|
|
|
|
القسم الثاني : في التصريح بحقه في خلافة رسول الله ، ودفعهم إياه عن هذا الحق ، ومطالبته به . ومن ذلك : 1 - من خطبة له بعد انصرافه من صفين ، فيها : " لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة أحد . ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا . وهم أساس الدين ، وعماد اليقين . . إليهم يفئ الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة . . . الآن إذ رجع الحق إلى أهله ، ونقل إلى منتقله " ( 2 ) . وهو كلام أوضح مما يحتاج معه إلى تفسير ، ولا يمكن أن يقوم معه تأويل من تلك التأويلات التي سلكها بعض من ذكرنا . وفيما سيأتي من كلامه عليه السلام صراحة أكثر ، ووضع لكل شئ في محله ، في بيان يعضد بعضه بعضا ، فلا يدع أدنى منفذ لشك أو جدال .
3 - ومرة أخرى ( 1 ) ، في جوابه لبعض أصحابه ، وقد سأله قائلا : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام ، وأنتم أحق به ؟ فقال عليه السلام : " يا أخا بني أسد ، إنك لقلق الوضين ( 2 ) ، ترسل في غير سدد ، ولك بعد ذمامة الصهر ، وحق المسألة ، وقد استعلمت ، فاعلم : أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا ، والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نوطا ( 3 ) ، فإنها كانت أثرة ( 4 ) شحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين . والحكم الله ، والمعود إليه القيامة . ودع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديثا ما حديث الرواحل وهلم الخطب في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه . . "
تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه . فلما قرعته بالحجة
في الملأ الحاضرين ، هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به " ! ثم يقول عليه السلام
مواصلا كلامه :
" اللهم إني أستعديك على قريش ، ومن أعانهم ، فإنهم قطعوا رحمي ، وصغروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ، ثم قالوا : ألا أن في الحق أن تأخذه ، وفي الحق أن تتركه " ( 1 ) . أيصح بعد هذا - يا أخي - أن نمضي وراء تأويل المتأولين ، وندع كلام أمير المؤمنين ، وإمام المتقين ؟ !
6 - وبعد ، فإن كل ما تقدم يبسطه الإمام عليه السلام في واحدة من نفائس خطبه ، وهي الخطبة المسماة ب " الشقشقية " وتشمل على الشكوى من أمر الخلافة ، ثم ترجيح صبره عنها ، ثم مبايعة الناس له ( 1 ) ، قال فيها : " أما والله لقد تقمصها
( 2 ) فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب
من الرحا ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوبا ، وطويت
عنها كشحا . وطفقت أرتئي بين : أن أصول بيد جذاء ( 3 ) ، أو أصبر على طخية
ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ! فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى . فصبرت ، وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي ( 1 ) نهبا . حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده " . ثم تمثل - عليه السلام - بقول الأعشى : شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر " فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها ( 2 ) في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشد ما تشطرا ضرعيها ( 3 ) . فصيرها في حوزة خشناء ، يغلظ كلمها ( 4 ) ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار ( 5 ) فيها ، والاعتذار منها . فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ( 6 ) ، وإن أسلس لها تقحم ( 7 ) ، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس ( 8 ) وتلون واعتراض ( 9 ) . فصبرت ، على طول المدة ، وشدة المحنة . حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم !
فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! لكني أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا . فصغا رجل منهم لضغنه ( 2 ) ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ( 3 ) . إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ( 4 ) بين نثيله ( 5 ) ومعتلفه ( 6 ) . وقام معه بنو أبيه ، يخضمون ( 7 ) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته . فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من كل جانب . . فلما نهضت بالأمر ، نكثت طائفة . . ومرقت أخرى . .
وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول : ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها . . .
" . إلى آخر خطبته حتى قام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا ، فقال
له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك
من حيث أفضيت . فقال - عليه السلام - : " هيهات - يا بن عباس - المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد . فقل للمتأولين : هيهات ألا تخضعوا ، وتقروا بكونه عليه السلام موقنا بحقه في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مجتهدا في بيان ذلك في شتى المناسبات ، وإنما كان سكوته - حينا - على مضض : " فصبرت ، وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا " ! وذلك بعد أن لم يجد سبيلا لانتزاع حقه : " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء " ! وقد قال عليه السلام في مناسبة أخرى ، يصف حاله قبل أن يبايع لأحد ( 1 ) : " فنظرت ، فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ،
وأغضيت على القذى ، وشربت على الشجا ، وصبرت على أخذ الكظم
( 2 ) ، وعلى أمر من طعم العلقم " . - فهل يمكن
أن يؤتى ببيان أوضح من هذا ؟ أم مع بيان كهذا يذهب المرء هنا وهناك بحثا عن
تأويل يلوذ وراءه ؟ !
كلا ، لا مناص من الاعتراف ، بل والاعتقاد بحقه الذي صرح فيه عليه السلام غير مرة . وكذا فلا مفر - من جهة أخرى -من حصر خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به وحده ، لا غير . وإنما " تقمصها فلان " ! " ثم عقد بها لآخر بعد وفاته ، ولشد ما تشطرا ضرعيها " ! " ثم قام ثالث القوم نافجا حضنيه " . فما لي بعد هذا لا أذعن للحقيقة ! وأي شئ أكون به أشد فخرا من اتباع الحق بعد معرفته ؟ وهل الدين غير هذا ؟ أم أمرنا نحن بغيره ؟ " رب اشرح لي صدري " .
|
|