- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 164

القسم الثاني : في التصريح بحقه في خلافة رسول الله ، ودفعهم إياه عن هذا الحق ، ومطالبته به . ومن ذلك :

 1 - من خطبة له بعد انصرافه من صفين ، فيها : " لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة أحد . ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا . وهم أساس الدين ، وعماد اليقين . . إليهم يفئ الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم

خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة . . . الآن إذ رجع الحق إلى أهله ، ونقل إلى منتقله " ( 2 ) . وهو كلام أوضح مما يحتاج معه إلى تفسير ، ولا يمكن أن يقوم معه تأويل من تلك التأويلات التي سلكها بعض من ذكرنا .

وفيما سيأتي من كلامه عليه السلام صراحة أكثر ، ووضع لكل شئ في محله ، في بيان يعضد بعضه بعضا ، فلا يدع أدنى منفذ لشك أو جدال .


 2 - قوله عليه السلام لبعض من أشار عليه ألا يتبع طلحة والزبير ، في كلام آخر : " فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي ، مستأثرا علي ، منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى يوم الناس هذا ! " ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) شرح صبحي الصالح : 47 ، القسم الأخير من الخطبة رقم : 2 .
( 3 )
المصدر : 53 - الخطبة 6 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 165

 3 - ومرة أخرى ( 1 ) ، في جوابه لبعض أصحابه ، وقد سأله قائلا : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام ، وأنتم أحق به ؟

فقال عليه السلام : " يا أخا بني أسد ، إنك لقلق الوضين ( 2 ) ، ترسل في غير سدد ، ولك بعد ذمامة الصهر ، وحق المسألة ، وقد استعلمت ، فاعلم : أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا ، والأشدون برسول الله صلى الله عليه

وآله وسلم نوطا ( 3 ) ، فإنها كانت أثرة ( 4 ) شحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين . والحكم الله ، والمعود إليه القيامة . ودع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديثا ما حديث الرواحل وهلم الخطب في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه . . "


 4 - وفي مناظرة له مع بعض الصحابة ، يسجل عليه السلام خلاصتها ، بقوله : " وقد قال قائل : إنك على هذا الأمر - يا بن أبي طالب - لحريص ! فقلت : بل أنتم - والله - لأحرص ، وأبعد ، وأنا أخص وأقرب . وإنما طلبت حقا لي ، وأنتم

تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه . فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين ، هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به " ! ثم يقول عليه السلام مواصلا كلامه :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر : 231 الخطبة رقم 162 .
( 2 )
الوضين : حزام عريض يشد به الرحل على البعير ، فإذا قلق اضطرب الرحل فقل ثبات الجمل في سيره .
( 3 )
النوط : التعلق والالتصاق .
( 4 )
الأثرة : ضد الايثار ، وهي احتكار الشئ دون مستحقه . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 166

" اللهم إني أستعديك على قريش ، ومن أعانهم ، فإنهم قطعوا رحمي ، وصغروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ، ثم قالوا : ألا أن في الحق أن تأخذه ، وفي الحق أن تتركه " ( 1 ) .

أيصح بعد هذا - يا أخي - أن نمضي وراء تأويل المتأولين ، وندع كلام أمير المؤمنين ، وإمام المتقين ؟ !


 5 - وفي أمر الخلافة أيضا ، يقول عليه السلام : " واعجباه ، أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة ؟ " . وروي له شعر في هذا المعنى : فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب ؟ ! وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب ( 2 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر : 246 - الخطبة - 172 .
( 2 )
المصدر : 502 قسم الحكم ، الرقم - 190 - . هكذا أورد هذا النص هنا ، ووافقه محمد عبدة في شرحه 3 : 195 برقم 190 ،
وابن ميثم البحراني في الشرح الكبير ج 5 : 341 برقم 176 ، وجاء عند غيرهم هكذا : " واعجباه ، أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة ! " كما في نهج البلاغة بشرح القطب الراوندي 3 : 331 ، وبشرح ابن أبي الحديد 18 : 416 / 185 ، وبتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 2 : 349 / 185 ،
ومصادر نهج البلاغة 4 : 125 / 190 ، والشرح الوسيط لابن ميثم - إختيار مصباح السالكين - : 623 / 176 ،
وفي خصائص الأئمة للشريف الرضي : 111 ، وغرر الحكم للآمدي 2 : 306 / 64 والنسخة الخطية المكتوبة سنة 494 الوجه 278 وهي غير النسخ التي اعتمدها أبو الفضل إبراهيم . = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 167

 6 - وبعد ، فإن كل ما تقدم يبسطه الإمام عليه السلام في واحدة من نفائس خطبه ، وهي الخطبة المسماة ب‍ " الشقشقية " وتشمل على الشكوى من أمر الخلافة ، ثم ترجيح صبره عنها ، ثم مبايعة الناس له ( 1 ) ، قال فيها :

" أما والله لقد تقمصها ( 2 ) فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا . وطفقت أرتئي بين : أن أصول بيد جذاء ( 3 ) ، أو أصبر على طخية
( 4 )
عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ،
 

 

* ( هامش ) *
 = وحديثه عليه السلام هذا في النثر والنظم موجه إلى أبي بكر وعمر ، فعلى الوجه الأخير ، قال ابن أبي الحديد : أما النثر فإلى عمر
توجيهه ، لأن أبا بكر لما قال لعمر - في السقيفة - أمدد يدك ، قال له عمر : أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها ، فهلا سلمت الأمر

إلى من قد شركه في ذلك ، وزاد عليه بالقرابة ! وأما النظم فموجه إلى أبي بكر لأنه حاج الأنصار في السقيفة فقال : نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد . فقال عليه السلام : أما احتجاجك على

الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغيرك أقرب إليه منك ، وأما احتجاجك برضا الجماعة بك ، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت ! وأما على الوجه الأول ، فهو عليه السلام يستنكر أن تكون الصحابة والقرابة شرطا

كافيا للخلافة ، بل لا بد من مرجح حقيقي ، كالنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأهلية لهذا الأمر . وأما النظم فسوف يكون فيه هنا مزيدا من الاستنكار ، فهو مع استنكاره الاحتجاج بالصحابة والقرابة في هذا الأمر ، يقول إنهما لم يتما لأبي بكر بل إنها جميعا عنده عليه

السلام أتم وأكمل . وأيا كان النص الصادر عنه عليه السلام فهو نص صريح على حقه في الخلافة ، وأنه عليه السلام أولى بها من غيره .

( 1 ) هكذا وصفها في المصدر : 48 الخطبة رقم - 3 - .
( 2 )
تقمصها : لبسها كالقميص .
( 3 )
الجذاء : المقطوعة .
( 4 )
طخية : ظلمة . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 168

ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ! فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى . فصبرت ، وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي ( 1 ) نهبا . حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده " . ثم تمثل - عليه السلام - بقول الأعشى : شتان ما

يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر " فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها ( 2 ) في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشد ما تشطرا ضرعيها ( 3 ) . فصيرها في حوزة خشناء ، يغلظ كلمها ( 4 ) ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار ( 5 ) فيها ،

والاعتذار منها . فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ( 6 ) ، وإن أسلس لها تقحم ( 7 ) ، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس ( 8 ) وتلون واعتراض ( 9 ) . فصبرت ، على طول المدة ، وشدة المحنة . حتى إذا مضى لسبيله ،

جعلها في جماعة زعم أني أحدهم !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) التراث : الميراث .
( 2 )
يستقيلها : يطلب إعفاءه منها - وهو إشارة إلى قول أبي بكر : أقيلوني أقيلوني . .
( 3 )
تشطرا ضرعيها : اقتسماه ، فأخذ كل منهما شطرا .
( 4 )
كلمها : جرحها ، كأنه يقول : خشونتها تجرح جرحا غليظا .
( 5 )
العثار : السقوط والكبوة .
( 6 )
أشنق البعير : كفه بزمامه ، وخرم : قطع .
( 7 )
أسلس : أرخى ، وتقحم : رمى بنفسه في القحمة أي الهلكة .
( 8 )
خبط : سير على غير هدى ، والشماس : إباء الفرس عن الركوب .
( 9 )
الاعتراض : السير على غير خط مستقيم ، كأنه يسير عرضا في حال سيره طولا . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 169

فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! لكني أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا . فصغا رجل منهم لضغنه ( 2 ) ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ( 3 ) . إلى أن قام ثالث القوم

نافجا حضنيه ( 4 ) بين نثيله ( 5 ) ومعتلفه ( 6 ) . وقام معه بنو أبيه ، يخضمون ( 7 ) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته . فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من

كل جانب . . فلما نهضت بالأمر ، نكثت طائفة . . ومرقت أخرى . . وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول :
(
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) ( 8 ) ! بلى والله ، لقد سمعوها

ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها . . . " . إلى آخر خطبته حتى قام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا ، فقال
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أسف الطائر : دنا من الأرض .
( 2 )
صغا : مال والضغن : الضغينة والحقد .
( 3 )
مع هن وهن : أي أغراض أخرى أكره ذكرها .
( 4 )
نافجا حضنيه : رافعا لهما . والحضن : ما بين الإبط والكشح ، يقال للمتكبر : جاء نافجا حضنيه .
( 5 )
النثيل : الروث وقذر الدواب .
( 6 )
المعتلف : موضع العلف .
( 7 )
الخضم : أكل الشئ الرطب .
( 8 )
القصص : 83 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 170

له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت . فقال - عليه السلام - : " هيهات - يا بن عباس -
تلك شقشقة هدرت ، ثم قرت " . قال ابن عباس : فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير

المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد . فقل للمتأولين : هيهات ألا تخضعوا ، وتقروا بكونه عليه السلام موقنا بحقه في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مجتهدا في بيان ذلك في شتى المناسبات ، وإنما كان سكوته - حينا - على

مضض : " فصبرت ، وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا " ! وذلك بعد أن لم يجد سبيلا لانتزاع حقه : " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء " ! وقد قال عليه السلام في مناسبة أخرى ، يصف حاله قبل أن يبايع لأحد

( 1 ) : " فنظرت ، فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى ، وشربت على الشجا ، وصبرت على أخذ الكظم ( 2 ) ، وعلى أمر من طعم العلقم " . - فهل يمكن أن يؤتى ببيان أوضح من هذا ؟ أم مع بيان كهذا يذهب المرء هنا وهناك بحثا عن تأويل يلوذ وراءه ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر : 68 الفقرة الثانية من الخطبة رقم - 26 - .
( 2 )
الكظم : مخرج النفس ، والمراد أنه صبر على الإختناق . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 171

 كلا ، لا مناص من الاعتراف ، بل والاعتقاد بحقه الذي صرح فيه عليه السلام غير مرة .

وكذا فلا مفر - من جهة أخرى -من حصر خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به وحده ، لا غير .

وإنما " تقمصها فلان " ! " ثم عقد بها لآخر بعد وفاته ، ولشد ما تشطرا ضرعيها " ! " ثم قام ثالث القوم نافجا حضنيه " .

فما لي بعد هذا لا أذعن للحقيقة ! وأي شئ أكون به أشد فخرا من اتباع الحق بعد معرفته ؟ وهل الدين غير هذا ؟ أم أمرنا نحن بغيره ؟ " رب اشرح لي صدري " .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب