول : ثم قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا ترجعوا بعدي كفارا مضلين يملك بعضكم رقاب بعض ، إني قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ألا هل بلغت " ؟ قالوا : نعم ، قال : " اللهم اشهد " . ثم قال إنكم مسؤولون ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
2 : 111 - 112 ، ومثله في السيرة الحلبية 3 : 336 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 92

ثم يمضي في الحديث إلى أن يبلغ قوله : وخرج ليلا منصرفا إلى المدينة ، فصار إلى موضع بالقرب من الجحفة ، يقال له : غدير خم ، لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، وقام خطيبا ، وأخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : " ألست أولى

بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قالوا بلى ، يا رسول الله . قال : " فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . ثم قال " أيها الناس ، إني فرطكم على الحوض ، وأنتم واردي على الحوض ، وإني سائلكم حين تردون علي عن

الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . قالوا : وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال : " الثقل الأكبر : كتاب الله ، سبب طرفه
بيد الله ، وطرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به ، ولا تضلوا ، ولا تبدلوا ، وعترتي أهل بيتي "
. هكذا جاء ، فأرجو أن نمعن النظر  في عبارات التأكيد ، والمبالغة في البيان ، ثم الوعظ ، والأمر والوعيد ! ثم مع الحافظ النسائي ( 1 ) ،


عن سعد بن أبي وقاص ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطريق مكة ، وهو متوجه إليها ، فلما بلغ غدير خم وقف للناس ، ثم رد من سبقه ، ولحقه من تخلف ، فلما اجتمع الناس إليه ، قال : " أيها الناس ، من وليكم " ؟ قالوا : الله ورسوله ، ثلاثا .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في كتابه ( خصائص أمير المؤمنين ) وقد ذكر فيه حديث الغدير بأسانيد عديدة وطرق شتى وألفاظ مختلفة بلغت تسع عشرة رواية ، منها ثلاثة طرق عن سعد بن أبي وقاص ، واثنان عن زيد بن أرقم . ص 21 - 27 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 93

ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ، ثم قال : " من كان الله ورسوله وليه ، فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " .

وعن زيد بن أرقم ، قال : لما دفع رسول الله من حجة الوداع ، ونزل غدير خم ، أمر بدوحات ( 1 ) فقممن ( 2 ) ، ثم
قال : " كأني دعيت فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف

تخلفوني فيها ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . ثم قال " إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن " ثم إنه أخذ بيد علي ، فقال : " من كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " .

قال أبو الطفيل : فقلت لزيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال : وإنه ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه ، وسمعه بأذنيه .


وأما المحب الطبري فيروي ( 3 ) عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ، فنزلنا بغدير خم ، فنودي فينا : الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة ، فصلى

الظهر ، وأخذ بيد علي ، وقال : " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قالوا : بلى ، فأخذ بيد علي ، وقال : " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . قال : فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الدوحة : الشجرة . النهاية ( دوح ) 2 : 138 .
( 2 )
قم الشئ قما : كنسه . لسان العرب ( قم ) 12 : 493 .
( 3 )
في ص 67 من الذخائر في فصل أسماه : ذكر أنه من كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مولاه فعلي مولاه . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 94

وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة .


وزاد الخوارزمي ( 1 ) عن أبي سعيد الخدري ( رض ) قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دعا الناس إلى غدير خم ، أمر بما كان تحت الشجرة من شوك ، فقم ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس إلى علي فأخذ بضبعه ( 2 ) ، فرفعها

حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه ، ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الإسلام دينا
) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ،

ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي " . ثم قال : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " .

فقال حسان بن ثابت : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال : " قل ببركة الله تعالى " . فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا
بأني مولاكم نعم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت ولينا * ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في المناقب : 80 . ( 2 ) الضبع : وسط العضد ، وقيل : ما تحت الإبط . النهاية 3 : 73 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 95

فقال له : قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا : اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا ( 1 ) .


وفي البداية والنهاية ( 2 ) نجد التصريح بما ذكرنا من تواتر هذا الحديث ، وإجماع المسلمين عليه ، فيقول : وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ، فجمع فيه مجلدين ، أورد فيهما طرقه وألفاظه ،

وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر ( 3 ) أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة . ثم يشرع صاحب الكتاب بإيراد
طرق هذه الخطبة ، فيرويها بسبعة طرق ، ثم ينتقل إلى حادثة مسجد الرحبة ، حيث الشهادة الكبرى ، وتجدد بيعة الغدير

إذ قام الإمام علي عليه السلام ، في أيام خلافته ، فناشد الناس : أنه من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول : " من كنت مولاه فعلي
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وروى هذه الأبيات : الخوارزمي أيضا في مقتل الإمام الحسين 1 : 47 ، والحافظ أبو نعيم كما في النور المشتعل : 57 ،
والجويني في فرائد السمطين من طريقين 1 : 73 ، 74 ، وابن الجوزي في تذكرة الخواص : 33 ،
والكنجي في كفاية الطالب : 64 . مع اختلاف في بعض الألفاظ .
( 2 )
5 : 183 - 189 آخر فصول السنة العاشرة من الهجرة .
( 3 )
هو علي بن الحسن بن هبة الله . الإمام العلامة ، محدث الشام أبو القاسم الدمشقي - صاحب تاريخ دمشق - ولادته سنة 499 . ووفاته 571 ه‍ . ( سير أعلام النبلاء ) 20 ت / 354 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 96

مولاه " فليشهد بذلك - فيثبت هذه الحادثة من ستة وثلاثين طريقا ، ثم يشهد بصحة القسم الأعظم منها وقوته .

ثم يختتم هذا الفصل بذكر ما رد به الشيخ الحافظ أبو عبد الله الذهبي ( 1 ) على حديث أبي هريرة ، الذي فيه : عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ، قال : لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي ، قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه "

فأنزل الله عز وجل : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) الآية . قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ( 2 ) . قال - بعد أن استعرض رأيه - وقد قال شيخنا الحافظ أبو

عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث : هذا حديث منكر جدا ! ورواه حبشون الخلال وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري ، وهما صدوقان ، عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة ، قال : يروي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ، ومالك بن الحويرث ، وأنس بن مالك ، وأبي سعيد ، وغيرهم بأسانيد واهية ( ! ) .


 قال : وصدر الحديث متواتر ، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله ، وأما " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الإسناد . ولكنه - عفا الله عنه - بعد أن نقل كل هذا ، عاد فانصاع لهواه ، ومال مع نفسه ، وكأني به يتقلب بين المسالك بحثا

عما يخرجه إلى تأويل يصرف فيه الحديث عن حقيقته الظاهرة الجلية ، فبعد أن دخل مدخلا واهيا ينشد غرضه ، فظن أنه انتصر ، قفز ، وهو يظن أنه ارتقى أعلى درجات السلم ، ولكنه - أسفا -
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هو شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، صاحب التراجم والتاريخ ، تلمذ على ابن تيمية وأخذ عنه نهجه السلفي ، توفي سنة 748 ه‍ .
( 2 ) والحديث رواه الخطيب في تاريخ بغداد 8 : 290 ، وجميع رواته موثقون ، ورواه الحاكم في شواهد التنزيل في ذكر الآية من سورة المائدة : 157 / 211 ، وسيأتي ذكر المزيد من مصادره في محله إن شاء الله تعالى . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 97

كان قفزا إلى الأسفل ! وسنذكر محاولاته هذه بنصها : فهو يقول - في أول كلامه الذي تركه مبهما بعنوان - : ( فصل ) ، كتب تحته : ( في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة ، مرجعه من حجة الوداع ، قريب

من الجحفة ، يقال له : غدير خم ، فبين فيه فضل علي بن أبي طالب ، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا ، والصواب كان معه في ذلك

لهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة ، بين ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في يوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ ، وكان يوم الأحد ، بغدير خم ، تحت شجرة هناك ، فبين فيها أشياء ، وذكر من فضل علي

، وأمانته ، وعدله ، وقربه إليه ، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ، ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة . . . ) .


نقف معه هنا لنرى كيف أراد أن يجعل هذه الخطبة العظيمة - كما وصفها هو - إنما جاءت لغرض بيان براءة علي مما شكاه منه نفر من الصحابة ، لا غير ! وهذه لعمري حمل واه لا يمر على عاقل قرأ رواية واحدة لهذه الخطبة العظيمة ، فكيف إذا

علم القارئ أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد رد على تلك الشكاوى في محلها وفي وقتها ، وعلى مرأى ومسمع من المسلمين ؟ وقد وردت تلك الردود في كافة الروايات التي تعرضت إلى تلك الشكاوى ، ومنها عدة روايات يذكرها

صاحب البداية والنهاية نفسه ! وإليك قصص الشكاوى ، نبدأها بما رواه في هذا الفصل ، فقال : لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله ( ص ) بمكة تعجل إلى رسول
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 98

الله ( ص ) واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم ، فإذا عليهم الحلل ، فقال : ويلك ، ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا

قدموا في الناس . قال : ويلك ، انزع قبل أن ينتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فانتزع الحلل من الناس ، فردها في البز - قال - وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم - ثم ذكر سندا ينتهي إلى أبي سعيد الخدري - قال : اشتكى

الناس عليا فقام رسول الله ( ص ) فينا خطيبا فسمعته يقول : " أيها الناس ، لا تشكوا عليا ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله - أو في سبيل الله " .


ثم أضاف : وقال الإمام أحمد : حدثنا الفضل بن دكين . . . . عن بريدة - فروى قصة بريدة حتى قال : فقال ( ص ) " يا بريدة ، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟ قال : بلى . قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " .

ثم قال : وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناد نحوه ، وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات .


القصة الثانية : أن أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزموا أن يشكوا عليا إذا لقوا رسول الله ، فلما قدموا عليه ، قال أحدهم : يا رسول الله ، ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 99

وفعل الثاني منهم والثالث والرابع مثل أولهم ، وفي كل مرة يعرض الرسول عن الشاكي - قال - فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والغضب يعرف في وجهه ، فقال : " وما تريدون من علي ؟ وما تريدون من علي ؟ ! إن عليا مني ، وأنا منه ، إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " ( 1 ) .


القصة الثالثة : في شكوى بريدة : فعنه ، أنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثين إلى اليمن : على أحدهما علي بن أبي طالب ، وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : " إذا التقيتم فعلي على الناس ، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على

جنده " . فلقينا بني زيد من أهل اليمن ، فاقتتلنا ، فظهر المسلمون على المشركين ، فقتلنا المقاتلة ، وسبينا الذرية ، فاصطفى علي لنفسه امرأة من السبي - قال بريدة - فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله يخبره بذلك . فلما أتيت النبي صلى الله

عليه وآله وسلم رفعت الكتاب ، فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، هذا مكان العائذ ، بعثتني مع رجل ، وأمرتني أن أطيعه ، ففعلت ما أرسلت به .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الترمذي - كتاب المناقب - 5 ح / 3712 ، الخصائص للنسائي : 23 ، مسند أحمد 4 : 438 ، وفضائل الصحابة - له أيضا - 2 : 605 / 1035 و 620 / 1060 ، المستدرك 3 : 111 ، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 41 / 6890 ، الجامع للأصول 9 : 470 / 6480 ، أسد الغابة 4 : 27 ، ابن أبي الحديد 9 : 170 ، الرياض النضرة 3 : 129 ، كنز العمال 11 ج 32883 مختصرا ، وأصحاب المناقب . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 100

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تقع في علي ، فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي ، وإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " ( 1 ) .


وهكذا ظهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد رد على جميع تلك الشكاوى التي حصلت جميعها أيام حجة الوداع ، وعند عودة علي عليه السلام من اليمن . وأنه كان الرد في كل مرة على ملأ من الناس ، ولم يكن خفيا . وأنه في كل مرة كان يؤكد

عظيم منزلة علي عليه السلام ، ثم يؤكد الولاية له : " فإنه مني ، وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " .

وبهذا يتبين بطلان ما ادعاه ، والحمد لله . وبعد ، فإذا نظرنا فيما تميزت به هذه الخطبة من خصوصيات ، نجد بما لا يدع أدنى مجالا للشك ، أن ذلك التأويل ليس له محل على الاطلاق . فقد تمتعت هذه الخطبة ، بميزات لم تحظ بها أية خطبة

أخرى في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : - فبعد عودة الناس من حجهم الأكبر . - وعند بلوغهم مفترق الطرق ، حيث يتجه كل إلى أهله وموطنه . - وفي منتصف النهار ، ولهيب الهاجرة . - ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . - فرد المتقدم . - وانتظر المتأخر حتى لحق به .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 5 : 356 ، المستدرك 3 : 110 ، الخصائص للنسائي : 24 ،
ابن عساكر كما في الترجمة : 400 / 466 و 467 و 468 و 469 و 477 ،
فضائل الصحابة
- لأحمد بن حنبل 2 : 584 / 989 ، مجمع الزوائد 9 : 108 ،
الرياض النضرة
3 : 130 ، وأصحاب المناقب . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 101

ثم قام ذلك المقام المشهود ، أمام مائة ألف أو يزيدون ! ألا يدل ذلك ، بل بعض منه ، على أنه صلى الله عليه وآله وسلم
أراد لهذا الأمر أن ينال الحظ الأوفر من اهتمام الناس ، والثبات في الأذهان ، والانتشار في الأقطار والأمصار ، إلى درجة

تبلغ فيها الحجة كل المسلمين ، وفي كافة أقطارهم ؟ بلى ، إنها كانت بيعة على الأشهاد ، تولى إبلاغها خير الخلق وسيد العباد ، ثم لم يصرفهم من تجمعهم الكبير ، ولا اختتم كلامه حتى أشهد الله عليهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، وفرض عليهم

تبليغها في بلدانهم بشكل لم يفرضه على أمر آخر ، أو خطبة أخرى ، فكرر القول : " ألا هل بلغت " ، اللهم اشهد " .
و " إنكم مسؤولون ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب " . وبعد هذا البيان ، نعود إلى كلامه الذي اقتطعناه عند قوله : ( ونحن نورد

عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة ولا متمسك لهم ولا دليل ، لما سنبينه وننبه عليه ، فنقول ، وبالله المستعان : قال محمد بن إسحاق . . . ) .


ثم بدأ بسرد روايات خطبة الغدير ، حتى أتى على إحدى وأربعين رواية - بالتفصيل الذي وصفناه - وجعل آخرها رد الحافظ الذهبي على رواية أبي هريرة ، ثم وصلها مباشرة بما أراده أن يكون دليلا على عدم صحة الاستدلال بهذه الروايات على

خلافة علي بن أبي طالب ، ولأجل المزيد من الاطمئنان من عدم قطعنا كلامه ، نعود إلى حيث انتهينا عنده من رد الحافظ الذهبي ، لنأتي بالحديث إلى آخره : قال - الحافظ الذهبي - وصدر الحديث متواتر ، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله ، وأما " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الإسناد ، وأما
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 102

هذا الصوم فليس بصحيح ، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة ، قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم ( 1 )

وقال الطبراني : حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، حدثنا علي ابن محمد المقدمي ، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي ، حدثنا علي بن محمد ابن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع ، حدثنا سهل بن حنيف ، عن سهل بن مالك أخي كعب

بن مالك ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من حجة الوداع ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ، إن أبا بكر لم يسؤني قط ، فاعرفوا ذلك له ، أيها الناس ، إني عن أبي بكر

وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض ، فاعرفوا ذلك لهم ، أيها الناس ، احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم ، أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين ، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا ، بسم الله الرحمن الرحيم " . انتهى .


فلعمري ما الذي أراد إثباته من هذا النص لمقابلة نصوص الغدير التي شهد لها بالتواتر وصحة الإسناد ؟

هل أراد أن يقول : إن فيه دلالة على استخلاف أبي بكر ؟

فأي شئ فيه يدل على الاستخلاف ؟

ثم إنه ليس له أن يستدل بهذا ، ولا بغيره لأن ذلك يخالف مذهبه الذي يقول إن النبي لم يستخلف أحدا ! وبعد ، فهذا هو كل ما عثر عليه ليرد به على من استدل على ولاية علي
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سيأتي بيان ذلك لاحقا . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 103

ابن أبي طالب عليه السلام من حديث الغدير ، ونظائره ، كما يدل على هذا كلامه المتقدم : ( مع إعلامنا أنه لا حظ . . . . ولا متمسك لهم ، ولا دليل ) ! فلم يبق إلا أنه أراد أن يقول بوجوب حفظ كرامة الصحابة ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي ، لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم " .


ونحن معه في هذا كله ، فهل إن الاستدلال على ولاية علي عليه السلام من النصوص المتواترة فيه مظلمة لأحد ؟ بل نحن ندعو كل من يعتقد بحفظ كرامة الصحابة أن يثبت معنا على اعتقاده هذا حين يقف على ما حصل من مظالم بحقهم ، ويرى

من الذين سيطلبهم الله بمظلمة أخلص أصحاب رسول الله ، وأصهاره وأحبابه ؟ ونعود فنقول : بل إن أول من استدل بخطبة الغدير على ولاية علي عليه السلام هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقد مر في حديث البراء بن عازب :

فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال : هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . وأورد أحمد وغيره أن أبا بكر وعمر لما سمعاه ، قالا له : أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة ( 1 ) . لقد كانت بيعة صريحة منهم له عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 4 : 281 ، فضائل الصحابة - له أيضا - 2 : 596 / 1016 و 610 / 1042 ، أسد الغابة 4 : 28 ،
الترجمة من تاريخ ابن عساكر
2 : 76 / 579 ، 580 و 82 / 584 ومواضع أخرى ، تفسير الرازي 12 : 49 - 50 ،
روح المعاني
6 : 194 ، الصواعق المحرقة : 44 ، الرياض النضرة 3 : 127 ، المناقب لابن المغازلي : 19 ،
تذكرة الخواص
: 29 ، هذا غير ما تقدم من مصادره . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب