هكذا كانت البداية مع الحسين عليه السلام

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 31

هكذا كانت البداية مع الحسين - مصباح الهدى - كانت البداية . ومع الحسين - سفينة النجاة - كان الشروع . بداية لم أقصدها أنا ، وإنما هي التي قصدتني ، فوفقني الله لحسن استقبالها ، وأخذ بيدي إلى عتباتها . . ذلك كان يوم ملك علي

مسامعي صوت شجي ، ربما كان قد طرقها من قبل كثيرا فأغضت عنه ، ومالت بطرفها ، وأسدلت دونه ستائرها ، وأعصت عليه . حتى دعاني هذه المرة ، وأنا في خلوة ، أو شبهها ، فاهتزت له مشاعري ومنحته كل إحساسي وعواطفي ، من حيث

أدري ولا أدري . . فجذبني إليه . . تتبادلني أمواجه الهادرة . . وألسنة لهيبه المتطايرة . . حتى ذابت كبريائي بين يديه ، وانصاع له عتوي عليه . . فرحت معه ، أعيش الأحداث ، وأذوب فيها . . أسير مع الراحلين ، وأحط إذا حطوا ،

وأتابع الخطى حتى النهاية . . تلك كانت قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، بصوت الشيخ عبد
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 32

الزهراء الكعبي يرحمه الله ، في العاشر من محرم الحرام من سنة 1402 للهجرة . فأصغيت عنده أيما إصغاء لنداءات الإمام الحسين . . وترتعد جوارحي ، مع الدمعة والعبرة ، وشئ في دمي كأنه الثورة . . وهتاف في جوارحي . . لبيك ، يا سيدي

يا بن رسول الله . . وتنطلق في ذهني أسئلة لا تكاد تنتهي ، وكأنه نور كان محجوبا ، فانبعث يشق الفضاء الرحيب دفعة واحدة . . إنطلاقة يؤمها الحسين ، بقية المصطفى ، رأس الأمة ، وعلم الدين ؟ إنطلاقة الإسلام كله تنبعث من جديد ،

ورسول الله يقودها من جديد ، بشخص ريحانته ، وسبطه الحسين ؟ وهذه نداءات الإسلام يبثها أينما حل ، والجميع يعرفها ! ولا يعرف للإسلام معنى في سواها ؟ ومصارع أبناء الرسول ؟ ! ! وتيار الانحراف يجرف الحدود ، ويقتحم السدود ؟ !

وأشياء أخرى لا تنتهي . . . وتعود بي الأفكار إلى سنين خلت ، وأنا أدرج على سلم الدرس ، لم أشذ فيها عن معلمي ،
فقلت : ليتني سمعت إذا ذاك ما يروي ضمأي . . ولكن ، ما هو ذنب معلمي ! إنه مثلي ، كان يسمع ما كنت أسمعه ، وليس

إلا . . بل ليتها مناهجنا قد نالت شرف الوفاء لهذا العطاء الفريد . . ليتها مرت على فصول تلك الملاحم ، ولو مرور العابرين ! من غير تعظيم ، أو تمجيد ، أو ثناء . . فليس ثمة حاجة إلى شئ من هذا القبيل ، فقد تألق أولئك الأبطال فوق ذروة المديح والثناء ، فكأنني أنظر إلى منابر التبجيل والإطراء مهطعة تحدق
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 33

نحوهم وهم يحلقون في قبة السماء ! ! ثم أنت يا حلق الوعظ ، ويا خطب الجمع ويا بيوتات الدين ، أين أنت من هذا البحر اللامتناهي ؟ ! لقد صحبتك طويلا ، فليتني وجدتك اتخذت من أولئك الأبطال ، وتلك المشاهد أمثلة تحتذى في معاني اليقين

والجهاد ، أو الإقدام والثبات ، أو التضحية والفداء ، أو النصرة والإباء ، أو الحب والعطاء أو غيرها مما يفيض به ميدان

العطاء غير المتناهي ذاك ، كما عهدتك مع نظائرها ، وما هو أدنى منها بكثير ! وأين أنت أيتها الدنيا ؟ ! وعلى أي فلك
تجري أيها التاريخ ؟ ! ألا تخشى أن يحاكمك الأحرار يوما ؟ عتاب لاذع ، وأسئلة لا تنتهي ، والناس منها على طرق

شتى . . فهي تمر على أقوام فلا يكاد يوقظهم صداها ، ولا يفزعهم صخبها ! ! ورأيتها تمر على آخرين فتكاد تنتزع
أفئدتهم ، من شدة ما لهم معها من هياج ونحيب ، وأدمع تجري فلا تريد أن تكف . . ويلتهبون على الجناة غيظا ونقمة

وحنقا . . فتمتلئ صدورهم من هذا وذاك بكل معاني الموالاة والبراءة . . موالاة لله وأوليائه ، وبراءة من أعدائه . . ولم لا تنفطر الأكباد لفاجعة كهذه ! وبدلا من أن تهربي من ذكراها - أيتها الدنيا - في العام مرة ، أولى بك أن تقفي عندها كل يوم ألف مرة ، ولا تستكثري . أكثير أن يحيا الحسين السبط بيننا على الدوام ، وليس كثيرا أن يقتل بين يديك كل يوم ألف مرة ؟
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 34

وعندما رحت أتعجب من هذا الانقسام ، عدت مع هذه الواقعة إلى الوراء ، فإذا الناس من حينها كحالهم الآن ، فهم بين من حمل الحسين مبدءا ، وتمسك به إماما وأسوة ، ودليلا إلى طريق الفلاح ، فوضع نفسه وبنيه دون أن يمس الحسين ، وبين

من حمل رأس الحسين هدية إلى يزيد ! ! وبين هذا وذاك منازل شتى في القرب والبعد من معالم الحسين . . وأشياء أخرى تطول ، فقد استضاءت الدنيا كلها من حولي ، وبدت لي شاخصة معالم الطريق . . فرأيت الحكمة في أن أسلك الطريق من

أوله ، وأبتدئ المسيرة بالخطوة الأولى لتتلوها خطى ثابتة على يقين وبصيرة . . وابتدأت ، وإن كانت الأيام تشغلني بين الحين والحين بما يصد المرء عن نفسه وبنيه ، إلا أني أعود إذا تنفست فأتابع الخطى . وقد حملت الصفحات الآتية أهم تلك الخطى ، ولم أكن أفقد إحساسي بمدد الله تعالى وتوفيقاته ما دمت أشعر بالقرب منه جل جلاله . . وهو حسبي . .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب