|
أصحاب الحق يتكلمون |
|
|
أصحاب الحق يتكلمون . . . مقاطع من نهج البلاغة . . . نهج البلاغة : هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي ( 1 ) رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، جمع متفرقه ، وسماه بهذا الاسم . وهو كتاب لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه ، ولم يدع
للفكر ممرا إلا جابه . فقد تعرض للمدح ، وللعذل الأدبي ، وللترغيب في الفضائل ،
وللتنفير من الرذائل ، وللمحاورات السياسية ، والمخاصمات الجدلية ، ولبيان
حقوق الراعي على الرعية ، وحقوق الرعية على الراعي . . وأتى على الكلام في أصول المدنية ، وقواعد العدالة ، وفي النصائح الشخصية ، والمواعظ العمومية . . . وعلى الجملة ، فلا يطلب طالب طلبة إلا ويرى فيه أفضلها ، ولا تخالج فكرة رغبة إلا وجد فيه أكملها ( 1 ) .
المخلوقات خاصة ، ثم أشار إلى بطلان هذا بما توصل إليه بعد التحقيق ، فقال ، وقد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات حملت روعتها ودقة تصويرها بعض النقاد على الارتياب في عزوها إلى أمير المؤمنين كما في تصويره البارع للنملة ، والجرادة ، ولا سيما
الطاوس ، ولا بد من تحقيق هذا الأمر في غير هذه المقدمة العجلي ، وهو ما نسأل
الله التوفيق لبيانه في كتاب مستقل ، اكتملت بين أيدينا معالمه ، وسنصدره قريبا
بعون الله ( 3 ) .
وفي مروج الذهب ، قال المسعودي : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانين خطبة يوردها على البديهة ، وتداول الناس ذلك قولا وعملا ( 1 ) .
أعمت العصبية أعينهم ، فضلوا عن النهج الواضح وركبوا بنيات الطريق ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام ، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط ، فأقول : لا يخلو إما أن يكون كل ( نهج البلاغة ) مصنوعا منحولا ، أو بعضه. والأول باطل بالضرورة ، لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم ، والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك .
، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما
لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ، ويميز
بين الطريقتين . ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفحنا ديوان أبي
تمام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق
مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا : لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ، ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة ؟
مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض ( نهج البلاغة ) منحولا وبعضه صحيحا ، لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام ( 1 ) . هذا ، وقد أصدر الشيخ عبد الزهراء الخطيب كتابا مفصلا في تحقيق نصوص نهج البلاغة ، وإحصاء مصادرها ، في أربعة مجلدات - وأسماه : " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " وقد استوفى فيه الكثير مما يتعطش له الباحثون . بعد هذه المقدمة التوثيقية حول ( نهج البلاغة ) وإثبات نسبته إلى الإمام علي عليه السلام فلتكن لنا جولة في ربوعه ، لنقتطف منها ما ذكره الإمام عليه السلام حول حقه في الإمامة . وقد انتخبنا عشر فقرات من كلامه عليه السلام في هذا الكتاب ، ووضعناها في قسمين : القسم الأول :
في معرفة الإمام والخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
. ومن ذلك :
1 - قوله - وهو يصف عترة النبي - مخاطبا الناس ( 1 ) : " فأين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ( 2 ) ! والأعلام ( 3 ) قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم ! وكيف تعمهون ( 4 ) وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهم أزمة الحق ، وأعلام الدين ، وألسنة الصدق ! فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . وردوهم ورود الهيم العطاش ( 5 ) . أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم : إنه يموت من مات منا ، وليس بميت ، ويبلى من بلي منا وليس ببال . فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإن أكثر الحق في ما
تنكرون . . واعذروا من لا حجة لكم عليه ، وهو أنا . . ألم أعمل فيكم بالثقل
الأكبر ، وفي شرح ابن أبي الحديد : الثقل الأكبر هو القرآن . وقوله : "
أترك فيكم الثقل الأصغر " يعني الحسن والحسين عليهما السلام . - فهل سمعت بكلام
أعجب من هذا ، أم بحجة أبلغ ؟
وأمير المؤمنين علي عليه السلام يجمع فيه أشد ألفاظ التعجب والاستنكار والدهشة من قوم أعرضوا عن اتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول : " أين تذهبون " ؟ ! " وأنى تؤفكون ؟ ! والأعلام قائمة . . . والآيات واضحة . . . والمنار منصوبة ! فأين يتاه بكم " ؟ ! وكيف تعمهون ، وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهل بعد هذا يبحث المسلم عن دليل في أن الإمامة فيهم عليهم السلام ؟ !
غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم " ( 1 ) وهكذا يستخلص القول بأفصح بيان ، بعد ذلك الاستنكار اللاذع على من زعم أن له الفضل عليهم ، ثم يوجز الأمر باختصاص الإمامة فيهم عليهم السلام ، فلا هي تصلح لسواهم ، ولا يصلح سواهم لها !
فإن لبدوا فالبدوا ( 1 ) ، وإن نهضوا فانهضوا . ولا تسبقوهم فتضلوا . . . ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا . . . " . وهذا تفسير واضح لحديثي : سفينة النجاة ، ونجوم الأمان المتقدمين ، أو هو كلام مقتبس منهما .
( 3 ) ، ومن تخلف عنها زهق ، ومن لزمها لحق . . . ألا إن مثل آل محمد صلى الله وآله كمثل نجوم السماء ، إذا خوى نجم ( 4 ) طلع نجم " . وهذه أيضا مطابقة تماما لحديثي رسول الله في النجاة والأمان . ومما روي عنه عليه السلام في مثل هذا المعنى قوله في خطبة طويلة ، منها : " فأين يتاه بكم ؟ بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم ؟ ! إنا سنخ أصلاب أصحاب
السفينة ، وكما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو ، ويل رهين لمن تخلف
عنهم . وإني فيكم كالكهف لأهل الكهف ، وإني فيكم باب حطة من دخل منه نجا ، ومن
تخلف عنه هلك ، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع : إني قد
تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي
أبدا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " ( 1 )
.
|
|