أصحاب الحق يتكلمون

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 157

أصحاب الحق يتكلمون . . . مقاطع من نهج البلاغة . . .

نهج البلاغة : هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي ( 1 ) رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، جمع متفرقه ، وسماه بهذا الاسم .

وهو كتاب لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه ، ولم يدع للفكر ممرا إلا جابه . فقد تعرض للمدح ، وللعذل الأدبي ، وللترغيب في الفضائل ، وللتنفير من الرذائل ، وللمحاورات السياسية ، والمخاصمات الجدلية ، ولبيان
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هو الشريف أبو الحسن محمد بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق
بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر صاحب

الديلم بن علي بن الحسن ابن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكانت ولادته سنة 359 ه‍ واشتغل بالعلم ففاق في الفقه والفرائض ، وبذ أهل زمانه في العلم والأدب . له نظم في الذروة حتى قيل : هو أشعر الطالبيين ، تولى نقابة نقباء الطالبيين

بعد أبيه سنة 388 ه‍ وضم إليه النظر في المظالم والحج بالناس ، وله كتاب ( معاني القرآن ) ممتع يدل على سعة علمه ، توفي سنة 406 .
أنظر : تاريخ بغداد 2 : 246 ، وسير أعلام النبلاء 17 : 285 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 158

حقوق الراعي على الرعية ، وحقوق الرعية على الراعي . . وأتى على الكلام في أصول المدنية ، وقواعد العدالة ، وفي النصائح الشخصية ، والمواعظ العمومية . . . وعلى الجملة ، فلا يطلب طالب طلبة إلا ويرى فيه أفضلها ، ولا تخالج فكرة رغبة إلا وجد فيه أكملها ( 1 ) .


وقد تناوله أكثر من خمسين عالما من مشاهير عصورهم ( 2 ) ، تحقيقا وتفسيرا ، فما ازدادوا به إلا إعجابا وإجلالا ، ولا أخفوا تصاغرهم عنده ، لما يجدون من عجيب الكلام ، وبديع النسق والانتظام ، ولا ارتاب أحدهم في نسبة شئ منه إلى أمير المؤمنين عليه السلام .


ولو كان ، لأشار إليه بعضهم ، وخاصة ممن لا ينسب إلى الإعتقاد بتفضيل الإمام علي عليه السلام على سائر الصحابة ، وهم كثير . نعم ، أشار الدكتور صبحي الصالح إلى ارتياب بعض النقاد عند النصوص التي وردت في وصف بعض

المخلوقات خاصة ، ثم أشار إلى بطلان هذا بما توصل إليه بعد التحقيق ، فقال ، وقد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات حملت روعتها ودقة تصويرها بعض النقاد على الارتياب في عزوها إلى أمير المؤمنين كما في تصويره

البارع للنملة ، والجرادة ، ولا سيما الطاوس ، ولا بد من تحقيق هذا الأمر في غير هذه المقدمة العجلي ، وهو ما نسأل الله التوفيق لبيانه في كتاب مستقل ، اكتملت بين أيدينا معالمه ، وسنصدره قريبا بعون الله ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكلام في التعريف إلى هنا من مقدمة الشيخ محمد عبدة في شرحه لنهج البلاغة .
( 2 )
نهج البلاغة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم : 8 عن كتاب ما هو نهج البلاغة : 8 - 10 ، وعنه أيضا الدكتور صبحي الصالح في كتابه شرح نهج البلاغة : 18 .
( 3 )
في كتابه : شرح نهج البلاغة : 12 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 159

وفي مروج الذهب ، قال المسعودي : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانين خطبة يوردها على البديهة ، وتداول الناس ذلك قولا وعملا ( 1 ) .


أما ابن أبي الحديد فقد ناقش هذه الدعوى نقاشا مفصلا ، فقال : إن كثيرا من أرباب الهوى يقولون : إن كثيرا من ( نهج البلاغة ) كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره ، وهؤلاء قوم

أعمت العصبية أعينهم ، فضلوا عن النهج الواضح وركبوا بنيات الطريق ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام ، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط ، فأقول : لا يخلو إما أن يكون كل ( نهج البلاغة ) مصنوعا منحولا ، أو بعضه.

والأول باطل بالضرورة ، لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم ، والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك .


والثاني يدل على ما قلناه - أي ما نسبهم إليه من ضلال وقلة معرفة بأساليب الكلام - لأن من قد أنس بالكلام والخطابة ،
وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب ، لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح

، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ، ويميز بين الطريقتين . ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفحنا ديوان أبي تمام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مروج الذهب 2 : 419 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 160

مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا : لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ، ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة ؟


وأنت إذا تأملت ( نهج البلاغة ) وجدته كله ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز ، أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه ، وكل آية

مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض ( نهج البلاغة ) منحولا وبعضه صحيحا ، لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام ( 1 ) .

هذا ، وقد أصدر الشيخ عبد الزهراء الخطيب كتابا مفصلا في تحقيق نصوص نهج البلاغة ، وإحصاء مصادرها ، في أربعة مجلدات - وأسماه : " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " وقد استوفى فيه الكثير مما يتعطش له الباحثون .

بعد هذه المقدمة التوثيقية حول ( نهج البلاغة ) وإثبات نسبته إلى الإمام علي عليه السلام فلتكن لنا جولة في ربوعه ، لنقتطف منها ما ذكره الإمام عليه السلام حول حقه في الإمامة . وقد انتخبنا عشر فقرات من كلامه عليه السلام في هذا الكتاب ، ووضعناها في قسمين :

القسم الأول : في معرفة الإمام والخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ومن ذلك :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة 10 : 127 - 129 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 161

 1 - قوله - وهو يصف عترة النبي - مخاطبا الناس ( 1 ) : " فأين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ( 2 ) ! والأعلام ( 3 ) قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم ! وكيف تعمهون ( 4 ) وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهم أزمة الحق ، وأعلام

الدين ، وألسنة الصدق ! فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . وردوهم ورود الهيم العطاش ( 5 ) . أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم : إنه يموت من مات منا ، وليس بميت ، ويبلى من بلي منا وليس ببال . فلا تقولوا بما لا

تعرفون ، فإن أكثر الحق في ما تنكرون . . واعذروا من لا حجة لكم عليه ، وهو أنا . . ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ،
وأترك فيكم الثقل الأصغر ( 6 ) ؟ ! "

وفي شرح ابن أبي الحديد : الثقل الأكبر هو القرآن . وقوله : " أترك فيكم الثقل الأصغر " يعني الحسن والحسين عليهما السلام . - فهل سمعت بكلام أعجب من هذا ، أم بحجة أبلغ ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في كتاب الدكتور صبحي الصالح : الخطبة 87 ص 119 تحت عنوان " عترة النبي " .
( 2 )
تؤفكون : تقلبون وتصرفون .
( 3 )
الأعلام : الدلائل على الحق من معجزات ونحوها .
( 4 )
تعمهون : تتحيرون .
( 5 )
ردوهم ورود الهيم العطاش : أي هلموا إلى بحار علومهم مسرعين كما تسرع الإبل العطشى إلى الماء .
( 6 )
الثقل ( هنا ) : بمعنى النفيس من كل شئ ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " تركت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي " أي النفيسين . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 162

وأمير المؤمنين علي عليه السلام يجمع فيه أشد ألفاظ التعجب والاستنكار والدهشة من قوم أعرضوا عن اتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول : " أين تذهبون " ؟ ! " وأنى تؤفكون ؟ ! والأعلام قائمة . . . والآيات واضحة . . .

والمنار منصوبة ! فأين يتاه بكم " ؟ ! وكيف تعمهون ، وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهل بعد هذا يبحث المسلم عن دليل في أن الإمامة فيهم عليهم السلام ؟ !


 2 - احتجاجه عليه السلام ، وهو يقول : " أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذبا وبغيا علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ؟ ! بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى . . . إن الأئمة من قريش ،

غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم " ( 1 ) وهكذا يستخلص القول بأفصح بيان ، بعد ذلك الاستنكار اللاذع على من زعم أن له الفضل عليهم ، ثم يوجز الأمر باختصاص الإمامة فيهم عليهم السلام ، فلا هي تصلح لسواهم ، ولا يصلح سواهم لها !


 3 - كلامه عليه السلام في الناس شارحا سبيل النجاة ( 2 ) : " انظروا أهل بيت نبيكم ، فالزموا سمتهم ( 3 ) ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر : ص 201 بعنوان " فضل أهل البيت " . القسم الثاني من الخطبة رقم : 144 .
( 2 )
ص 143 بعنوان " أصحاب رسول الله " نقلنا أولها هنا ، وآخرها في وصف الصحابة سيأتي في محله .
( 3 )
سمتهم : طريقهم أو حالهم أو قصدهم . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 163

فإن لبدوا فالبدوا ( 1 ) ، وإن نهضوا فانهضوا . ولا تسبقوهم فتضلوا . . . ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا . . . " . وهذا تفسير واضح لحديثي : سفينة النجاة ، ونجوم الأمان المتقدمين ، أو هو كلام مقتبس منهما .


 4 - ومن خطبة له عليه السلام في رسول الله وأهل بيته ( 2 ) : وفيها : " ونشهد أن لا إله غيره ، وأن محمدا عبده
ورسوله ، أرسله بأمره صادعا ، وبذكره ناطقا ، فأدى أمينا ، ومضى رشيدا . . وخلف فينا راية الحق . . من تقدمها مرق

( 3 ) ، ومن تخلف عنها زهق ، ومن لزمها لحق . . . ألا إن مثل آل محمد صلى الله وآله كمثل نجوم السماء ، إذا خوى نجم ( 4 ) طلع نجم " .

وهذه أيضا مطابقة تماما لحديثي رسول الله في النجاة والأمان .

ومما روي عنه عليه السلام في مثل هذا المعنى قوله في خطبة طويلة ، منها : " فأين يتاه بكم ؟

بل أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم ؟ ! إنا سنخ أصلاب أصحاب السفينة ، وكما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو ، ويل رهين لمن تخلف عنهم . وإني فيكم كالكهف لأهل الكهف ، وإني فيكم باب حطة من دخل منه نجا ، ومن تخلف عنه هلك ، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع : إني قد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) لبد : أقام ، أي إن أقاموا فأقيموا .
( 2 )
المصدر : بهذا العنوان ص : 145 ، الخطبة رقم : 100 .
( 3 )
مرق : خرج عن الدين .
( 4 )
خوى نجم : أي غاب . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 164

تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " ( 1 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 211 - 212 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب