|
آية الاكمال |
|
|
الآية الثانية : قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( 2 ) . قال الطبري : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يعني جل ثناؤه بقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) : اليوم أكملت - أيها المؤمنون - فرائضي عليكم ، وحدودي ، وأمري إياكم ، ونهيي ، وحلالي وحرامي ، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي ، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي ، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم ، فأتممت لكم جميع ذلك ، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم . قالوا : وكان ذلك في يوم عرفة ، عام حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع . وقالوا : لم
ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية شئ
من الفرائض ، ولا تحليل شئ ولا تحريمه ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة ( 1 ) . انتهى الرأي الأول . الظاهر في هذا الرأي أن أصحابه قد تبنوا أمرين : الأمر الأول : أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع . وقد أنشأوا هذا اعتمادا على ما جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب ، وقد جاءه يهودي ، فقال له : لو نزلت هذه الآية فينا لجعلناها عيدا . فقال : إني لأعلم أين نزلت ، ومتى نزلت ، نزلت يوم
عرفة ، والنبي يخطب ، وهو يوم عيد . والرواية الأخرى عن معاوية بن أبي سفيان ،
وقد كان يخطب على منبره وقد ذكر ابن كثير ، وآخرون روايات أخرى نسبت إلى علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وسمرة بن جندب . ولكن لا يصح الاحتجاج بشئ من هذه الروايات ، لضعف إسنادها : فأما رواية سمرة ، فقد ردها ابن أبي بكر الهيثمي ( 2 ) ، فقال : فيها عمر بن موسى بن وجيه ، وهو ضعيف . وأما المنسوبة
إلى عبد الله بن عباس ففيها عمار مولى بني هاشم ، وقد تكلم فيه البخاري ، فبعد
أن ذكر له حديثا عن ابن عباس ، قال : لا يتابع عليه . وقال فيه ابن حبان : كان
يخطئ .
وكان شعبة يتكلم فيه ( 1 ) . وأما المنسوبة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ففيها أحمد بن كامل وقد لينه الدار قطني ، وقال : كان متساهلا . وقال حمزة ، عن الدار قطني : كان متساهلا ، ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه ، وقد أهلكه العجب ( 2 ) . وأما الروايتان : الأولى والثانية ، فلم أكلف نفسي عناء البحث والتحقيق فيهما ، فلست أستبعد صدورهما منهما . فلماذا لا يكون معاوية هو الأعلم بنزول هذه الآية خاصة ، دون سواها ! ونظرة واحدة إلى قصة الخلافة تكفينا تماما جهد التحقيق في رواية كهذه . هذا وقد رد الطبري نفسه كل ما تقدم من روايات بإثباته طرقا أخرى تخالفها ، فقال : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه عن ربيع بن أنس ، قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسيرة في حجة الوداع
، وهو راكب راحلته ، فبركت به راحلته من ثقلها . وروى مثله - أنها نزلت في
المسيرة من حجة الوداع - الهيثمي ( 3 ) عن عبد الله بن عمر ، وعن أسماء بنت
يزيد ( 4 ) . ورواه السيوطي عن أسماء بنت عميس
( 5 ) أيضا ( 6 ) .
وهذا كله يخالف الروايات المتقدمة عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ، تماما . وسيأتي في المسند الصحيح ما ينقضه أيضا .
وقال أبو حيان الأندلسي ( 3 ) : قال الجمهور - كمال الدين - هو إظهاره ، واستيعاب معظم فرائضه وتحليله ، وتحريمه ، قالوا : وقد نزل بعد هذه الآية قرآن كثير ، كآيات الربا ، وآيات الكلالة ، وغير ذلك . فإن قلت : لماذا نعتمد هذه الروايات ، ولا نأخذ بقول من قال بعدم نزول شئ من الأحكام والفرائض بعد
هذه الآية ؟ أجابك الطبري ، فقال : ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم
إلى أن قبض ، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان قوله : ( ويستفتونك قل الله يفتيكم ) آخرها نزولا ، وكان ذلك من الأحكام والفرائض ، كان معلوما أن معنى قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) على خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله . أعني كمال العبادات ، والأحكام ، والفرائض .
عدد كبير من الصحابة ، منهم : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن
عباس ، وأبو سعيد الخدري ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وسلمان الفارسي ،
وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود ، وأبو هريرة .
وفيها : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم دعا الناس إلى غدير خم ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس إلى علي بن أبي طالب ، فأخذ بضبعه ، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه . ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( 1 ) . ولا يفوتنا أن نذكر ما أورده بعضهم على بعض هذه الروايات ، ومجموع ذلك أمران : الأول : حول إحدى الروايات عن أبي سعيد الخدري ، فقالوا : فيها أبو هارون العبدي ، وباقي رجالها ثقات . والثاني : في إحدى الروايتين عن أبي هريرة ، قالوا : فيها حبشون الخلال ، وهو ضعيف . وجواب ذلك : 1 - إن أبا هارون العبدي ، التابعي الذي حدث عن أبي سعيد الخدري وابن عمر ، لم يكن فيه من العيب لديهم سوى أنه حدث في فضائل علي عليه السلام ، فوصفه بعضهم بالتشيع ، ولهذا رد أحاديثه ( 2 ) . 2 - إن حبشون ذكره سبط
ابن الجوزي ، فقال : حدث عنه الأزهري
ولم يضعفه ( 1 ) . وقد مر أن الذهبي ذكره ، فقال صدوق ( 2 ) - كما وثقه الخطيب عند ترجمته له في تاريخ بغداد ، ولم يذكر خلافا فيه . 3 - لو صدق قولهم فيه ، فإن الرواية عن أبي هريرة قد وردت من طريق آخر ،
رجاله موثقون وليس فيهم حبشون ( 3 ) .
|
|