آية الاكمال

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 144

الآية الثانية : قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( 2 ) .

قال الطبري : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يعني جل ثناؤه بقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) : اليوم أكملت - أيها المؤمنون - فرائضي عليكم ، وحدودي ، وأمري إياكم ، ونهيي ، وحلالي وحرامي ، وتنزيلي من ذلك ما

أنزلت منه في كتابي ، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي ، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم ، فأتممت لكم جميع ذلك ، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم . قالوا : وكان ذلك في يوم عرفة ، عام

حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع . وقالوا : لم ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية شئ
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) المائدة : 3 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 145

من الفرائض ، ولا تحليل شئ ولا تحريمه ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة ( 1 ) . انتهى

الرأي الأول . الظاهر في هذا الرأي أن أصحابه قد تبنوا أمرين :

الأمر الأول : أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع . وقد أنشأوا هذا اعتمادا على ما جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب ، وقد جاءه يهودي ، فقال له : لو نزلت هذه الآية فينا لجعلناها عيدا . فقال : إني لأعلم أين نزلت ، ومتى نزلت ،

نزلت يوم عرفة ، والنبي يخطب ، وهو يوم عيد . والرواية الأخرى عن معاوية بن أبي سفيان ، وقد كان يخطب على منبره
 ، فنزع بهذا الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وقال : إنها نزلت يوم عرفة ، في حجة الوداع ، والنبي يخطب .

وقد ذكر ابن كثير ، وآخرون روايات أخرى نسبت إلى علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وسمرة بن جندب . ولكن لا يصح الاحتجاج بشئ من هذه الروايات ، لضعف إسنادها : فأما رواية سمرة ، فقد ردها ابن أبي بكر الهيثمي ( 2 ) ،

فقال : فيها عمر بن موسى بن وجيه ، وهو ضعيف . وأما المنسوبة إلى عبد الله بن عباس ففيها عمار مولى بني هاشم ، وقد تكلم فيه البخاري ، فبعد أن ذكر له حديثا عن ابن عباس ، قال : لا يتابع عليه . وقال فيه ابن حبان : كان يخطئ .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير الطبري 6 : 51 .
( 2 )
مجمع الزوائد 7 : 13 - 14 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 146

وكان شعبة يتكلم فيه ( 1 ) .

وأما المنسوبة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ففيها أحمد بن كامل وقد لينه الدار قطني ، وقال : كان متساهلا . وقال حمزة ، عن الدار قطني : كان متساهلا ، ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه ، وقد أهلكه العجب ( 2 ) .

وأما الروايتان : الأولى والثانية ، فلم أكلف نفسي عناء البحث والتحقيق فيهما ، فلست أستبعد صدورهما منهما . فلماذا لا يكون معاوية هو الأعلم بنزول هذه الآية خاصة ، دون سواها ! ونظرة واحدة إلى قصة الخلافة تكفينا تماما جهد التحقيق في رواية كهذه .

هذا وقد رد الطبري نفسه كل ما تقدم من روايات بإثباته طرقا أخرى تخالفها ، فقال : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه عن ربيع بن أنس ، قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في

المسيرة في حجة الوداع ، وهو راكب راحلته ، فبركت به راحلته من ثقلها . وروى مثله - أنها نزلت في المسيرة من حجة الوداع - الهيثمي ( 3 ) عن عبد الله بن عمر ، وعن أسماء بنت يزيد ( 4 ) . ورواه السيوطي عن أسماء بنت عميس ( 5 ) أيضا ( 6 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تهذيب التهذيب 7 : 404 / 656 .
( 2 )
لسان الميزان 1 : 249 .
( 3 )
في مجمع الزوائد 7 : 13 .
( 4 )
هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أم سلمة ، ويقال أم عامر ، بايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
وشهدت اليرموك ، وتسمى : خطيبة الأنصار . تهذيب التهذيب 12 : 399 / 2727 .
( 5 )
أسماء بنت عميس الخثعمية ، أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب ،
وقد كان عمر يرجع إليها في تعبير الرؤيا . المصدر والصفحة .
( 6 )
الدر المنثور 3 : 19 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 147

وهذا كله يخالف الروايات المتقدمة عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ، تماما . وسيأتي في المسند الصحيح ما ينقضه أيضا .


والأمر الثاني : - المستفاد من تلك الروايات التي اعتمدها أصحاب الرأي الأول ، مفاده : أنه لم ينزل بعد هذه الآية شئ من الفرائض ، ولا تحليل شئ ، ولا تحريمه . وممن أخذ به : الرازي ، إذ قال جازما : لم ينزل بعدها شئ من الأحكام ألبتة ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ( 1 ) . . . وقد رد هذا القول غير واحد من أهل التفسير ، لما ثبت من نزول آيات في الأحكام بعد نزول هذه الآية .


فقال الطبري : عن البراء بن عازب ، أن آخر آية نزلت من القرآن : ( ويستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) ( 2 ) .

وقال أبو حيان الأندلسي ( 3 ) : قال الجمهور - كمال الدين - هو إظهاره ، واستيعاب معظم فرائضه وتحليله ، وتحريمه ، قالوا : وقد نزل بعد هذه الآية قرآن كثير ، كآيات الربا ، وآيات الكلالة ، وغير ذلك . فإن قلت : لماذا نعتمد هذه الروايات ،

ولا نأخذ بقول من قال بعدم نزول شئ من الأحكام والفرائض بعد هذه الآية ؟ أجابك الطبري ، فقال : ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير الرازي م 6 . ج 11 : 139 .
( 2 )
النساء : 176 .
( 3 )
في تفسير : البحر المحيط 3 : 426 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 148

إلى أن قبض ، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان قوله : ( ويستفتونك قل الله يفتيكم ) آخرها نزولا ، وكان ذلك من الأحكام والفرائض ، كان معلوما أن معنى قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) على خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله . أعني كمال العبادات ، والأحكام ، والفرائض .


فإن قيل : فما جعل قول من قال : قد نزل بعد ذلك فرض ، أولى من قول من قال : لم ينزل ؟ قلنا : لأن الذي قال : لم ينزل مخبر أنه لا يعلم نزول فرض ، والنفي لا يكون شهادة ، والشهادة قول من قال نزل . وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقا . انتهى .


وهكذا تم نقض الرأي الأول ، الذي أعرض عنه الكثير من أرباب التفسير ، واتخذوا لأنفسهم مذاهب أخرى . قال الطبري : وقال آخرون : معنى ذلك : اليوم أكملت لكم دينكم : حجكم ، فأفردتكم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين ، لا يخالطكم في حجكم مشرك . وهكذا قبل هؤلاء أن يفسروا الدين بالحج ، ولم يقبلوا بالرأي الأول .


ويبقى الرأي الأخير ، الذي تعاضدت فيه الروايات الصحيحة الأسانيد ، التي تصرح بنزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد المسير من حجة الوداع ، وفي أثناء خطبة الغدير . وقد ثبت هذا من عدة طرق ، رجالها ثقات ، عن

عدد كبير من الصحابة ، منهم : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود ، وأبو هريرة .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 149

وفيها : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم دعا الناس إلى غدير خم ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس إلى علي بن أبي طالب ، فأخذ بضبعه ، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه .

ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( 1 ) . ولا يفوتنا أن نذكر ما أورده بعضهم على بعض هذه الروايات ، ومجموع ذلك أمران :

 الأول : حول إحدى الروايات عن أبي سعيد الخدري ، فقالوا : فيها أبو هارون العبدي ، وباقي رجالها ثقات . والثاني : في إحدى الروايتين عن أبي هريرة ، قالوا : فيها حبشون الخلال ، وهو ضعيف . وجواب ذلك :

 1 - إن أبا هارون العبدي ، التابعي الذي حدث عن أبي سعيد الخدري وابن عمر ، لم يكن فيه من العيب لديهم سوى أنه حدث في فضائل علي عليه السلام ، فوصفه بعضهم بالتشيع ، ولهذا رد أحاديثه ( 2 ) .

 2 - إن حبشون ذكره سبط ابن الجوزي ، فقال : حدث عنه الأزهري
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر ترجمة الإمام علي لابن عساكر 2 : 75 / 577 - 580 ، تاريخ بغداد 8 : 290 ،
تاريخ اليعقوبي
2 : 43 ، شواهد التنزيل - الحديث 210 - 215 ، المناقب لابن المغازلي : 19 ،
وابن الجوزي : 29 ، والخوارزمي : 80 ، والنور المشتعل : 56 ، وفرائد السمطين 1 : 315 ،
مقتل الإمام الحسين
للخوارزمي : 47 ، ينابيع المودة : 115 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 19 ،
والإتقان 1 : 75 في باب معرفة الحضري والسفري ، أما حكمه في التصحيح والتضعيف فقد تقدم تحقيقنا فيه .

( 2 ) أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب 7 : 412 / 670 ، فقد قال بعد أن استعرض أقوالهم المتشددة فيه ،
قال : وكان فيه تشيع ، وأهل البصرة يفرطون فيمن تشيع بين أظهرهم لأنهم عثمانيون . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 150

ولم يضعفه ( 1 ) .

وقد مر أن الذهبي ذكره ، فقال صدوق ( 2 ) - كما وثقه الخطيب عند ترجمته له في تاريخ بغداد ، ولم يذكر خلافا فيه .

 3 - لو صدق قولهم فيه ، فإن الرواية عن أبي هريرة قد وردت من طريق آخر ، رجاله موثقون وليس فيهم حبشون ( 3 ) .

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تذكرة الخواص : 30 .
( 2 )
راجع ص : 96 .
( 3 )
كما في الحديث ( 210 ) من كتاب شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب