|
|
4 - وفي الحديث النبوي الشريف ما هو أظهر من ذلك كله : فقد جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرأوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " ( 1 ) . وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه
قال : " والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به ،
فأيكم ترك دينا ، أو ضياعا فأنا مولاه " ( 2 )
.
وفي حديث ثالث : قال صلى الله عليه وآله وسلم : " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " ( 1 ) . قال في لسان العرب : بغير إذن مولاها - وفي رواية وليها - أي متولي أمرها ( 2 ) . وفي كل ما تقدم من أمثلة جاء ( المولى ) بمعنى : الأولى بالأمر ، والأولى بالتصرف ، بلا خلاف . فهل غاب ذلك كله عن شيخنا المفسر ، أم تغافل عنه لأمر يبتغيه ؟ ولقد كان أقل ما ينبغي عليه ملاحظته ما أثبته الرازي في تفسيره ، إذ قال : قال الكلبي ( 3 ) : ( هي مولاكم ) يعني أولى بكم ، وهو قول : الزجاج ، والفراء وأبي عبيدة ( 4 ) . فذكر الرازي أربعة لم يذكر منهم شيخنا سوى أبي عبيدة ، فهل يمكننا أن نقول هنا أيضا إنه لم يطلع على تفسير الرازي ؟ ! - قال : والثاني : أنا لو سلمنا بأن المولى بمعنى الأولى ، لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف ، بل يحتمل أن يكون المراد : أولى بالمحبة ، وأولى بالتعظيم ، ونحو ذلك . على أن لنا
قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ ( المولى ) أو ( الأولى ) المحبة :
إحداهما : ما رويناه عن محمد بن
إسحاق في شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله وجهه في اليمن ، كبريدة الأسلمي
، في الدعوة إليها ، كما هو الغالب في شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ذلك . وللتلطف المذكور افتتح الخطبة بقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " .
تصرفه ، وعاد من لم يكن كذلك ، فحيث ذكر النبي المحبة والعداوة فقد نبه على أن المراد إيجاب محبته كرم الله وجهه ، والتحذير من عداوته وبغضه ، لا التصرف وعدمه . ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها ، ويدل على ذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط ( رض ) أنهم سألوه عن هذا الخبر : هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله وجهه ؟ فقال : لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد خلافته ، لقال : أيها الناس ، هذا ولي أمري ، والقائم عليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : وأيضا ربما
يستدل على أن المراد بالولاية المحبة ، بأنه لم يقع التقييد بلفظ
باللفظ الواقع في صدر الخبر ، على إحدى الروايات ، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ونحن نقول : المراد من هذا أيضا الأولى بالمحبة ، يعني : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة ؟ بل قد يقال : الأولى هنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة ، والمعنى : ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم ؟ ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام ، ويحسن الانتظام ، ويكون حاصل المعنى هكذا : يا معشر المؤمنين ، إنكم تحبونني أكثر من أنفسكم ، فمن يحبني يحب عليا ، اللهم أحب من أحبه ، وعاد من عاداه . انتهى . - ومع يقيننا بأن كل ذي حصافة ونظر قد شخصت بعينيه مواضع الضعف والاضطراب في هذا الكلام ، سنورد في الجواب عليه ما يلي : 1 - إن التكلف والإعياء الظاهرين في الفقرة الأخيرة يكفيانا عناء التفصيل في الرد على إشكالاته حول كلمة ( ولي ) بأكثر مما قدمناه ، فهو - كما لا يخفى ظاهر في إرادته قلب المعنى ، فتراه يشتق " أولى " من " مولى " ويقول : بهذا يحصل تلاؤم أجزاء الكلام ، ويحسن الانتظام ! فهو عندما أراد أن يصوغ المعنى بما يطابق مذهبه اشتق " الأولى " من " مولى " على عكس ترتيبهما في النص ، ولكنه لم يفكر في اشتقاق " مولى " من " أولى " ليستقيم المعنى كما أراده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! حيث قدم في النص الشريف كلمة " أولى " ثم عطف بكلمة " مولى " ليتضح أن المراد هو أن تكون الأولى دليلا على الثانية ، وأن تشتق الثانية من الأولى وتأتي على ما يوافقها من معنى ، وعندها فقط يستقيم المعنى وينتظم الكلام ، وينسجم مع القرائن العديدة التي تقدم ذكرها ، ومع
المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الأذهان لكل من يقرأ هذا النص الشريف ويعلم أنه
من كلام سيد الفصحاء الذي يجنب أمته أبدا الوقوع في المتشابه من الكلام -
وخصوصا
في أمر حساس وخطير كهذا - فينتخب أقرب الألفاظ إلى المعنى الذي يريده وتفهمه العرب . ومع هذا فقد زاده ظهورا هنا عندما صدره بقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " .
على حد تعبيره ، وكما صرح الذهبي بقوله : أما صدر الحديث فمتواتر أتيقن أن رسول الله قد قاله ، وأما " اللهم وال من والاه . . . " فزيادة قوية الإسناد . فكيف بالروايات الأخرى التي لم تتضمن هذه الزيادة ، فهل سيوافق الشيخ الآلوسي على دلالتها على الأولوية في التصرف والخلافة ؟
امتلك مقدمة الطاعة وأساسها ، وبالعداء لمن جمع في صدره أساس العداء ، وهو البغض . وفي هذا من البلاغة ما لا يخفى على الآلوسي الأديب !
فهل يوافقه أحد على أن ولاية النبي على المسلمين هي محبتهم له ، وحسب ؟ ! وهل يستدعي هذا المعنى الذي توصل إليه الشيخ كل هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيوقف مائة ألف مسلم ، بعد ما تحملوه من مشاق الحج وعناء الطريق ، يوقفهم في صحراء الجزيرة ، وقت الظهيرة ، فيأمر برد المتقدم ، وانتظار المتأخر ، كل ذلك لأجل أن يقول لهم : إنكم تحبونني ، ومن يحبني يحب عليا ؟ ! أو ليقول - كما في تأويل آخر - : من كنت نصيره فعلي نصيره ؟ ! اللهم إلا أن يكون كما وصفه الشيخ الآلوسي : مبالغة كما هو شأنه صلى الله عليه وآله وسلم ! ! أما نحن فنقول : حاش له صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون شأنه المبالغة ، ليوقع الأمة في هذا الاختلاط والاضطراب ، وإنما كان حكيما في قوله هذا كما هو شأنه صلى الله عليه وآله وسلم في سائر أقواله وأفعاله . فعندما يكون البلاغ لأمر عظيم ، فليس هناك وقت ، ولا مكان أنسب من هذا الذي انتخبه ليجمع فيه أكبر عدد من المسلمين ، وعند مفترق طرقهم ، ولحظة وداعهم الأخير له صلى الله عليه وآله وسلم فيبدأ بقوله : " إنما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب " . ثم يختم بقوله : " هل بلغت ، اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب " . فكيف لا نعجب لمن يذهب إلى ذلك التأويل !
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه ؟ فهذا أمر هو من أوضح الواضحات ، ولم يجحده حتى أشدهم عداء لعلي عليه السلام وهم يرفعون السيوف بوجهه ! وليست المبالغة في إيضاح الواضحات من شأن العقلاء ، فكيف يمكن أن نتصورها من أعظم الناس عقلا وحكمة : رسول الله ، وعلي ابن أبي طالب عليهما الصلاة والسلام ؟ !
النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ومثله ، ذكره الرواية
المنسوبة إلى الحسن المثنى ، حيث اشترط أن يقول النبي : يستدعي هذا التكلف . ومن ناحية أخرى : أن معنى الطاعة داخل في الولاية ، فلا معنى للولاية من غير طاعة . ومن ناحية ثالثة : أن مثل هذه الرواية الواحدة ، المرسلة ، المبهمة ، المجهولة ، لو كانت في فضائل أهل البيت عليهم السلام لضرب بها وبرواتها الأرض ، ألا تراه كيف يتعامل مع نص ثبت تواتره
في حقهم ؟ ولكنها لما كانت بخلاف ذلك احتج بها ، وهذا دليل على أنه لم يجد ما
يشفع به قوله سواها ! وهو كاف في رد حجته . ومن ناحية رابعة : بفرض أنه صلى
الله عليه وآله وسلم قد قال : هو
وليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فهل سيسمعون ويطيعون ؟ فمن قال : لا ، لاحتمال تأويل آخر ، فهذا ليس لنا معه كلام ، حتى يجدد إيمانه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما من قال نعم ، فنقول له : اعلم إذن أنه قالها مرة بعد مرة . فقد مر عليك في قصص الشكوى كلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " . وقوله : " فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي " . وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام : " أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة " وفي رواية " أنت وليي في كل مؤمن بعدي " ( 1 ) . وأما الطاعة ، فقد ثبت عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن عصى عليا فقد عصاني " ( 2 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيه أيضا : " إن هذا أخي ، ووصيي ، وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا " ( 2 ) .
أولا : دعوى تنهار أمام الحجج المتقدمة ، وقد تقدم رده أيضا . ثانيا : قد أضاف فيه غلطا عجيبا ، بقوله : ولم يمنع صلى الله عليه وآله وسلم الشاكين بخصوصهم - أثناء الشكوى - والصحيح أنه منعهم بخصوصهم في كل مرة كما هو ظاهر في نصوصها . وثالثا : فإن هذا الإحتجاج هو دليل ساطع على توفر القناعة لديه بأن النص في الغدير يدل دلالة واضحة على ولاية الأمر والتصرف ، لذا فهو يحاول أن يجعله مضافا إلى سبب واحد ، ليقيد المعنى به ، ويجعله قرينة لصرف المعنى عن ظاهره ، وهو واضح . بقي قوله : والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في وقت واحد ، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف ، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة . وجوابه : أن ولاية علي عليه السلام إنما هي فرع لولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي الأصل ، كما في الأصيل والوكيل ، والوالي والنائب عنه ، والمراد أنه الأولى بالإمامة بعده بقرينة الإخبار عن قرب موته صلى الله عليه وآله وسلم . وكما في النص المتقدم " أنت ولي كل مؤمن بعدي " و " هو وليكم بعدي " . وهناك قول آخر تمسك به بعضهم ، ونذكره هنا على قناعتنا بكونه ( طريفة ) أكثر من كونه رأيا وعقيدة . وخلاصته : أننا لو سلمنا بأن المراد من النص أنه عليه السلام أولى بالإمامة ، فالمراد : المآل ، وليس الحال . فكأن المراد أنه أولى بالإمامة حين يوجد عقد البيعة له ، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه ، وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين .
وجوابه ، باختصار شديد : أولا : ما الفرق إذن بين أن يقول صلى الله عليه وآله وسلم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " أو أن يذكر أي شخص آخر ، عندما يكون المعنى - كما يزعم - أنكم إذا عقدتم له البيعة فهو وليكم ، وإلا فلا ولاية له عليكم ! هراء ، ورب الكعبة .
الخطبة إنما جاءت لأجل بيانها ، وحسب ؟ ولا عجب ، عندما يكون الإيمان بأشخاص بأعيانهم أكبر وأعلى من الإيمان بالحق الذي يقره الله ورسوله ! وهذا هو السر وراء كل تلك التأويلات ، ألا تراهم يصرحون به ، بقولهم : وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح ؟ وهب أنه يمكن موافقتهم على هذا المستوى لحفظ
من يمكن حفظه فيه ، فلنأت إذن إلى المعنى الذي انتخبوه ، بقولهم : فالمعنى ( من
يحبني يحب عليا ، اللهم أحب من أحبه ، وعاد من عاداه ) فهل ترى أن من حفظوه في
الأولى قد
رعا الثانية ، ليتم حفظه ؟ فيقول : أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " وقفوهم إنهم مسؤولون ) ( 2 ) عن ولاية علي بن أبي طالب " ؟ قال : وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله : روي في قوله تعالى ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) أي عن ولاية علي وأهل البيت ، لأن الله أمر نبيه أن يعرف الخلق أنه
لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودة في القربى . والمعنى : أنهم
يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أم
أضاعوها وأهملوها ، فتكون عليهم المطالبة والتبعة ( 3 )
؟
ويؤيد النص المتقدم ، النص الآخر الذي أخرجه ابن حجر ( 1 ) ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " استوصوا بأهل بيتي خيرا ، فإني أخاصمكم عنهم غدا ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار " . ومثله ما تقدم في حديث الثقلين : " وإني سائلكم غدا عن الثقلين " . وهذا النص : في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا علي ، أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي " ( 2 ) . وهذا النص : عن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب ، فمن تولاه فقد تولاني ، ومن أحبه فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل " ( 3 ) . فهو يفصل هنا بين الولاية والمحبة ، فالولاية شئ ،
ومجرد المحبة شئ آخر . ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قدم الولاية ، فأمر
بها ، ثم عقب
بذكر الحب ، وأمر به ؟ وهو كاف في الرد على أصحاب
تلك الشبهة - الذين فسروا المولى بالحبيب - غير أنا لم نذكره بهذا الحديث الصحيح هنا كالشاهد على ما نقول . وهذا
النص : قال صلى الله عليه وآله وسلم : " من أحب أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ،
ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليتول علي بن أبي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن
يدخلكم في ضلالة " ( 1 ) .
وفي رواية أخرى : " من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتدي بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي . فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين بهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي " ( 1 ) .
|
|