الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 15

الانتماء المذهبي بين الواقع والمسؤولية

* لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية ؟

* هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك ، وبعد الدرس والتحقيق ؟ أم كيف حصل هذا الانتماء ؟

بين هذين السؤالين تدور أشياء كثيرة ، منها ما هو بديهي ، ومنها ما يتطلب بعض العمليات العقلية ، وما لم نمتلك الروح الموضوعية في مواجهة القضايا ، فسوف تغيب عنا حتى تلك الأمور البديهية . ولا بد أن نعترف مقدما بأن هذه الموضوعية

ستكون أمرا صعبا للغاية عندما نواجه قضايا تتعلق بالعقائد والتقاليد والموروثات التي تشبعت بها العروق ، وألفتها النفوس . وسوف تكون أشد وأصعب عندما يدور الحديث بين تلك العقائد والموروثات من جهة ، وبين ما يقابلها لدى الآخرين من جهة أخرى ، فالإنحياز الفوري نحو المألوف هو النتيجة المتوقعة دائما ، بينما يبقى الموقف الموضوعي أمرا نادر الحصول .
 

* كيف نشأ هذا الموقف الإنحيازي ؟
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 16

وما هو نصيبه من الصحة ؟ وما هو أثره في الوجود الاجتماعي لهذه الأمة ؟ وكيف ينبغي أن نواجهه ؟

سنطرق هذه المواضيع من جوانبها النفسية ، بدلا من عواملها التاريخية . . - أذكر يوما أني قد أديت خدمة ما إلى مجموعة من الناس ، فيهم السني وفيهم الشيعي ، فأراد بعضهم أن يشكر لي جهدي ، فقبلني بحرارة ، وقال - معبرا عن امتنانه الكبير

- : سأدعو لك عند ضريح أمير المؤمنين ، وأبي عبد الله الحسين وتلاه آخر ، فقبلني بلهفة ، وهو يقول : سأدعو لك عند الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وأبي حنيفة . لا أشك أن كلا منهما قد كشف عن المعاني التي يقدسها ، في لحظات كانت تهيج

فيها مشاعره ، وتنطق براءته بلا أي تكلف ، فهي عبارات تعبر عن شعور بالقرب من المعاني التي تعيش في أعماقه إن لم نقل بالاتحاد النفسي معها والسؤال الذي برز إلى ذهني حينها ، هو : من أي شئ حصلت هذه الفوارق في الارتباطات

النفسية ؟ إنه لا ينبغي أن يثيرنا سؤال واحد يجب أن نضعه أمام أنفسنا لأجل البحث عن سر اختلافنا ، وهذا التجافي الحاصل بيننا .

ولعلنا سوف نمسك بطرف من أطراف الاتفاق ، ونقترب خطوة نحو الموضوعية لو ابتدأنا من هذه الملاحظة البسيطة : فلو أنك سألت شابا ولد في مدينة ( النجف ) فقلت له : هل ستكون شيعيا لو حصل أنك ولدت في ( حلب ) من أبوين سنيين ؟ وهكذا لو سألت الحلبي ، هل ترى أنك ستكون سنيا بهذه الطريقة ، لو أنك ولدت في ( النجف ) ، في أسرة شيعية ؟
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 17

هنا سوف لا يختلف منا اثنان حول الجواب الذي سنسمعه ، بل يمكننا أن نضع الجواب مقدما ، متفقين على أنه من المسلمات التي لا خلاف فيها .

وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تضعنا أمام الحقيقة كلها ، وتكفي لأن تبعث فينا الاستغراب لهذا التجافي والتنافر الحاصل بيننا ، كما تسمح لنا هذه الملاحظة أيضا أن نطرح مزيدا من الأسئلة اللازمة ، لنقترب أكثر نحو الموضوعية كلما استطعنا أن نزيح شيئا من دواعي الانحياز الوهمية المتراكمة فينا .


ولنبدأ بالسؤال حول الانحياز نفسه ، والعصبية ذاتها : فهل سيرضى أحدنا لو وجد آخر يتعصب ضده من غير دواع حقيقية ، وبدون أن يتعرف على حقيقة مواقفه وآرائه ؟ فإذا كان الجواب بالنفي بديهيا لدى هذا الشخص ، فماذا نتوقع أن يكون موقف

أشخاص محايدين ، نفترض أنهم يراقبون هذا المشهد قطعا إنهم سيؤاخذون المتعصب على تعصبه . إذن ، فعند الجميع كان التعصب لذاته شيئا ممقوتا . أفلا يكون من التناقض إذن أن نحمل بين جوانحنا أشياء نمقتها لدى الآخرين ، ونمقتها بالأصل ؟

فلماذا لا نكون إذن على مستوى تقبل الطرح العلمي والموضوعي الذي يتناول شيئا من مواقفنا تجاه الأشياء والقضايا المبدئية ، وتجاه بعضنا ؟ وماذا في الأمر ؟ فما دام الطرح موضوعيا وعلميا ، فإنه سيثبتنا على ما نحن عليه ، إن وافقنا الأصل

والصواب ، أو أنه سيرشدنا إلى ما هو أحق وأهدى ، إن لم نكن قد وافقناه . ألسنا جميعا من دعاة الحق ، وطلابه ؟ ولكن السر كله يمكن ها هنا ، فثمة حقيقة نستطيع أن نطلق عليها :
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 18

( الخوف من الهزيمة ) أمام الطرف المقابل ، تراودنا جميعا ، وهذه حقيقة لا يمكن لنا أن نوافق الصواب إن تنكرنا لها .

وقد تتجلى هذه الظاهرة في الملاحظات التالية : - أفلا ترون أننا لو صدمتنا الحقيقة بشئ يخالف ما ألفناه واعتقدناه ، لظهرت ردود الفعل فينا - فورا - على هيئة غضب وثورة ، ثم أحكام تلقى جزافا ، وربما أعقبتها سخرية ، ثم يسدل الستار على

الموضوع ، حتى لو عاد يواجهنا ثانية لما أحدث فينا أثرا يذكر ، ولأصبح كأية مسألة لا تستحق العناية ، أو الالتفات ! وبهذه الطريقة يدفعنا اللاشعور للتسلح بالمناعة الكافية ضد أي مفهوم يخالف المألوف ، ولو كان أكثر منه ثباتا ، وأقوى حجة .

وهذه ظاهرة عامة في بني الإنسان ، إلا من تحرر منها بالوعي والمعرفة ، وتلك شجاعة ما أعزها ! - وترانا أيضا ، حين نواجه الأمر معكوسا نقف منه الموقف المناسب ! فلو عرض علينا مذهبنا مفهوما أو اعتقادا لا يستقيم مع الفطرة السليمة ،

والعقل المستقيم ، والبيان الشرعي ، فإن رد الفعل هذه المرة سيأتي على هيئة تنازل تلقائي عما نرتضيه حقيقة ، لنخضع - بأي مستوى من مستويات الخضوع - لمعان تأباها عقولنا ، وتنفر منها فطرتنا ، ولكننا ورثناها ! ولو خشينا من أن هذه

المعاني الجديدة قد تستولي علينا ، فإننا نلجأ - من حيث ندري ، أو لا ندري - إلى غض النظر عنها ، مؤثرين السكوت ، والوقوف عند أي مستوى يمكننا أن نخضع له ، مستبعدين إمكان المناقشة والحوار فما الذي يدفعنا إلى كل هذا ؟ إنه ( الخوف من الهزيمة ) ! ذلك الشبح الذي يراود كل من يواجه مثل هذا الموضوع ، حيث يرغب ،
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 19

بل يندفع من الداخل لأن يكون متفوقا ، ويهرب من أي نوع من أنواع التراجع ، حتى لو كان تراجعا أمام الحق ، وأمام الحكم الشرعي وهو لأجل إرضاء هذه الرغبة ، يطرح في المقابل آراء وحججا ليقتنع بها ويجعلها في النهاية سدا منيعا دون الدخول في أية محاولة للمناقشة الجادة ، والحوار والمتابعة .

وعندما تكون تلك الهواجس متفوقة لديه جدا ، فإنه سيكتسب قناعات شديدة بكل ما من شأنه قطع السبيل إلى ميادين التفكير الحر ، ويجعل أي شئ من هذا القبيل بمثابة الأمر المحرم ، الذي يجب إنكاره كليا . ثم كيف نفسر وجود هذه العقد النفسية

المتراكمة فينا تراكما جعل أحدنا يرى أن مجرد اقترابه من الآخر يعد مستوى من مستويات الهزيمة ، أو الضعف العقائدي ، أو أنه مجاملة على حساب المبادئ ! ومن منا ينكر ظاهرة الانكماش النفسي المفاجئ ، والنفور غير الإرادي التي فرضت

نفسها حتى على الكثير ممن جاء ليعالج هذا الداء العضال ، ويرسم حدود هذه المشكلة المستعصية في الأمة ؟ فحتى الكثير
من هؤلاء ينزلق من حيث لا يشعر ، فيمارس مرة أخرى تجسيد تلك الروحية ، وتعميق تلك الحواجز النفسية التي سيكون

لها هنا آثار أكثر سلبية حتى من تلك البحوث التي تكرس أصلا لتعميق الخلاف ، وإحياء الروح الطائفية ، وذلك لأنها
ستوحي للقارئ بأن هذه الظاهرة هي بمستوى الحقيقة التي تأصلت في النفوس ، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من عقائدنا

 وعواطفنا ، وعند هذا يصبح مجرد مناقشتها أمرا مخالفا للطبع ، وليس له موضع بيننا على الاطلاق . ومن أبرز الأمثلة
على هذا النمط ، ما نجده عند بعض من كتب في الدفاع عن الوحدة الإسلامية ، متحمسا ضد الطائفية ومروجيها ، ثم إذا أراد
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 20

أن يستشهد بمثال ، أو يأتي بمصاديق على دعواه ، مال على الجانب الآخر ، مسجلا نماذج من حملات بعض رجالهم ضد المذهب الذي ينتمي إليه هو ، فكأنه يريد أن يقول : إن أولئك هم أساس هذه النزاعات ، وهم الذين يؤججون نار الفتنة بين

المسلمين ، ولم يكن أصحابه هو إلا مدافعين عن مذهبهم المستهدف ! وهكذا يمارس دوره من جديد في إثارة النزاع بما يثيره من ردود فعل سلبية لدى الأطراف الأخرى ، فيضيف حلقة أخرى إلى مسلسل النزاعات ! بينما كان الأجدر به - حين يلجأ

إلى مثل هذا الاستشهاد - أن ينتخب نموذجا من حملات أصحابه هو ضد المذاهب الأخرى ، فيردها ، ويبعدها عن ساحة القبول ، وبهذا يكون قد أعطى نموذجا صادقا ورائعا في هذا المضمار ، وقدم مثالا لروحية عالية تترفع على الأهواء

والعصبيات ، وتميل بصدق لتحقيق التآلف بين أبناء هذه الأمة الواحدة . ذلك بحق إنسان في القمة ، وما أحوجنا إليه في كل مكان وزمان . إن تلك الروحية العالية وحدها هي التي تحقق أثرا إيجابيا يرجى أن يؤتي ثماره على طريق التقارب والتفاهم

والحوار العقلاني الواعي ، الذي سيزيدنا قوة ويوفر بيننا مستوى من الانسجام والاتحاد لا يقل عن درجة الاحساس الصادق بالارتباط المصيري ، والاتحاد العقيدي . وسيعيننا هذا الفهم ، بل سيدفعنا إلى التعرف على بعضنا من جديد ، بروح أخوية

نزيهة ، ويزودنا برغبة صادقة في البحث عن الحقائق الناصعة المبرأة من كل ما تراكم من غبار زمن طويل ، ملئ
بالنزاعات والتخاصم ، وتبادل التهم والشتائم و . . . وبمثل هذه الصيغة يمكننا أن نتوصل إلى جذور تلك الحواجز النفسية ،

وخلفيات هذا التشنج ، وتلك العصبيات المقيتة . فلقد بلغت بنا تلك العصبيات حدا بالغ الخطورة ، حتى صار تعصبنا لأي شئ ألفناه هو أشد ألف مرة من استعدادنا للتمسك بالحكم الشرعي الثابت .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 21

وهذا يقابله تعصب مماثل ضد ما نراه لدى الأطراف الأخرى . ومن المهم أن أؤكد هنا أني لا أعني مفهوما بالذات ، أو
طائفة من المسلمين دون غيرها ، ولا فردا دون آخر ، بل أريد تلك الظاهرة التي أضحت ( مرضا ) نفسيا أرسى جذوره في

أعماقنا ، أفرادا وجماعات ، حتى أصبحت معظم التقاليد التي نسبت إلى المذهب ، وألصقت به وهي ليست منه ، حاكمة حتى
على النص الشرعي الثابت لدينا . فرحنا نلجأ إلى تحوير كل نص لا ينسجم مع هذا التقليد ، أو ذلك الرأي وصياغته بحسب

قوالب صنعناها نحن بأيدينا ، وإن كانت لا تمت إلى الدين بصلة ، ولكنها ارتقت في أذهاننا إلى مستوى الشعائر المقدسة ، فأصبح مجرد الإشارة إليها أمرا يثير المشاعر ، ويؤجج فينا نار الغضب .


ولهذا نجد أن علماء المذهب نفسه لا يجرأون على استنكارها ، أو وعظ أصحابهم بتخفيف شدة تمسكهم بها ، ولو تجرأ أحدهم على شئ من ذلك ، لنبذه أتباعه في الحال ، ولأصبح بينهم عرضة لألوان الشتائم والمطاعن ، وربما بلغ الأمر إلى رميه

بالزندقة والنفاق ، ولو كان أتقى الأتقياء ! ولنتذكر مرة أخرى أن من الخطورة بدرجة أن يميل كل منا للاستفادة من هذه الإشارات في توجيه التهم إلى الآخرين ، على أنها من مزاياهم وحدهم فإن هذا الأسلوب هو تجسيد كامل للعصبية ، كما أنه

سوف يبقي على كل معايبنا وأخطائنا ، ثم يعود بنا إلى عمق مصيبتنا . إنما المطلوب منا أن نفتش عن تلك الظواهر في أنفسنا نحن لننتزعها من قلوبنا وعواطفنا ، ونتخلص من آثارها .

فلو امتلكنا مثل هذه الروحية ، لاقتلعنا كل جذور الخلاف ، واكتسحنا كل الآثار السلبية المترتبة عليه . والآن ، لعلي أصبحت قادرا على أن أطرح على نفسي السؤال الآتي :
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 22

ما الذي يحملني على الإعتقاد - إلى حد التسليم - بأن مذهبي الذي ورثته عن آبائي ومجتمعي الصغير هو الحق الأوحد والأمثل ، وأنه الصورة الأكثر كمالا للدين الإسلامي الحنيف ، بحيث لا يشاركه مذهب آخر في حظه هذا من الكمال ؟

ما الذي حملني على هذا الإعتقاد ، أهو القرآن الكريم ؟ أم السنة المطهرة أم العقل السليم ؟ أم هي العصبية التي لا تستند إلى شئ ؟ ! ولماذا لا يمكنني أن أعتقد بأن المذاهب الأخرى هي مثل مذهبي على الأقل ؟ ومن يدري ! فلعلها تكون جميعا أكثر

سلامة وكمالا مما تعلمته أنا ! وما العجب من هذا الافتراض ، أليس هكذا يعتقد أبناء المذاهب الأخرى ؟ إذن ، ما الذي يمنعني من أن أكون أبعد نظرا ، لأتقبل فكرة : أن المذاهب الأخرى هي أيضا تحتمل الصحة ، على الأقل ؟


ثم ، ألست مسؤولا غدا عن سبب اعتقادي ، وتبعيتي الدينية ؟ وهذا هو السؤال الخطير الذي يجب أن أقف عنده موقف الجد . . سيبرز هنا سؤال آخر ، وهو : ألا تقودني هذه الفكرة إلى الطائفية مرة أخرى ؟ أعني أنني عندما أدخل طريق الدرس

والمتابعة ، فإن دراستي ستقودني حتما إلى قناعة ما ، وعلى أساس هذه القناعة سوف أنتخب المذهب عن وعي وإدراك هذه المرة ، كما تقتضي المسؤولية الشرعية ، وأصول الدراسة العلمية ، أفلا يفهم من هذا أنني سوف أطعن بالمذاهب الأخرى ،

وسوف أصرح بالفعل وإن لم أصرح بالقول ، بأن المذهب الذي انتخبته هو الأكثر كمالا ودقة وعمقا ؟ نعم ، قد تكون هذه الطريقة مصدرا للإثارة ، ولكن إلى أي شئ تعود تلك
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 23

الإثارة وعلى أية أرضية تقوم ؟ هل انبثقت من موقف علمي ورؤية موضوعية ، أم أنها نشأت عن غير ذلك ؟ وبتعبير آخر ، هل هي رؤية تصمد أمام قوله تعالى : ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ( 1 ) .

أم هي واقعة تحت ظلال قوله تعالى : ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) ( 2 ) ؟ فهذا هو ميزان السماء لكل دعوى . إن شيئا من ردود الفعل هذه ، ما هو إلا جزء من إفرازات تلك العقد النفسية المتجذرة فينا ، وإلا فمن أين جاء زعمنا : أن

الفرد المسلم الذي انطلق من وعيه بمسؤوليته الشرعية ، ملتزما قواعد البحث العلمي ، والدراسة الموضوعية المجردة ، متسلحا بالشجاعة الكافية في اتباع الحق الذي يستقر عليه ، ثم انتهى إلى اختيار آخر ، خالف فيه أصحابه ، أنه سيكون

بالضرورة قد ناصبهم العداء ، أو حكم عليهم بالضلال والجحيم ؟ أليس العكس هو الصحيح ، ما دمنا نقر جميعا بأن هذا المنهج هو مسؤولية شرعية في أعناق الجميع دون استثناء ؟ نعم لنا أن نقول : إن مثل هذا الفرد لكي يكون متوازنا في ، مواقفه ، ملتزما علميته ، عليه :

 أولا : ألا يكون منفعلا بتأثير نشوة الاكتشاف الجديد ، فيندفع متحمسا تجاه المذاهب الأخرى ، ليشن عليها حملاته بمناسبة أو بلا مناسبة ، وكأنه

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النمل : 64 . ( 2 ) النجم : 23 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 24

يتحدث مع فرقة ضالة قد مرقت من الدين . وثانيا : ألا يذوب كليا في المجتمع الجديد بكل ما فيه ، حتى التقاليد الموروثة
التي لم يكن مصدرها الإسلام ، وحتى العقد النفسية المتراكمة فيهم تجاه كل من يخالفهم بشئ . إن منهجا كهذا لو التزمه

الواعون منا ، لوصلنا إلى أفضل مما نحن عليه الآن بكثير . وحتى لو لم نصل جميعا إلى نتيجة واحدة ، وحتى لو عاد كل واحد منا فانتخب مذهبه الذي نشأ عليه من جديد ، فلن يؤدي ذلك إلى خلاف جديد بيننا بالمرة ، بل على العكس تماما ،

سيؤدي إلى احترام كل منا للآخر ، لأنه سيعرف عنه الكثير مما كان مخفيا عليه ، أو كان مشوها في ذهنه ، نتيجة ما ورثه في ذلك الواقع الممزق المخيف .

هذا عن أصل المشكل المثار ، وأما عن مضمونه الذي مفاده : ( أن مجرد البحث أو التفكير في مثل هذا الموضوع ، هو بمثابة نواة للفرقة والتمزق وإثارة الخلافات المذهبية من جديد )

فجوابه : إن قضية الوحدة بين المسلمين هي مسؤولية شرعية لا يمكن التعامي عنها وإغفالها ، فقد أمر القرآن الكريم بحفظها أمرا صريحا ، فقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ( 1 ) . وحذر من تضييعها ، وتوعد على ذلك بأشد الوعيد ، فقال : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 103 . ( 2 ) آل عمران : 105 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 25

فالوحدة بهذا المستوى من الأهمية ، قضية يجب حمايتها والحرص عليها في كل قول وفعل ، ولا شك في أن من تغافل عن ذلك فقد وقع في التقصير .

فمن المسلم به إذن : أن الشارع المقدس لن يرتضي لأحد أي عمل من شأنه أن يقدح بهذه المسؤولية الشرعية . ولكن ، من المسلم أيضا بين المسلمين ، أنه جل جلاله لن يرتضي لعبده المكلف أن تكون حجته في تدينه وانتمائه المذهبي : ما وجد عليه

آباءه ! إذن ليس أمام هذا العبد المكلف المسؤول إلا أن يتعاهد مسؤوليته بالبحث والدرس والتحقيق ، على قدر استطاعته ، ليكون قد اتخذ موقفه ، وحدد التزاماته عن وعي وإدراك حقيقيين . وإذا كان كذلك ، فثمة مسألة أخرى لا بد من الإشارة إليها

: ففي منهج البحث العلمي ، هل سيكون الباحث ملزما تأييد وموافقة كل ما تتبناه المذاهب الإسلامية ، على اختلافها ؟ فينبغي له أن يكون - تحت عنوان حفظ الوحدة الإسلامية - مؤيدا لكل الفروع والتفاصيل التي تعترض طريق البحث ؟ إن شيئا من

هذا الإلزام سوف لا يبقي على أي معنى للبحث والنظر ، بل سيبطلهما من الأساس . فالبحث العلمي إنما يتوخى الحقائق المجردة عن أية مواقف مسبقة ، وأية اعتبارات أخرى تصرفه عن مساره ، وهذا محال مع وجود ذلك الإلزام . فليس من

الصحيح إذن أن نطالبه بموافقة الجميع ، حتى فيما اختلفوا فيه ، بحجة تجنب الخلاف والفرقة ، بل إن فكرة كهذه ستكون مصدر أخطار على الوحدة بين المسلمين قد لا يوازيها خطر يأتي من عمل عدائي مقصود ! لأن هذا الفهم يعني بالنتيجة : أن علينا أن نحتفظ بكل تلك الخلافات وبأسبابها ودواعيها أيضا إلى الأبد ، لأنها كلها كانت آراء رجال السلف
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 26

ومواقفهم وحتى تلك التي أدت إلى إثارة الحروب ، وسفك الدماء ، لأن كل أطرافها كانوا على الحق ! ألا يعني هذا أن من حقنا اليوم ، وفي كل عصر ، أن نجدد تلك النزاعات ، وأن يقتل بعضنا بعضا ، ولا بأس علينا ، لأن كل طرف منا قد تمسك

بما نقل إليه عن بعض رجال السلف ؟ وفي أحسن الأحوال ، فإننا سنبقي على تلك الخلافات ، وعلى جذورها حية فينا ما حيينا ، وليس هذا مجرد فرض نفترضه ، أو دعوى ندعيها ، بل هو الواقع الحاصل في هذه الأمة . فهل تمدد الخلاف فينا ،

وتوالت الانقسامات ، إلا بسبب التمسك بتلك الفكرة التي جعلت من نقاط الخلاف القديم محاور لتجمعنا ، وعناوين لانقساماتنا ؟ وما زال الكثير منا يدافع عن ذلك المبدأ ، معتقدا بأن الدفاع عن الجميع هو السبيل الوحيد لتحقيق التقارب بين المسلمين !

وإنه لأمر غريب حقا ، فمتى كان التمسك بأسباب الانشقاق هو الشرط الذي يضمن تحقيق الانسجام ؟ ! ولنتذكر ثانية أن هذا هو واحد من إيحاءات ( الخوف من الهزيمة ) الذي نعاني منه ، وإلا أفلا يكون من دواعي الاستغراب أن تضيق صدورنا

عن تتبع النص الإسلامي الشرعي ، والتمسك به ؟ ! ذلك ونحن نعتقد جميعا إن مسؤوليتنا تتلخص في حفظ هذا الدين الحنيف كما أراده الله ورسوله ، بالتزام الموقف الحق الثابت الذي لا غبار عليه ، وحمايته سواء وافق ميول الأشخاص ، أو خالفها !

هكذا يتبين إذن أنه لا يجوز استغلال شعار " الوحدة الإسلامية " للتخلي عن مسؤوليتنا الشرعية في التفكير الحر ، وانتخاب الموقف عن وعي وبصيرة .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 27

وكذا فليس من الصواب الاندفاع تحت ذريعة هذه المسؤولية لتعميق الخلافات المذهبية ، وإغذاء النزعة الطائفية البغيضة ، فهذه أيضا مسؤولية شرعية ملقاة على عواتقنا بنفس الدرجة ، نحن مسؤولون عنها غدا : ( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ( 1 ) .


إن الوحدة بين المسلمين يجب أن تفهم أنها قضية رسالية أساسية . فليست هي موضوعا طائفيا يجمع المسلمين أمام الأمم الأخرى ، وحسب ولا هي دعوى فوقية يراد منها التزلف والتملق فيما بيننا .

ولم تكن في عرف التشريع السماوي المقدس هدفا دنيويا مصلحيا مؤقتا . بل هي أكبر من ذلك كله ، إنها مسؤولية رسالية بحجم هذه الرسالة ، أريد لها أن تسود ، كما أريد لها البقاء والخلود .


فما أحوجنا إلى أن ندرك واجباتنا في حفظ مجتمعنا الإسلامي النزيه ، وتحقيق الانسجام والتآلف بين أفرادنا وفصائلنا ، ومعالجة أسباب ( هذه الفرقة ، التي لم تؤذ السني في مواجهة الشيعي فقط ، ولا الشيعي في مواجهة السني فقط ، ولكنها كرست تفتيت السني إلى عدة مذاهب ، وكرست تفتيت الشيعي إلى عدة مذاهب ) ( 2 ) .

- إن اتفاق المسلمين في قضاياهم المصيرية ليكونوا أمة واحدة ، ويدا واحدة في مواجهة المسؤوليات ، وفي البناء الحضاري الإسلامي ، وفي حفظ هذا الدين العزيز ، والوقوف بوجه المخاطر والتحديات ، هي من الأمور التي يجب
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الروم : 31 - 32 .
( 2 )
من مقالة للدكتور فهمي الشناوي بعنوان ( الفتنة الكبرى المعاصرة ) نشرتها مجلة العالم في عددها 336 من عام 1990 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 28

حمايتها وإن اختلف المسلمون في انتماءاتهم المذهبية ، أو تباينوا في وجهات النظر حول بعض القضايا ، فليس هناك أي تناقض بين أن نكون أحرارا في تفكيرنا ، وأن نكون متفقين في قضايانا المصيرية ، ومعالمنا المشتركة .

وإذا كان هذا الهدف كبيرا وعظيما ، فهو ليس مستحيلا ولا مستبعدا . وحين تتوفر لدينا الرغبة الصادقة في بلوغ هذا الهدف نكون قادرين على تبني المشروع الوحدوي المتكامل الذي يستوعب جميع الخطوات الأساسية على هذا الطريق ، والتي يمكن حصرها بما يلي : -

 أولا : إزاحة الحواجز النفسية المتراكمة فينا ، والتي لم ترتكز على دليل علمي ، ولا حجة منطقية ، ولا أساس من الدين الذي أمرنا الشارع المقدس أن نتدين به .

 ثانيا : تحقيق المستوى الكافي من الوعي بمسؤولياتنا تجاه الإسلام ، والأمة المسلمة .

 ثالثا : التوجه نحو المبادئ المشتركة فيما بيننا - والتي تشكل لوحدها كل العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق أفضل مستوى
من الاتحاد بين المسلمين - : كوحدة العقيدة بأركانها ، ومصادر التشريع الأساس ، وفروع الدين ، وما لا يحصى من الأحكام

التفصيلية الأخرى ، هذا مع إيماننا جميعا بوحدة المصير . إذ إن وحدة المصير - لوحدها - لو أخذناها مأخذ الجد ، لأزاحت الكثير والكثير جدا من العقبات التي تحول دون تفاهمنا . إن خطوات كتلك ستخلق التآلف الحقيقي ، وهو التأليف بين القلوب كما يصفه الله تبارك وتعالى بقوله : ( وألف بين قلوبهم ) ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
 ( 1 ) الأنفال : 63 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 29

هذا بدلا من أن نسود الصفحات العديدة بالنداءات الوحدوية : والعبارات الخطابية الرنانة ، والألفاظ الأدبية الساحرة ، التي تصور درجة عظمى من الاتحاد والتماسك ، ولكن قد لا تجد لها مصداقا في القلوب . وفي أبسط لغة ، ومع الحد الأدنى من

البرهان ، نقول : إن كلا منا يشهد للآخرين بأنهم مسلمون . . وبهذه الشهادة وحدها يترتب عليه أن يحفظ تجاههم كل حقوق المسلم على أخيه المسلم ، والتي بينها الشارع المقدس في عشرات ، بل مئات النصوص من قرآن وسنة : فدمه ، وعرضه ،

وماله حرام ، واغتيابه حرام ، وبهتانه من الكبائر ، وسبابه فسوق ، وقتاله كفر ، والغش له والغدر به جفاء مع الدين كله ، بل عليه أن يعيش معه كأعضاء الجسد الواحد ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، ولا يقبل فيه أقوال

الوشاة والساعين في بث الفرقة والخلاف . كل هذا ، وكثير غيره ، يعد من أوليات الأخلاق الإسلامية ، ومما يتعلمه المسلم في أول حياته ، وابتداء من أبسط الحقوق : كإفشاء السلام ، وعيادة المريض ، وانتهاء بأكبرها : كالايثار بالنفس . فما بالنا

ننسى كل هذا ، بمجرد أن نختلف في مواردنا الفقهية ؟ ! ثم نجعل نقطة الخلاف هذه ، قبلتنا التي إليها نتوجه في أفكارنا ، واهتماماتنا ، وأحاديثنا في جلسات سمرنا ، لتصبح فيما بعد مواقف سياسية وعقائدية تفصل بيننا ؟ ولماذا لا ندرك أن كل ما

حصل في هذه الأمة من انقسامات وتشعب في الموارد ، إنما هو وليد الخلاف السياسي الذي ظهر مرة ، ثم تهيأ له أن ينمو بعدما ظهر ، وهو لأجل أن ينمو ويستمر ، لا بد أن يعتمد أساسا " شرعيا " وعليه فلا بد أن يشق له مورده الفقهي المناسب ، ولو تدريجيا ، وعن غير قصد ، ولكنه
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 30

سينمو بالنتيجة ، ليكون موردا مستقلا له خصائصه ، وقواعده ، ودعائمه التي يقوم بها ، وتميزه عن غيره ، وكلما مضى في تعزيز بنيته ، فقد تغلغل في البعد عن منبعه الأول ! وهكذا قل مع كل مورد أدخلت فيه السياسية أصابعها ، حتى تحصل في

الواقع اتجاهات متعددة ، تتوغل في البعد عن بعضها كلما أرادت تدعيم حججها وإظهار معالمها . والحقيقة هي هكذا لو تبصرنا فيها . ولو لا خشية الخروج عن منهجنا ، لفصلنا القول في إيضاح ذلك ، ولكنا اكتفينا بما يشير إليه ضمن فصول

هذا الكتاب ، تاركين التطبيق للقارئ الكريم لأن تكلف التطبيق سيخرج بنا عن منهجنا في هذا البحث ، أولا ، وسيرغمنا -
ثانيا - على الإطالة ، التي سعينا جاهدين لتجنبها . وأمام تلك الحقائق ، فلا مفر من كوننا جميعا ، على قدم سواء في

المسؤولية ، مسؤولية البحث ، والتحري ، والاستكشاف ، ثم انتخاب الموقف الواعي ، القويم ، غير المنحاز ، وغير المتطرف . وكلنا متساوون في الحاجة إلى مراجعة مواقفنا ، ثم إعادة بنائها على أساس سليم . وإلى هذا كان سعينا ، وفق خطوات نعرضها مرتبة في فصول هذا الكتاب . والله من وراء القصد ( والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ( 1 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) العنكبوت : 69 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب