نصوص اخرى في الولاية

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 114

 4 - وفي الحديث النبوي الشريف ما هو أظهر من ذلك كله : فقد جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرأوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " ( 1 ) .

وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به ، فأيكم ترك دينا ، أو ضياعا فأنا مولاه " ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري - الاستقراض - 3 : 238 / 15 و - التفسير - 6 : 210 / 275 ، فتح الباري 12 : 7 .
( 2 )
صحيح مسلم - كتاب الفرائض - 3 : 1238 / 15 ، سنن الدارمي - البيوع - : 263 ، كنز العمال 11 : 13 / 30413 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 115

وفي حديث ثالث : قال صلى الله عليه وآله وسلم : " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " ( 1 ) .

قال في لسان العرب : بغير إذن مولاها - وفي رواية وليها - أي متولي أمرها ( 2 ) .

وفي كل ما تقدم من أمثلة جاء ( المولى ) بمعنى : الأولى بالأمر ، والأولى بالتصرف ، بلا خلاف .

فهل غاب ذلك كله عن شيخنا المفسر ، أم تغافل عنه لأمر يبتغيه ؟ ولقد كان أقل ما ينبغي عليه ملاحظته ما أثبته الرازي في تفسيره ، إذ قال : قال الكلبي ( 3 ) : ( هي مولاكم ) يعني أولى بكم ، وهو قول : الزجاج ، والفراء وأبي عبيدة ( 4 ) .

فذكر الرازي أربعة لم يذكر منهم شيخنا سوى أبي عبيدة ، فهل يمكننا أن نقول هنا أيضا إنه لم يطلع على تفسير الرازي ؟ ! - قال : والثاني : أنا لو سلمنا بأن المولى بمعنى الأولى ، لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف ، بل يحتمل أن يكون المراد :

أولى بالمحبة ، وأولى بالتعظيم ، ونحو ذلك . على أن لنا قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ ( المولى ) أو ( الأولى ) المحبة :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 6 : 47 ، سنن أبي داود 2 : 229 / 2083 ، سنن الترمذي - النكاح - 3 : 407 / 1102 سنن الدارمي 2 : 137 .
( 2 )
لسان العرب ( ولي ) 15 : 407 .
( 3 )
هو محمد بن السائب الكلبي ، أبو النضر : نسابة ، راوية ، عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب ،
قال النسائي : حدث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير ، توفي بالكوفة ( 146 ه‍ ) . . الأعلام 6 : 133 .
( 4 )
تفسير الرازي : 29 و 227 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 116

إحداهما : ما رويناه عن محمد بن إسحاق في شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله وجهه في اليمن ، كبريدة الأسلمي ،
وخالد بن الوليد ، وغيرهما ، ولم يمنع صلى الله عليه وآله وسلم الشاكين بخصوصهم ، مبالغة في طلب موالاته ، وتلطفا

في الدعوة إليها ، كما هو الغالب في شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ذلك . وللتلطف المذكور افتتح الخطبة بقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " .


وثانيهما : قوله صلى الله عليه وآله وسلم على ما في بعض الروايات : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . فإنه لو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور ، أو الأولى بالتصرف ، لقال صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم وال من كان في

تصرفه ، وعاد من لم يكن كذلك ، فحيث ذكر النبي المحبة والعداوة فقد نبه على أن المراد إيجاب محبته كرم الله وجهه ، والتحذير من عداوته وبغضه ، لا التصرف وعدمه . ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها ، ويدل على

ذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط ( رض ) أنهم سألوه عن هذا الخبر : هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله وجهه ؟ فقال : لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد خلافته ، لقال : أيها الناس ، هذا ولي أمري ،

والقائم عليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : وأيضا ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة ، بأنه لم يقع التقييد بلفظ
( بعدي ) والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان واحد ، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف ، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة . وقال : وتمسك [ آخرون ] في إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف ،
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 117

باللفظ الواقع في صدر الخبر ، على إحدى الروايات ، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ونحن نقول : المراد من هذا أيضا الأولى بالمحبة ، يعني : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة ؟

بل قد يقال : الأولى هنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة ، والمعنى : ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم ؟ ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام ، ويحسن الانتظام ، ويكون حاصل المعنى هكذا : يا معشر المؤمنين ، إنكم تحبونني أكثر من أنفسكم ، فمن

يحبني يحب عليا ، اللهم أحب من أحبه ، وعاد من عاداه . انتهى . - ومع يقيننا بأن كل ذي حصافة ونظر قد شخصت بعينيه مواضع الضعف والاضطراب في هذا الكلام ، سنورد في الجواب عليه ما يلي :

 1 - إن التكلف والإعياء الظاهرين في الفقرة الأخيرة يكفيانا عناء التفصيل في الرد على إشكالاته حول كلمة ( ولي ) بأكثر مما قدمناه ، فهو - كما لا يخفى ظاهر في إرادته قلب المعنى ، فتراه يشتق " أولى " من " مولى " ويقول : بهذا يحصل

تلاؤم أجزاء الكلام ، ويحسن الانتظام ! فهو عندما أراد أن يصوغ المعنى بما يطابق مذهبه اشتق " الأولى " من " مولى " على عكس ترتيبهما في النص ، ولكنه لم يفكر في اشتقاق " مولى " من " أولى " ليستقيم المعنى كما أراده رسول الله صلى

الله عليه وآله وسلم ! حيث قدم في النص الشريف كلمة " أولى " ثم عطف بكلمة " مولى " ليتضح أن المراد هو أن تكون الأولى دليلا على الثانية ، وأن تشتق الثانية من الأولى وتأتي على ما يوافقها من معنى ، وعندها فقط يستقيم المعنى وينتظم

الكلام ، وينسجم مع القرائن العديدة التي تقدم ذكرها ، ومع المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الأذهان لكل من يقرأ هذا النص الشريف ويعلم أنه من كلام سيد الفصحاء الذي يجنب أمته أبدا الوقوع في المتشابه من الكلام - وخصوصا
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 118

في أمر حساس وخطير كهذا - فينتخب أقرب الألفاظ إلى المعنى الذي يريده وتفهمه العرب . ومع هذا فقد زاده ظهورا هنا عندما صدره بقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " .


 2 - قول الشيخ : على ما في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فلو كان المراد أولوية التصرف والخلافة لقال . . . فقد اعتمد إذن فيما ذهب إليه على تلك الفقرة الموجودة في بعض الروايات

على حد تعبيره ، وكما صرح الذهبي بقوله : أما صدر الحديث فمتواتر أتيقن أن رسول الله قد قاله ، وأما " اللهم وال من والاه . . . " فزيادة قوية الإسناد . فكيف بالروايات الأخرى التي لم تتضمن هذه الزيادة ، فهل سيوافق الشيخ الآلوسي على دلالتها على الأولوية في التصرف والخلافة ؟


 3 - ويمكن أن يقال إن هذه الزيادة لا تستلزم أن تكون قرينة على ما ذكر هو ، لأن الحب والبغض هما أساسان للإطاعة والعصيان ، فمن أطاعه فقد أحبه ، ولا يعصيه إلا من أبغضه ، فيكون دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم بتأييد الله تعالى لمن

امتلك مقدمة الطاعة وأساسها ، وبالعداء لمن جمع في صدره أساس العداء ، وهو البغض . وفي هذا من البلاغة ما لا يخفى على الآلوسي الأديب !


 4 - ولعل من أعجب ما في كلامه تلك العبارة التي انتخبها - بعد الجهد - لتكون بديلا عن هذا النص النبوي المحكم الشريف ، فقال : فيكون حاصل المعنى : يا معشر المؤمنين ، إنكم تحبونني أكثر من أنفسكم ، فمن يحبني يحب عليا . . !
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 119

فهل يوافقه أحد على أن ولاية النبي على المسلمين هي محبتهم له ، وحسب ؟ ! وهل يستدعي هذا المعنى الذي توصل إليه الشيخ كل هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيوقف مائة ألف مسلم ، بعد ما تحملوه من مشاق الحج وعناء

الطريق ، يوقفهم في صحراء الجزيرة ، وقت الظهيرة ، فيأمر برد المتقدم ، وانتظار المتأخر ، كل ذلك لأجل أن يقول لهم : إنكم تحبونني ، ومن يحبني يحب عليا ؟ ! أو ليقول - كما في تأويل آخر - : من كنت نصيره فعلي نصيره ؟ ! اللهم إلا أن

يكون كما وصفه الشيخ الآلوسي : مبالغة كما هو شأنه صلى الله عليه وآله وسلم ! ! أما نحن فنقول : حاش له صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون شأنه المبالغة ، ليوقع الأمة في هذا الاختلاط والاضطراب ، وإنما كان حكيما في قوله هذا كما هو

شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في سائر أقواله وأفعاله . فعندما يكون البلاغ لأمر عظيم ، فليس هناك وقت ، ولا مكان أنسب من هذا الذي انتخبه ليجمع فيه أكبر عدد من المسلمين ، وعند مفترق طرقهم ، ولحظة وداعهم الأخير له صلى الله عليه وآله

وسلم فيبدأ بقوله : " إنما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب " . ثم يختم بقوله : " هل بلغت ، اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب " . فكيف لا نعجب لمن يذهب إلى ذلك التأويل !


 5 - ويوم قام الإمام علي عليه السلام في مسجده بالكوفة مناشدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " إلا قام فشهد ، ولا يقوم إلا من رآه بعينه ، وسمعه بأذنه ، فهل أراد بذلك أن يشهدوا له بأن
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 120

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه ؟ فهذا أمر هو من أوضح الواضحات ، ولم يجحده حتى أشدهم عداء لعلي عليه السلام وهم يرفعون السيوف بوجهه ! وليست المبالغة في إيضاح الواضحات من شأن العقلاء ، فكيف يمكن أن نتصورها من أعظم الناس عقلا وحكمة : رسول الله ، وعلي ابن أبي طالب عليهما الصلاة والسلام ؟ !


 6 - وأعجب من ذلك البديل الآخر الذي انتخبه ، فقال : لو كان المراد الأولى بالتصرف ، لقال : اللهم وال من كان في تصرفه ، وعاد من لم يكن كذلك ! وهل يطمئن شيخنا نفسه لهذا الكلام ؟ وهل ينسجم هذا مع بيان العرب ، فضلا عن فصاحة

النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ومثله ، ذكره الرواية المنسوبة إلى الحسن المثنى ، حيث اشترط أن يقول النبي :
هو وليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا . فهل كان النبي يلقن جهالا ، لا يفهمون العربية ! فمن ناحية : أن المعنى ظاهر لا

يستدعي هذا التكلف . ومن ناحية أخرى : أن معنى الطاعة داخل في الولاية ، فلا معنى للولاية من غير طاعة . ومن ناحية ثالثة : أن مثل هذه الرواية الواحدة ، المرسلة ، المبهمة ، المجهولة ، لو كانت في فضائل أهل البيت عليهم السلام لضرب

بها وبرواتها الأرض ، ألا تراه كيف يتعامل مع نص ثبت تواتره في حقهم ؟ ولكنها لما كانت بخلاف ذلك احتج بها ، وهذا دليل على أنه لم يجد ما يشفع به قوله سواها ! وهو كاف في رد حجته . ومن ناحية رابعة : بفرض أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قال : هو
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 121

وليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فهل سيسمعون ويطيعون ؟ فمن قال : لا ، لاحتمال تأويل آخر ، فهذا ليس لنا معه كلام ، حتى يجدد إيمانه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما من قال نعم ، فنقول له : اعلم إذن أنه قالها مرة بعد مرة .

 فقد مر عليك في قصص الشكوى كلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " . وقوله : " فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " . وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه

السلام : " أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة " وفي رواية " أنت وليي في كل مؤمن بعدي " ( 1 ) . وأما الطاعة ، فقد ثبت عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد

عصى الله ، ومن أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن عصى عليا فقد عصاني " ( 2 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيه أيضا : " إن هذا أخي ، ووصيي ، وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا " ( 2 ) .


 7 - وأما قوله بأن هذه الخطبة إنما جاءت ردا على الشكوى التي تقدم بها بعض الأصحاب ، فهو :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 1 : 331 ، المستدرك 3 : 134 ، الإستيعاب 3 : 28 ، الإصابة 4 : 270 ، الخصائص للنسائي : 9 ،
الترجمة من تاريخ ابن عساكر
1 : 205 / 250 ، البداية والنهاية 7 : 351 .
( 2 )
المستدرك 3 : 121 و 128 وقال مع كل منهما : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وصححه الذهبي في التلخيص ،
والترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 : 266 / 793 - 795 ، الرياض النضرة 3 : 122 ، ذخائر العقبى 65 - 66 ،
فرائد السمطين
1 : 179 / 142 ، كنز العمال 11 ح / 32973 .
( 3 )
في حديث الدار ، وقد تقدم مع ذكر أهم مصادره . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 123

 أولا : دعوى تنهار أمام الحجج المتقدمة ، وقد تقدم رده أيضا .

 ثانيا : قد أضاف فيه غلطا عجيبا ، بقوله : ولم يمنع صلى الله عليه وآله وسلم الشاكين بخصوصهم - أثناء الشكوى - والصحيح أنه منعهم بخصوصهم في كل مرة كما هو ظاهر في نصوصها .

 وثالثا : فإن هذا الإحتجاج هو دليل ساطع على توفر القناعة لديه بأن النص في الغدير يدل دلالة واضحة على ولاية الأمر والتصرف ، لذا فهو يحاول أن يجعله مضافا إلى سبب واحد ، ليقيد المعنى به ، ويجعله قرينة لصرف المعنى عن ظاهره ،

وهو واضح . بقي قوله : والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في وقت واحد ، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف ، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة . وجوابه : أن ولاية علي عليه السلام إنما هي فرع لولاية النبي صلى

الله عليه وآله وسلم التي هي الأصل ، كما في الأصيل والوكيل ، والوالي والنائب عنه ، والمراد أنه الأولى بالإمامة بعده بقرينة الإخبار عن قرب موته صلى الله عليه وآله وسلم . وكما في النص المتقدم " أنت ولي كل مؤمن بعدي " و " هو

وليكم بعدي " . وهناك قول آخر تمسك به بعضهم ، ونذكره هنا على قناعتنا بكونه ( طريفة ) أكثر من كونه رأيا وعقيدة . وخلاصته : أننا لو سلمنا بأن المراد من النص أنه عليه السلام أولى بالإمامة ، فالمراد : المآل ، وليس الحال . فكأن المراد

أنه أولى بالإمامة حين يوجد عقد البيعة له ، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه ، وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين .

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 123

وجوابه ، باختصار شديد :

 أولا : ما الفرق إذن بين أن يقول صلى الله عليه وآله وسلم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " أو أن يذكر أي شخص آخر ، عندما يكون المعنى - كما يزعم - أنكم إذا عقدتم له البيعة فهو وليكم ، وإلا فلا ولاية له عليكم ! هراء ، ورب الكعبة .


 ثانيا : إن هذا التأويل يأباه النص تماما ، حيث يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " وعليه فكل من كان داخلا في ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو داخل في ولاية علي عليه السلام ، بما فيهم الخلفاء الثلاثة .


 ثالثا : بناء على تأويلهم هذا فإن كل من مات من الصحابة قبل خلافة علي عليه السلام لم يكن داخلا في ولاية رسول الله ، بما في ذلك الخلفاء الثلاثة ! وهذا أشد عليهم وأدهى ، ألم ينظروا إلى النص الذي يجتهدون في تأويله ، والذي يقول : من كان رسول الله مولاه فعلي مولاه ؟


 رابعا : إن القول بولاية علي عليه السلام بعد وفاة النبي مباشرة ، أمر لا يحتاج إلى كثير إيضاح ، اعتمادا على النص ، وعلى العهد المعلوم لكافة الأنبياء مع أوصيائهم . وخامسا : ثم ماذا أبقوا - بهذا التأويل - من الفضائل التي زعموا أن هذه

الخطبة إنما جاءت لأجل بيانها ، وحسب ؟ ولا عجب ، عندما يكون الإيمان بأشخاص بأعيانهم أكبر وأعلى من الإيمان بالحق الذي يقره الله ورسوله ! وهذا هو السر وراء كل تلك التأويلات ، ألا تراهم يصرحون به ، بقولهم : وبهذا تحفظ كرامة

السلف الصالح ؟ وهب أنه يمكن موافقتهم على هذا المستوى لحفظ من يمكن حفظه فيه ، فلنأت إذن إلى المعنى الذي انتخبوه ، بقولهم : فالمعنى ( من يحبني يحب عليا ، اللهم أحب من أحبه ، وعاد من عاداه ) فهل ترى أن من حفظوه في الأولى قد
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 124

رعا الثانية ، ليتم حفظه ؟
هل رعوها يوم الجمل ؟ أم يوم صفين ؟
فإذا كان هذا المعنى أيضا لم يحفظ ، فإلى أين سنذهب بالحديث ؟
وإلى أين سنذهب بعشرات النصوص الأخرى ؟ ومنها : هذا النص : الذي يستشهد به ابن حجر ( 1 ) ،

فيقول : أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " وقفوهم إنهم مسؤولون ) ( 2 ) عن ولاية علي بن أبي طالب " ؟ قال : وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله : روي في قوله تعالى ( وقفوهم إنهم مسؤولون )

أي عن ولاية علي وأهل البيت ، لأن الله أمر نبيه أن يعرف الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودة في القربى . والمعنى : أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أم أضاعوها وأهملوها ، فتكون عليهم المطالبة والتبعة ( 3 ) ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في الصواعق باب 11 فصل 1 : 149 - الآية الرابعة - .
( 2 )
الصافات : 24 .
( 3 )
رواه عن الواحدي غير ابن حجر :
 2 - الجويني ، المتوفى 730 ه‍ في فرائد السمطين 1 : 79 / 47 .
 3 - أبو بكر الحضرمي 922 ه‍ في رشفة الصادي : 24 . ورواه آخرون بالواسطة ، تركت ذكرهم لعدم عثوري على المصادر التي اعتمدوها ، والتي نقلت عن الواحدي مباشرة ، لأني قد أخذت على نفسي ألا أعتمد النقل بالواسطة ما تيسر لي ذلك .

تنبيه : إن الذين نقلوا عن الواحدي لم يذكروا من أي كتاب نقلوا ، والذي يتوفر بين أيدينا من = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 125

 

 

* ( هامش ) *
= كتبه كتابه المشهور : أسباب النزول ، والذي أثار استغرابي أن سورة الصافات - التي منها الآية موضوع البحث - قد اختفت كلها من هذا الكتاب في جميع طبعاته ! بقي أن يكونوا قد نقلوا عن أحد كتبه الأخرى ، ولقد ذكر أصحاب التراجم ثلاثة كتب في التفسير للواحدي هي : البسيط ، والوسيط ، والوجيز . وذكر أن ( الوجيز ) قد طبع بمصر سنة 1305 بهامش ( التفسير المنير لمعالم التنزيل ) المسمى مراح لبيد بكشف معنى قرآن مجيد . تأليف الشيخ محمد نوري الجادي .

أنظر : سير أعلام النبلاء 18 : 339 / 160 ، كشف الظنون 1 : 76 ، 245 ،
هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين
: المجلد الأول : 693 ،
معجم المؤلفين
7 : 26 . نعود الآن لذكر مصادر أخرى للحديث : فقد رواه بهذا النص - عن طرق أخرى - أيضا :
 4 - الحاكم في شواهد التنزيل 2 : 106 / 785 - 790 عن أبي سعيد الخدري ، وابن عباس .
 5 - الخوارزمي في المناقب : 195 عن أبي إسحاق .
 6 - الحافظ الكنجي في كفاية الطالب : 247 .
 7 - النور المشتعل المقتبس من كتاب ( ما نزل من القرآن في علي عليه السلام ) للحافظ أبي نعيم الأصبهاني : 196 / 53 .
 8 - الحبري في تفسيره : 312 / 60
 9 - تذكرة الخواص : 17 .
 10 - ينابيع المودة 1 : 238 ، 257 ، 295 .
 11 - الآلوسي في روح المعاني ، عند تفسيره الآية ، إلا أنه قال : روى الإمامية . . . وذكر الحديث ، ثم عاد فأقره ، وإما نسبته إلى الإمامية وحدهم فهو كما ترى ! فالمصادر العشرة التي تقدم ذكرها عليه ليس فيها واحد من مصادر الإمامية ! !

أما رواية الديلمي ، التي افتتح بها ابن حجر الكلام ، فقال : أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري . . . فقد أخرجها عن الديلمي أيضا بإسنادها : ابن البطريق ( 533 - 600 ه‍ ) في كتابيه : 1 - خصائص الوحي المبين : 121 . 2 - عمدة عيون صحاح الأخبار : 301 . فقال : من كتاب الفردوس - فردوس الأخبار - لابن شيرويه الديلمي ، في الجزء الثاني ، من قافية ( الواو ) . ولكن من يدري كم يد - أمينة - مرت على ( الفردوس ) فأثبتت منه ما تشاء ، وحسب ! ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 126

ويؤيد النص المتقدم ، النص الآخر الذي أخرجه ابن حجر ( 1 ) ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " استوصوا بأهل بيتي خيرا ، فإني أخاصمكم عنهم غدا ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار " .

ومثله ما تقدم في حديث الثقلين : " وإني سائلكم غدا عن الثقلين " . وهذا النص : في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا علي ، أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي " ( 2 ) .

وهذا النص : عن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب ، فمن تولاه فقد تولاني ، ومن أحبه فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل " ( 3 ) .

 فهو يفصل هنا بين الولاية والمحبة ، فالولاية شئ ، ومجرد المحبة شئ آخر . ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قدم الولاية ، فأمر بها ، ثم عقب
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في الصواعق المحرقة : باب 11 فصل 1 : 150 ، وأخرجه المحب الطبري في الذخائر : 18 .
( 2 )
المستدرك 3 : 122 وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، حلية الأولياء 1 : 64 ،
ترجمة الإمام علي من تاريخ
ابن عساكر 2 : 486 / 1014 - 1018 ، المناقب للخوارزمي : 236 ، كنز العمال 11 / 32983 .
( 3 )
الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 / 597 و 598 بهذا النص ، ونصوص أخرى بين صفحة 91 - 97 منه ،
مجمع الزوائد
9 : 109 ، المناقب لابن المغازلي : 230 ، فرائد السمطين 1 : 391 / 229 ، كنز العمال 11 / 32953 ،
والمنتخب من كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 : 32 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 127

بذكر الحب ، وأمر به ؟ وهو كاف في الرد على أصحاب تلك الشبهة - الذين فسروا المولى بالحبيب - غير أنا لم نذكره
هناك لئلا يتوهم أحد أنه هو دليلنا الوحيد في الرد عليهم ، فآثرنا الرد من بطون حججهم ، ومن نص الغدير أيضا ، ثم أتينا

بهذا الحديث الصحيح هنا كالشاهد على ما نقول . وهذا النص : قال صلى الله عليه وآله وسلم : " من أحب أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليتول علي بن أبي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة " ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك على الصحيحين 3 : 128 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، لسان الميزان 2 : 34 ،
مجمع الزوائد
9 : 108 ، ترجمة الإمام من تاريخ ابن عساكر 2 : 98 / 603 - 605 ، المناقب للخوارزمي : 34 ،
كنز العمال
11 : 611 / 32960 ، ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد 5 : 32 .

وأخرجه العسقلاني في الإصابة عند ترجمة زياد بن مطرف ، وقال : في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهو واه انتهى . وهذا خطأ ولعله من خطأ النساخ ، إذ إن يحيى بن يعلى المحاربي هو من رجال الصحاح إلا الترمذي وأما المعني هنا فهو يحيى بن يعلى الأسلمي الذي ورد في أحد طرق الحديث ، وقد أتهم بالتشيع ، فضعف لذلك والغريب أن الذين طعنوه قالوا : ضعفه البخاري ، والصحيح أن البخاري لم يذكره في كتاب الضعفاء فيمن ذكر ، وعندما ترجم له في التاريخ الكبير لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما يفيد ذلك ، بل اكتفى بقوله : يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني كوفي ، سمع حياة ( بن شريح ) وقطوان موضع . انتهى !

( التاريخ الكبير 8 : 311 ترجمة 3138 ) . وأما الحاكم فقد وثقه . ثم إن الحديث قد ورد من عدة طرق أخرى ليس فيها يحيى بن يعلى الأسلمي ، ومنها :
 1 - في تاريخ دمشق - ترجمة الإمام علي - ح / 604 .
 2 - في مناقب الخوارزمي - من طريق ثالث - ص : 34 .
 3 - في تاريخ دمشق أيضا : ح / 603 وفي أوله : " من سره أن يحيا حياتي " .
 4 - في لسان الميزان - من طريق خامس - 2 : 34 وأوله : " من سره " الحديث . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 128

وفي رواية أخرى : " من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتدي بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي . فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين بهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي " ( 1 ) .


ومن هذه النصوص الشريفة ونظائرها نفهم بوضوح قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو على فراش الموت ، يودع الدنيا ، ويستقبل الآخرة ، إذ قال : ( اللهم ، إني أتقرب إليك بولاية علي بن أبي طالب ) ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 9 : 170 - الخبر الثاني عشر ، حلية الأولياء 1 : 86 ،
كنز العمال
12 : 103 / 24198 ، ومنتخب الكنز 5 : 94 .
( 2 )
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2 : 662 / 1139 ، والمحب الطبري في الرياض النضرة 3 : 130 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب