|
|
|
|
الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية
الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية * لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية ؟ * هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك ، وبعد الدرس والتحقيق ؟ أم كيف حصل هذا الانتماء ؟ بين هذين السؤالين تدور أشياء كثيرة ، منها ما هو بديهي ، ومنها ما يتطلب بعض العمليات العقلية ، وما لم نمتلك الروح الموضوعية في مواجهة القضايا ، فسوف تغيب عنا حتى تلك الأمور البديهية . ولا بد أن نعترف مقدما بأن هذه الموضوعية ستكون أمرا صعبا للغاية عندما نواجه قضايا تتعلق بالعقائد
والتقاليد والموروثات التي تشبعت بها العروق ، وألفتها النفوس . وسوف تكون أشد
وأصعب عندما يدور الحديث بين تلك العقائد والموروثات من جهة ، وبين ما يقابلها
لدى الآخرين من جهة أخرى ، فالإنحياز الفوري نحو المألوف هو النتيجة المتوقعة
دائما ، بينما يبقى الموقف الموضوعي أمرا نادر الحصول . * كيف نشأ هذا الموقف الإنحيازي
؟
وما هو نصيبه من الصحة ؟ وما هو أثره في الوجود الاجتماعي لهذه الأمة ؟ وكيف ينبغي أن نواجهه ؟ سنطرق هذه المواضيع من جوانبها النفسية ، بدلا من عواملها التاريخية . . - أذكر يوما أني قد أديت خدمة ما إلى مجموعة من الناس ، فيهم السني وفيهم الشيعي ، فأراد بعضهم أن يشكر لي جهدي ، فقبلني بحرارة ، وقال - معبرا عن امتنانه الكبير - : سأدعو لك عند ضريح أمير المؤمنين ، وأبي عبد الله الحسين وتلاه آخر ، فقبلني بلهفة ، وهو يقول : سأدعو لك عند الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وأبي حنيفة . لا أشك أن كلا منهما قد كشف عن المعاني التي يقدسها ، في لحظات كانت تهيج فيها مشاعره ، وتنطق براءته بلا أي تكلف ، فهي عبارات تعبر عن شعور بالقرب من المعاني التي تعيش في أعماقه إن لم نقل بالاتحاد النفسي معها والسؤال الذي برز إلى ذهني حينها ، هو : من أي شئ حصلت هذه الفوارق في الارتباطات النفسية ؟ إنه لا ينبغي أن يثيرنا سؤال واحد يجب أن نضعه أمام أنفسنا لأجل البحث عن سر اختلافنا ، وهذا التجافي الحاصل بيننا . ولعلنا سوف نمسك بطرف من أطراف الاتفاق ، ونقترب خطوة نحو
الموضوعية لو ابتدأنا من هذه الملاحظة البسيطة : فلو أنك سألت شابا ولد في
مدينة ( النجف ) فقلت له : هل ستكون شيعيا لو حصل أنك ولدت في ( حلب ) من أبوين
سنيين ؟ وهكذا لو سألت الحلبي ، هل ترى أنك ستكون سنيا بهذه الطريقة ، لو أنك
ولدت في ( النجف ) ، في أسرة شيعية ؟
هنا سوف لا يختلف منا اثنان حول الجواب الذي سنسمعه ، بل يمكننا أن نضع الجواب مقدما ، متفقين على أنه من المسلمات التي لا خلاف فيها . وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تضعنا أمام الحقيقة كلها ، وتكفي لأن تبعث فينا الاستغراب لهذا التجافي والتنافر الحاصل بيننا ، كما تسمح لنا هذه الملاحظة أيضا أن نطرح مزيدا من الأسئلة اللازمة ، لنقترب أكثر نحو الموضوعية كلما استطعنا أن نزيح شيئا من دواعي الانحياز الوهمية المتراكمة فينا .
أشخاص محايدين ، نفترض أنهم يراقبون هذا المشهد قطعا إنهم سيؤاخذون المتعصب على تعصبه . إذن ، فعند الجميع كان التعصب لذاته شيئا ممقوتا . أفلا يكون من التناقض إذن أن نحمل بين جوانحنا أشياء نمقتها لدى الآخرين ، ونمقتها بالأصل ؟ فلماذا لا نكون إذن على مستوى تقبل الطرح العلمي والموضوعي الذي يتناول شيئا من مواقفنا تجاه الأشياء والقضايا المبدئية ، وتجاه بعضنا ؟ وماذا في الأمر ؟ فما دام الطرح موضوعيا وعلميا ، فإنه سيثبتنا على ما نحن عليه ، إن وافقنا الأصل والصواب ، أو أنه سيرشدنا إلى ما هو أحق وأهدى ، إن لم نكن قد
وافقناه . ألسنا جميعا من دعاة الحق ، وطلابه ؟ ولكن السر كله يمكن ها هنا ،
فثمة حقيقة نستطيع أن نطلق عليها :
( الخوف من الهزيمة ) أمام الطرف المقابل ، تراودنا جميعا ، وهذه حقيقة لا يمكن لنا أن نوافق الصواب إن تنكرنا لها . وقد تتجلى هذه الظاهرة في الملاحظات التالية : - أفلا ترون أننا لو صدمتنا الحقيقة بشئ يخالف ما ألفناه واعتقدناه ، لظهرت ردود الفعل فينا - فورا - على هيئة غضب وثورة ، ثم أحكام تلقى جزافا ، وربما أعقبتها سخرية ، ثم يسدل الستار على الموضوع ، حتى لو عاد يواجهنا ثانية لما أحدث فينا أثرا يذكر ، ولأصبح كأية مسألة لا تستحق العناية ، أو الالتفات ! وبهذه الطريقة يدفعنا اللاشعور للتسلح بالمناعة الكافية ضد أي مفهوم يخالف المألوف ، ولو كان أكثر منه ثباتا ، وأقوى حجة . وهذه ظاهرة عامة في بني الإنسان ، إلا من تحرر منها بالوعي والمعرفة ، وتلك شجاعة ما أعزها ! - وترانا أيضا ، حين نواجه الأمر معكوسا نقف منه الموقف المناسب ! فلو عرض علينا مذهبنا مفهوما أو اعتقادا لا يستقيم مع الفطرة السليمة ، والعقل المستقيم ، والبيان الشرعي ، فإن رد الفعل هذه المرة سيأتي على هيئة تنازل تلقائي عما نرتضيه حقيقة ، لنخضع - بأي مستوى من مستويات الخضوع - لمعان تأباها عقولنا ، وتنفر منها فطرتنا ، ولكننا ورثناها ! ولو خشينا من أن هذه المعاني الجديدة قد تستولي علينا ، فإننا نلجأ - من حيث ندري
، أو لا ندري - إلى غض النظر عنها ، مؤثرين السكوت ، والوقوف عند أي مستوى
يمكننا أن نخضع له ، مستبعدين إمكان المناقشة والحوار فما الذي يدفعنا إلى كل
هذا ؟ إنه ( الخوف من الهزيمة ) ! ذلك الشبح الذي يراود كل من يواجه مثل هذا
الموضوع ، حيث يرغب ،
بل يندفع من الداخل لأن يكون متفوقا ، ويهرب من أي نوع من أنواع التراجع ، حتى لو كان تراجعا أمام الحق ، وأمام الحكم الشرعي وهو لأجل إرضاء هذه الرغبة ، يطرح في المقابل آراء وحججا ليقتنع بها ويجعلها في النهاية سدا منيعا دون الدخول في أية محاولة للمناقشة الجادة ، والحوار والمتابعة . وعندما تكون تلك الهواجس متفوقة لديه جدا ، فإنه سيكتسب قناعات شديدة بكل ما من شأنه قطع السبيل إلى ميادين التفكير الحر ، ويجعل أي شئ من هذا القبيل بمثابة الأمر المحرم ، الذي يجب إنكاره كليا . ثم كيف نفسر وجود هذه العقد النفسية المتراكمة فينا تراكما جعل أحدنا يرى أن مجرد اقترابه من الآخر يعد مستوى من مستويات الهزيمة ، أو الضعف العقائدي ، أو أنه مجاملة على حساب المبادئ ! ومن منا ينكر ظاهرة الانكماش النفسي المفاجئ ، والنفور غير الإرادي التي فرضت نفسها حتى على الكثير ممن جاء ليعالج هذا الداء العضال ،
ويرسم حدود هذه المشكلة المستعصية في الأمة ؟ فحتى الكثير لها هنا آثار أكثر سلبية حتى من تلك البحوث التي تكرس أصلا
لتعميق الخلاف ، وإحياء الروح الطائفية ، وذلك لأنها وعواطفنا ، وعند هذا يصبح مجرد مناقشتها أمرا مخالفا
للطبع ، وليس له موضع بيننا على الاطلاق . ومن أبرز الأمثلة
أن يستشهد بمثال ، أو يأتي بمصاديق على دعواه ، مال على الجانب الآخر ، مسجلا نماذج من حملات بعض رجالهم ضد المذهب الذي ينتمي إليه هو ، فكأنه يريد أن يقول : إن أولئك هم أساس هذه النزاعات ، وهم الذين يؤججون نار الفتنة بين المسلمين ، ولم يكن أصحابه هو إلا مدافعين عن مذهبهم المستهدف ! وهكذا يمارس دوره من جديد في إثارة النزاع بما يثيره من ردود فعل سلبية لدى الأطراف الأخرى ، فيضيف حلقة أخرى إلى مسلسل النزاعات ! بينما كان الأجدر به - حين يلجأ إلى مثل هذا الاستشهاد - أن ينتخب نموذجا من حملات أصحابه هو ضد المذاهب الأخرى ، فيردها ، ويبعدها عن ساحة القبول ، وبهذا يكون قد أعطى نموذجا صادقا ورائعا في هذا المضمار ، وقدم مثالا لروحية عالية تترفع على الأهواء والعصبيات ، وتميل بصدق لتحقيق التآلف بين أبناء هذه الأمة الواحدة . ذلك بحق إنسان في القمة ، وما أحوجنا إليه في كل مكان وزمان . إن تلك الروحية العالية وحدها هي التي تحقق أثرا إيجابيا يرجى أن يؤتي ثماره على طريق التقارب والتفاهم والحوار العقلاني الواعي ، الذي سيزيدنا قوة ويوفر بيننا مستوى من الانسجام والاتحاد لا يقل عن درجة الاحساس الصادق بالارتباط المصيري ، والاتحاد العقيدي . وسيعيننا هذا الفهم ، بل سيدفعنا إلى التعرف على بعضنا من جديد ، بروح أخوية نزيهة ، ويزودنا برغبة صادقة في البحث عن الحقائق الناصعة
المبرأة من كل ما تراكم من غبار زمن طويل ، ملئ وخلفيات هذا التشنج ، وتلك العصبيات المقيتة . فلقد بلغت بنا
تلك العصبيات حدا بالغ الخطورة ، حتى صار تعصبنا لأي شئ ألفناه هو أشد ألف مرة
من استعدادنا للتمسك بالحكم الشرعي الثابت .
وهذا يقابله تعصب مماثل ضد ما نراه لدى الأطراف الأخرى . ومن
المهم أن أؤكد هنا أني لا أعني مفهوما بالذات ، أو أعماقنا ، أفرادا وجماعات ، حتى أصبحت معظم التقاليد التي
نسبت إلى المذهب ، وألصقت به وهي ليست منه ، حاكمة حتى قوالب صنعناها نحن بأيدينا ، وإن كانت لا تمت إلى الدين بصلة ، ولكنها ارتقت في أذهاننا إلى مستوى الشعائر المقدسة ، فأصبح مجرد الإشارة إليها أمرا يثير المشاعر ، ويؤجج فينا نار الغضب .
بالزندقة والنفاق ، ولو كان أتقى الأتقياء ! ولنتذكر مرة أخرى أن من الخطورة بدرجة أن يميل كل منا للاستفادة من هذه الإشارات في توجيه التهم إلى الآخرين ، على أنها من مزاياهم وحدهم فإن هذا الأسلوب هو تجسيد كامل للعصبية ، كما أنه سوف يبقي على كل معايبنا وأخطائنا ، ثم يعود بنا إلى عمق مصيبتنا . إنما المطلوب منا أن نفتش عن تلك الظواهر في أنفسنا نحن لننتزعها من قلوبنا وعواطفنا ، ونتخلص من آثارها . فلو امتلكنا مثل هذه الروحية ، لاقتلعنا كل جذور الخلاف ،
واكتسحنا كل الآثار السلبية المترتبة عليه . والآن ، لعلي أصبحت قادرا على أن
أطرح على نفسي السؤال الآتي :
ما الذي يحملني على الإعتقاد - إلى حد التسليم - بأن مذهبي الذي ورثته عن آبائي ومجتمعي الصغير هو الحق الأوحد والأمثل ، وأنه الصورة الأكثر كمالا للدين الإسلامي الحنيف ، بحيث لا يشاركه مذهب آخر في حظه هذا من الكمال ؟ ما الذي حملني على هذا الإعتقاد ، أهو القرآن الكريم ؟ أم السنة المطهرة أم العقل السليم ؟ أم هي العصبية التي لا تستند إلى شئ ؟ ! ولماذا لا يمكنني أن أعتقد بأن المذاهب الأخرى هي مثل مذهبي على الأقل ؟ ومن يدري ! فلعلها تكون جميعا أكثر سلامة وكمالا مما تعلمته أنا ! وما العجب من هذا الافتراض ، أليس هكذا يعتقد أبناء المذاهب الأخرى ؟ إذن ، ما الذي يمنعني من أن أكون أبعد نظرا ، لأتقبل فكرة : أن المذاهب الأخرى هي أيضا تحتمل الصحة ، على الأقل ؟
والمتابعة ، فإن دراستي ستقودني حتما إلى قناعة ما ، وعلى أساس هذه القناعة سوف أنتخب المذهب عن وعي وإدراك هذه المرة ، كما تقتضي المسؤولية الشرعية ، وأصول الدراسة العلمية ، أفلا يفهم من هذا أنني سوف أطعن بالمذاهب الأخرى ، وسوف أصرح بالفعل وإن لم أصرح بالقول ، بأن المذهب الذي
انتخبته هو الأكثر كمالا ودقة وعمقا ؟ نعم ، قد تكون هذه الطريقة مصدرا للإثارة
، ولكن إلى أي شئ تعود تلك
الإثارة وعلى أية أرضية تقوم ؟ هل انبثقت من موقف علمي ورؤية موضوعية ، أم أنها نشأت عن غير ذلك ؟ وبتعبير آخر ، هل هي رؤية تصمد أمام قوله تعالى : ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ( 1 ) . أم هي واقعة تحت ظلال قوله تعالى : ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) ( 2 ) ؟ فهذا هو ميزان السماء لكل دعوى . إن شيئا من ردود الفعل هذه ، ما هو إلا جزء من إفرازات تلك العقد النفسية المتجذرة فينا ، وإلا فمن أين جاء زعمنا : أن الفرد المسلم الذي انطلق من وعيه بمسؤوليته الشرعية ، ملتزما قواعد البحث العلمي ، والدراسة الموضوعية المجردة ، متسلحا بالشجاعة الكافية في اتباع الحق الذي يستقر عليه ، ثم انتهى إلى اختيار آخر ، خالف فيه أصحابه ، أنه سيكون بالضرورة قد ناصبهم العداء ، أو حكم عليهم بالضلال والجحيم ؟ أليس العكس هو الصحيح ، ما دمنا نقر جميعا بأن هذا المنهج هو مسؤولية شرعية في أعناق الجميع دون استثناء ؟ نعم لنا أن نقول : إن مثل هذا الفرد لكي يكون متوازنا في ، مواقفه ، ملتزما علميته ، عليه : أولا : ألا يكون منفعلا بتأثير نشوة الاكتشاف الجديد ، فيندفع متحمسا تجاه المذاهب الأخرى ، ليشن عليها حملاته بمناسبة أو بلا مناسبة ، وكأنه
يتحدث مع فرقة ضالة قد مرقت من الدين . وثانيا :
ألا يذوب كليا في المجتمع الجديد بكل ما فيه ، حتى التقاليد الموروثة الواعون منا ، لوصلنا إلى أفضل مما نحن عليه الآن بكثير . وحتى لو لم نصل جميعا إلى نتيجة واحدة ، وحتى لو عاد كل واحد منا فانتخب مذهبه الذي نشأ عليه من جديد ، فلن يؤدي ذلك إلى خلاف جديد بيننا بالمرة ، بل على العكس تماما ، سيؤدي إلى احترام كل منا للآخر ، لأنه سيعرف عنه الكثير مما كان مخفيا عليه ، أو كان مشوها في ذهنه ، نتيجة ما ورثه في ذلك الواقع الممزق المخيف . هذا عن أصل المشكل المثار ، وأما عن مضمونه الذي مفاده : ( أن مجرد البحث أو التفكير في مثل هذا الموضوع ، هو بمثابة نواة للفرقة والتمزق وإثارة الخلافات المذهبية من جديد ) فجوابه : إن قضية الوحدة بين المسلمين هي
مسؤولية شرعية لا يمكن التعامي عنها وإغفالها ، فقد أمر القرآن الكريم بحفظها
أمرا صريحا ، فقال : (
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ( 1 ) . وحذر من
تضييعها ، وتوعد على ذلك بأشد الوعيد ، فقال : (
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم
البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ( 2 ) .
فالوحدة بهذا المستوى من الأهمية ، قضية يجب حمايتها والحرص عليها في كل قول وفعل ، ولا شك في أن من تغافل عن ذلك فقد وقع في التقصير . فمن المسلم به إذن : أن الشارع المقدس لن يرتضي لأحد أي عمل من شأنه أن يقدح بهذه المسؤولية الشرعية . ولكن ، من المسلم أيضا بين المسلمين ، أنه جل جلاله لن يرتضي لعبده المكلف أن تكون حجته في تدينه وانتمائه المذهبي : ما وجد عليه آباءه ! إذن ليس أمام هذا العبد المكلف المسؤول إلا أن يتعاهد مسؤوليته بالبحث والدرس والتحقيق ، على قدر استطاعته ، ليكون قد اتخذ موقفه ، وحدد التزاماته عن وعي وإدراك حقيقيين . وإذا كان كذلك ، فثمة مسألة أخرى لا بد من الإشارة إليها : ففي منهج البحث العلمي ، هل سيكون الباحث ملزما تأييد وموافقة كل ما تتبناه المذاهب الإسلامية ، على اختلافها ؟ فينبغي له أن يكون - تحت عنوان حفظ الوحدة الإسلامية - مؤيدا لكل الفروع والتفاصيل التي تعترض طريق البحث ؟ إن شيئا من هذا الإلزام سوف لا يبقي على أي معنى للبحث والنظر ، بل سيبطلهما من الأساس . فالبحث العلمي إنما يتوخى الحقائق المجردة عن أية مواقف مسبقة ، وأية اعتبارات أخرى تصرفه عن مساره ، وهذا محال مع وجود ذلك الإلزام . فليس من الصحيح إذن أن نطالبه بموافقة الجميع ، حتى فيما اختلفوا فيه
، بحجة تجنب الخلاف والفرقة ، بل إن فكرة كهذه ستكون مصدر أخطار على الوحدة بين
المسلمين قد لا يوازيها خطر يأتي من عمل عدائي مقصود ! لأن هذا الفهم يعني
بالنتيجة : أن علينا أن نحتفظ بكل تلك الخلافات وبأسبابها ودواعيها أيضا إلى
الأبد ، لأنها كلها كانت آراء رجال السلف
ومواقفهم وحتى تلك التي أدت إلى إثارة الحروب ، وسفك الدماء ، لأن كل أطرافها كانوا على الحق ! ألا يعني هذا أن من حقنا اليوم ، وفي كل عصر ، أن نجدد تلك النزاعات ، وأن يقتل بعضنا بعضا ، ولا بأس علينا ، لأن كل طرف منا قد تمسك بما نقل إليه عن بعض رجال السلف ؟ وفي أحسن الأحوال ، فإننا سنبقي على تلك الخلافات ، وعلى جذورها حية فينا ما حيينا ، وليس هذا مجرد فرض نفترضه ، أو دعوى ندعيها ، بل هو الواقع الحاصل في هذه الأمة . فهل تمدد الخلاف فينا ، وتوالت الانقسامات ، إلا بسبب التمسك بتلك الفكرة التي جعلت من نقاط الخلاف القديم محاور لتجمعنا ، وعناوين لانقساماتنا ؟ وما زال الكثير منا يدافع عن ذلك المبدأ ، معتقدا بأن الدفاع عن الجميع هو السبيل الوحيد لتحقيق التقارب بين المسلمين ! وإنه لأمر غريب حقا ، فمتى كان التمسك بأسباب الانشقاق هو الشرط الذي يضمن تحقيق الانسجام ؟ ! ولنتذكر ثانية أن هذا هو واحد من إيحاءات ( الخوف من الهزيمة ) الذي نعاني منه ، وإلا أفلا يكون من دواعي الاستغراب أن تضيق صدورنا عن تتبع النص الإسلامي الشرعي ، والتمسك به ؟ ! ذلك ونحن نعتقد جميعا إن مسؤوليتنا تتلخص في حفظ هذا الدين الحنيف كما أراده الله ورسوله ، بالتزام الموقف الحق الثابت الذي لا غبار عليه ، وحمايته سواء وافق ميول الأشخاص ، أو خالفها ! هكذا يتبين إذن أنه لا يجوز استغلال شعار " الوحدة الإسلامية
" للتخلي عن مسؤوليتنا الشرعية في التفكير الحر ، وانتخاب الموقف عن وعي وبصيرة
.
وكذا فليس من الصواب الاندفاع تحت ذريعة هذه المسؤولية لتعميق الخلافات المذهبية ، وإغذاء النزعة الطائفية البغيضة ، فهذه أيضا مسؤولية شرعية ملقاة على عواتقنا بنفس الدرجة ، نحن مسؤولون عنها غدا : ( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ( 1 ) .
ولم تكن في عرف التشريع السماوي المقدس هدفا دنيويا مصلحيا مؤقتا . بل هي أكبر من ذلك كله ، إنها مسؤولية رسالية بحجم هذه الرسالة ، أريد لها أن تسود ، كما أريد لها البقاء والخلود .
- إن اتفاق المسلمين في قضاياهم المصيرية ليكونوا أمة واحدة ،
ويدا واحدة في مواجهة المسؤوليات ، وفي البناء الحضاري الإسلامي ، وفي حفظ هذا
الدين العزيز ، والوقوف بوجه المخاطر والتحديات ، هي من الأمور التي يجب
حمايتها وإن اختلف المسلمون في انتماءاتهم المذهبية ، أو تباينوا في وجهات النظر حول بعض القضايا ، فليس هناك أي تناقض بين أن نكون أحرارا في تفكيرنا ، وأن نكون متفقين في قضايانا المصيرية ، ومعالمنا المشتركة . وإذا كان هذا الهدف كبيرا وعظيما ، فهو ليس مستحيلا ولا مستبعدا . وحين تتوفر لدينا الرغبة الصادقة في بلوغ هذا الهدف نكون قادرين على تبني المشروع الوحدوي المتكامل الذي يستوعب جميع الخطوات الأساسية على هذا الطريق ، والتي يمكن حصرها بما يلي : - أولا : إزاحة الحواجز النفسية المتراكمة فينا ، والتي لم ترتكز على دليل علمي ، ولا حجة منطقية ، ولا أساس من الدين الذي أمرنا الشارع المقدس أن نتدين به . ثانيا : تحقيق المستوى الكافي من الوعي بمسؤولياتنا تجاه الإسلام ، والأمة المسلمة . ثالثا : التوجه نحو المبادئ المشتركة فيما بيننا - والتي تشكل
لوحدها كل العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق أفضل مستوى التفصيلية الأخرى ، هذا مع إيماننا جميعا بوحدة المصير . إذ إن
وحدة المصير - لوحدها - لو أخذناها مأخذ الجد ، لأزاحت الكثير والكثير جدا من
العقبات التي تحول دون تفاهمنا . إن خطوات كتلك ستخلق التآلف الحقيقي ، وهو
التأليف بين القلوب كما يصفه الله تبارك وتعالى بقوله :
( وألف بين قلوبهم
) ( 1 ) .
هذا بدلا من أن نسود الصفحات العديدة بالنداءات الوحدوية : والعبارات الخطابية الرنانة ، والألفاظ الأدبية الساحرة ، التي تصور درجة عظمى من الاتحاد والتماسك ، ولكن قد لا تجد لها مصداقا في القلوب . وفي أبسط لغة ، ومع الحد الأدنى من البرهان ، نقول : إن كلا منا يشهد للآخرين بأنهم مسلمون . . وبهذه الشهادة وحدها يترتب عليه أن يحفظ تجاههم كل حقوق المسلم على أخيه المسلم ، والتي بينها الشارع المقدس في عشرات ، بل مئات النصوص من قرآن وسنة : فدمه ، وعرضه ، وماله حرام ، واغتيابه حرام ، وبهتانه من الكبائر ، وسبابه فسوق ، وقتاله كفر ، والغش له والغدر به جفاء مع الدين كله ، بل عليه أن يعيش معه كأعضاء الجسد الواحد ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، ولا يقبل فيه أقوال الوشاة والساعين في بث الفرقة والخلاف . كل هذا ، وكثير غيره ، يعد من أوليات الأخلاق الإسلامية ، ومما يتعلمه المسلم في أول حياته ، وابتداء من أبسط الحقوق : كإفشاء السلام ، وعيادة المريض ، وانتهاء بأكبرها : كالايثار بالنفس . فما بالنا ننسى كل هذا ، بمجرد أن نختلف في مواردنا الفقهية ؟ ! ثم نجعل نقطة الخلاف هذه ، قبلتنا التي إليها نتوجه في أفكارنا ، واهتماماتنا ، وأحاديثنا في جلسات سمرنا ، لتصبح فيما بعد مواقف سياسية وعقائدية تفصل بيننا ؟ ولماذا لا ندرك أن كل ما حصل في هذه الأمة من انقسامات وتشعب في الموارد ، إنما هو
وليد الخلاف السياسي الذي ظهر مرة ، ثم تهيأ له أن ينمو بعدما ظهر ، وهو لأجل
أن ينمو ويستمر ، لا بد أن يعتمد أساسا " شرعيا " وعليه فلا بد أن يشق له مورده
الفقهي المناسب ، ولو تدريجيا ، وعن غير قصد ، ولكنه
سينمو بالنتيجة ، ليكون موردا مستقلا له خصائصه ، وقواعده ، ودعائمه التي يقوم بها ، وتميزه عن غيره ، وكلما مضى في تعزيز بنيته ، فقد تغلغل في البعد عن منبعه الأول ! وهكذا قل مع كل مورد أدخلت فيه السياسية أصابعها ، حتى تحصل في الواقع اتجاهات متعددة ، تتوغل في البعد عن بعضها كلما أرادت تدعيم حججها وإظهار معالمها . والحقيقة هي هكذا لو تبصرنا فيها . ولو لا خشية الخروج عن منهجنا ، لفصلنا القول في إيضاح ذلك ، ولكنا اكتفينا بما يشير إليه ضمن فصول هذا الكتاب ، تاركين التطبيق للقارئ الكريم لأن تكلف التطبيق
سيخرج بنا عن منهجنا في هذا البحث ، أولا ، وسيرغمنا - المسؤولية ، مسؤولية البحث ، والتحري ، والاستكشاف ، ثم انتخاب
الموقف الواعي ، القويم ، غير المنحاز ، وغير المتطرف . وكلنا متساوون في
الحاجة إلى مراجعة مواقفنا ، ثم إعادة بنائها على أساس سليم . وإلى هذا كان
سعينا ، وفق خطوات نعرضها مرتبة في فصول هذا الكتاب . والله من وراء القصد
( والذين جهدوا فينا
لنهدينهم سبلنا ) ( 1 )
|
|