آية الولاية

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 128

 - قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم الراكعون ) ( 3 ) . وإجماع المفسرين وأهل الحديث ، على أنها نزلت في علي بن أبي طالب ، حين تصدق بخاتمه وهو راكع . قال الآلوسي ( 4 ) :

وغالب الإخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله وجهه . ثم ذكر فيها عدة روايات ، إلى أن قال ، فيما رواه عن ابن عباس : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - للسائل - : " فهل أعطاك أحد شيئا ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 3 ) المائدة : 55 . ( 4 ) في روح المعاني عند هذه الآية . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 129

 قال نعم ، وأشار إلى علي بن أبي طالب . فقال له : " على أي حال أعطاك ؟ " . قال وهو راكع . فكبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تلا هذه الآية ، فأنشأ حسان ( رض ) يقول :

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعا * وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * زكاة ، فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية * وأثبتها أثنا كتاب الشرائع ( 1 )


ثم روى لابن الجوزي ، وقد سألوه : كيف تصدق علي بالخاتم ، والظن فيه أن له شغلا شاغلا فيها - أي الصلاة - ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هكذا وردت الأبيات في هذا المصدر ، وهناك اختلافات يسيرة في مصادر أخرى ، أنظر : فرائد السمطين 1 : 189 - 190 / 150 ، المناقب للخوارزمي 186 ، تذكرة الخواص : 15 - 16 ، كفاية الطالب 228 - 229 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 130

فقال : يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته * عن النديم ، ولا يلهو عن الناس أطاعه سكره حتى تمكن من * فعل الصحابة ، فهذا واحد الناس وأما الثعلبي فيروي ( 1 )


حديث أبي ذر الغفاري ( رض ) الذي يقول فيه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمتا ، ورأيته بهاتين وإلا عميتا ، يقول : " علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله " أما إني صليت مع

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يعطه أحد شيئا ، وكان علي راكعا ، فأومأ بخنصره إليه - وكان يتختم بها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره . فتضرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله

عز وجل يدعوه ، فقال : " اللهم إن أخي موسى سألك ، قال : ( رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة
من لساني
* يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا ) ( 2 ) .

فأوحيت إليه : ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في تفسيره الكبير عند هذه الآية من سورة المائدة . ( 2 ) طه : 25 - 35 . ( 3 ) طه : 36 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 131

اللهم ، وإني عبدك ، ونبيك ، فاشرح لي صدري ، ويسر أمري ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليا أخي ، أشدد به ظهري " . قال أبو ذر فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة ، حتى هبط عليه الأمين جبرئيل بهذه الآية : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) ( 1 ) .


وممن روى نزولها في علي عليه السلام أيضا : الشوكاني عن عدة مصادر ( 2 ) ، وأبي السعود ( 3 ) ، والواحدي ( 4 ) ، والسيوطي ( 5 ) ، والزمخشري ( 6 ) ، والبغوي ( 7 ) ، والجزري ( 8 ) ، وسائر أصحاب المناقب والتفاسير .


وخلاصته القول هنا :

 1 - أن سائر المسلمين يتفقون على نزولها في علي بن أبي طالب خاصة ( 9 ) .

 2 - أنها تصرح بصريح العبارة على ولاية الأمر ، التي هي الإمامة .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وممن أخرج مثل هذا النص أيضا : الرازي في تفسيره 12 : 26 ، أحمد في الفضائل 2 : 678 / 1158
والحاكم في شواهد التنزيل ح / 235 ، والمتقي في كنز العمال 11 / 32909 ، وابن الجوزي في تذكرة الخواص : 15 .
( 2 )
فقد قال في تفسيره ( فتح القدير ) : أخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس - نزولها في علي - ، وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه عن ابن عباس ، قال : نزلت في علي بن أبي طالب ، وأخرج أبو الشيخ ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب نحوه .
( 3 )
في تفسيره 2 : 52 .
( 4 )
في أسباب النزول : 114 .
( 5 )
لباب النقول في أسباب النزول : 93 .
( 6 )
في تفسيره الكشاف 1 : 649 .
( 7 )
في تفسيره ( معالم التنزيل ) 2 : 272 .
( 8 )
في جامع الأصول 9 : 478 / 6503 .
( 9 )
وهذا ظاهر من ملاحظة المصادر التي ذكرناها . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 132

 3 - أن الذين حاولوا تأويل هذا المعنى - رغبة منهم في دفع الشبهة عن خلافة الخلفاء الثلاثة كما صرحوا - قد سلكوا نفس مسالكهم التي اعتمدوها في تأويل حديث الغدير ، حتى انتهوا إلى قولهم : إن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماما ، لا قبله

، وهو زمن الخلفاء الثلاثة ! وإنما استنتجوا هذا من قولهم بعدم جواز تحقق إمامته زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! وكأنهم غفلوا تماما عن طبيعة العهود التي تكون للأوصياء مع الأنبياء ، أو حتى لولي العهد مع الرئيس ، أو الملك في دولته ! وقد تقدم الكلام حول هذه النقطة مفصلا .


 4 - ربما تعلق بعضهم بأن الآية جاءت بصيغة الجمع ، فلا يمكن انطباقها على فرد واحد بعينه . وهذه شبهة واهية ، إذ لا يخفى على كل من تكلم بلغة الضاد أن العرب يخاطبون الفرد بصيغة الجمع تكريما وتعظيما ، وهو كثير جدا في لغتنا ، بل

كثير أيضا استعمال المتكلم هذه الصيغة في نسبة الفعل إلى نفسه ، وهذا من أشهر المشهورات ، ومع هذا نذكر ردا آخر اختاره الزمخشري في تفسيره ، إذ قال : فإن قلت : كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه ، واللفظ لفظ جماعة ؟ قلت :

جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله ( 1 ) . والأمر بين لمن كان الدين الحق همه وبغيته ، وليس البحث عن أي تأويل يوافق رغبته ! وإلا ، فقد كان في كل واحد من النصوص التي عرضناها حجة
 

 

* ( هامش ) *
 ( 1 ) تفسير الزمخشري 1 : 649 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 133

كافية ، لا يدنو منها شك أو تردد في تعيين الأمر على حقيقته ، فكيف وقد عضد بعضها بعضا وأسنده ؟ ومع هذا : نقول : إنها ستنتفي الحاجة إلى كل ما أطلنا حوله الكلام ، عندما توصد كل الأبواب أمام التأويل ، وذلك عندما يبدو لنا أن نص خطبة الغدير - الذي ما زلنا بصدده - قد وقع بين آيتين من آيات القرآن المجيد . .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب