|
ومع الزهراء عليها السلام |
|
|
ومع الزهراء عليها السلام : فبعد ما سمعت بما حل بسيدة النساء ، من إضرام النار ، واقتحام الدار وإيذاء علي أمام عينيها ، وإفزاع بنيها بين يديها . . . وصرختها وتظلمها : " يا أبت ، يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي قحافة " ! . . وبعد ذاك ، كانت
قضية فدك ، وميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم (
1 ) . . قال اليعقوبي : وأتته فاطمة تطلب ميراثها من أبيها ، فقال لها :
قال رسول الله : إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة .
فقالت : أفي الله أن ترث أباك ، ولا أرث أبي ؟ أما قال رسول الله : " المرء يحفظ في ولده " ( 1 ) ؟ ! ورغم أنها عليها السلام قد أشهدت عليا والعباس ، وأم أيمن على حقها في هذه الأرض ( 2 ) ، إلا أن الأمر قد انتهى عند ذلك الحد ، ولم يتجدد له ذكر إلا بين أهله ، حتى رجعت إليهم في عهد عمر بن عبد العزيز ، ثم في عهد المأمون .
ثم ما زالت
فاطمة عليها السلام غضبى عليهما حتى توفيت ( 4 )
. . وحدث أنهما جاءا يوما يلتمسان رضاها ! فقالت لهما :
" نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة
من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن
أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ " .
قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قالت : " فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه " ( 1 ) .
أم أراد أن يهبها ما لا يناله غيرها من حطام الدنيا وزينتها ؟ أليس هو صلى الله عليه وآله وسلم الذي أبى لها أن تتخذ خادمة في بيتها ، وأوصاها بدلا من ذلك بهذه التسبيحات المعروفة بعد كل صلاة ! ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم قد استنكر عليها عقدا كان نصيبها من سهم الغنائم ، وقال لها : " نحن أهل البيت اختار الله لنا الآخرة " !
الحياد . نعم ، إنه بيان وبرهان يهدينا إلى معرفة مواضع رضا
رسول الله ، ومواضع سخطه ، وفي أمر كهذا ليس هناك موضع للحياد . ثم أرأيت أنه
صلى الله عليه آله وسلم قد قال هذا الحديث ونظائره وهو
لا يدري ماذا سيجري بعده لفاطمة ؟ لقد أخبرها وزوجها عليهما السلام بما سيصيبهما بعده من الأثرة والأذى ، وحتى وفاتهما ( 1 ) . إذن قد قال ذلك وهو صلى الله عليه وآله وسلم يدري بما سيحصل بعده لأهل بيته خاصة وكفى بها موعظة . وبعد فقد هجرته فاطمة عليها السلام فلم تكلمه حتى ماتت ، ودفنها علي عليه السلام ليلا ! ولم يؤذن بها أبا بكر ، وقد مكثت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ( 2 ) .
الشهيرة ، وهذا نص ابن قتيبة فيها ، قال : وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة . فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به .
وإن خالطك الريب في شئ من هذا فأعد النظر في بيانات أمير المؤمنين المتقدمة لترى أنها قد جاءت مصاديق حية لهذه القصة : كقوله عليه السلام : " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء " . وقوله : " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى ، وشربت على الشجا . . " . وغيرهم أيضا دعا . . لم يقتصر النداء بهذا الأمر ، والدعوة
إليه على علي وفاطمة عليهما السلام ، بل ساهم فيه عدد كبير من أصحاب رسول الله
وسادة المهاجرين والأنصار ، وليس أحد ممن اعتصم مع علي عليه السلام فلم يبايع
إلا وله فيه مواقف وكلمات . ولم يتوقف الأمر هاهنا ، ولم ينته كل شئ بمجرد أنهم
بايعوا لأبي بكر . .
بل ما زال عقيدة تبيت في الصدور ، تنتظر يوما تتنفس فيه . . وقد حصل هذا غير مرة ، وأينما وجد أصحابه الفرصة السانحة ، وإن طال العهد ، وتعاقبت السنون ، ومضى رجل بعد رجل ، حتى وجد بعضهم فرصته في أيام خلافة عثمان بن عفان . . ومن ذاك : كلام صادق اللهجة أبي ذر الغفاري . . إذ وقف خطيبا بباب المسجد النبوي الشريف ، فنادى في الجمع ، قائلا : أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري ، أنا جندب بن جنادة الربذي . . ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) . محمد الصفوة من نوح ، فالأول من إبراهيم ، والسلالة من إسماعيل . والعترة الهادية من محمد . . إنه شرف شريفهم ، واستحقوا الفضل في قوم ، هم فينا كالسماء المرفوعة ، وكالكعبة المستورة ،
وكالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية ، أو كالقمر الساري ، أو وعلي بن أبي طالب وصي محمد ، ووارث علمه . . أيتها
الأمة المتحيرة بعد نبيها ! أما لو قدمتم من قدم الله ، وأخرتم من أخر الله ،
وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم ، لأكلتم من فوق رؤوسكم ، ومن تحت
أقدامكم . . ولما عال ( 1 ) ولي الله ، ولا طاش
سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان
في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه . فأما إذا فعلتم ما فعلتم ، فذوقوا وبال أمركم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( 1 ) .
المؤمنين ، وابن عم رسول الله ، أعلم الناس ، وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم عناء في الإسلام ، وأبصرهم بالطريق ، وأهداهم للصراط المستقيم . . ! ! والله لقد زووها عن الهادي المهتدي ، الطاهر النقي ، وما أرادوا صلاحا للأمة ، ولا صوابا في المذهب ! ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا وسحقا للقوم للظالمين ( 2 ) .
وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل . . فكتب إليه معاوية كتابا ، فيه : قد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج حجته ، قبضه الله إليه ، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه ، على ذلك اتفقا واتسقا . ثم دعواه إلى أنفسهم ، فأبطأ عنهما ، وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ! فبايعهما ، وسلم لهما ، لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ( 1 ) .
وهكذا ، فكلما تهيأت الأسباب ، وسنحت الفرصة ظهر من هذا الحق شئ ، حتى بلغتنا
أشياء يطول جمعها .
|
|