|
هكذا كانت البداية مع الحسين
عليه السلام |
|
|
هكذا كانت البداية مع الحسين - مصباح الهدى - كانت البداية . ومع الحسين - سفينة النجاة - كان الشروع . بداية لم أقصدها أنا ، وإنما هي التي قصدتني ، فوفقني الله لحسن استقبالها ، وأخذ بيدي إلى عتباتها . . ذلك كان يوم ملك علي مسامعي صوت شجي ، ربما كان قد طرقها من قبل كثيرا فأغضت عنه ، ومالت بطرفها ، وأسدلت دونه ستائرها ، وأعصت عليه . حتى دعاني هذه المرة ، وأنا في خلوة ، أو شبهها ، فاهتزت له مشاعري ومنحته كل إحساسي وعواطفي ، من حيث أدري ولا أدري . . فجذبني إليه . . تتبادلني أمواجه الهادرة . . وألسنة لهيبه المتطايرة . . حتى ذابت كبريائي بين يديه ، وانصاع له عتوي عليه . . فرحت معه ، أعيش الأحداث ، وأذوب فيها . . أسير مع الراحلين ، وأحط إذا حطوا ، وأتابع الخطى حتى النهاية . . تلك كانت قصة مقتل الإمام
الحسين عليه السلام ، بصوت الشيخ عبد
الزهراء الكعبي يرحمه الله ، في العاشر من محرم الحرام من سنة 1402 للهجرة . فأصغيت عنده أيما إصغاء لنداءات الإمام الحسين . . وترتعد جوارحي ، مع الدمعة والعبرة ، وشئ في دمي كأنه الثورة . . وهتاف في جوارحي . . لبيك ، يا سيدي يا بن رسول الله . . وتنطلق في ذهني أسئلة لا تكاد تنتهي ، وكأنه نور كان محجوبا ، فانبعث يشق الفضاء الرحيب دفعة واحدة . . إنطلاقة يؤمها الحسين ، بقية المصطفى ، رأس الأمة ، وعلم الدين ؟ إنطلاقة الإسلام كله تنبعث من جديد ، ورسول الله يقودها من جديد ، بشخص ريحانته ، وسبطه الحسين ؟ وهذه نداءات الإسلام يبثها أينما حل ، والجميع يعرفها ! ولا يعرف للإسلام معنى في سواها ؟ ومصارع أبناء الرسول ؟ ! ! وتيار الانحراف يجرف الحدود ، ويقتحم السدود ؟ ! وأشياء أخرى لا تنتهي . . . وتعود بي الأفكار إلى سنين خلت ،
وأنا أدرج على سلم الدرس ، لم أشذ فيها عن معلمي ، إلا . . بل ليتها مناهجنا قد نالت شرف الوفاء لهذا العطاء
الفريد . . ليتها مرت على فصول تلك الملاحم ، ولو مرور العابرين ! من غير تعظيم
، أو تمجيد ، أو ثناء . . فليس ثمة حاجة إلى شئ من هذا القبيل ، فقد تألق أولئك
الأبطال فوق ذروة المديح والثناء ، فكأنني أنظر إلى منابر التبجيل والإطراء
مهطعة تحدق
نحوهم وهم يحلقون في قبة السماء ! ! ثم أنت يا حلق الوعظ ، ويا خطب الجمع ويا بيوتات الدين ، أين أنت من هذا البحر اللامتناهي ؟ ! لقد صحبتك طويلا ، فليتني وجدتك اتخذت من أولئك الأبطال ، وتلك المشاهد أمثلة تحتذى في معاني اليقين والجهاد ، أو الإقدام والثبات ، أو التضحية والفداء ، أو النصرة والإباء ، أو الحب والعطاء أو غيرها مما يفيض به ميدان العطاء غير المتناهي ذاك ، كما عهدتك مع نظائرها ، وما هو
أدنى منها بكثير ! وأين أنت أيتها الدنيا ؟ ! وعلى أي فلك شتى . . فهي تمر على أقوام فلا يكاد يوقظهم صداها ، ولا
يفزعهم صخبها ! ! ورأيتها تمر على آخرين فتكاد تنتزع وحنقا . . فتمتلئ صدورهم من هذا وذاك بكل معاني الموالاة
والبراءة . . موالاة لله وأوليائه ، وبراءة من أعدائه . . ولم لا تنفطر الأكباد
لفاجعة كهذه ! وبدلا من أن تهربي من ذكراها - أيتها الدنيا - في العام مرة ،
أولى بك أن تقفي عندها كل يوم ألف مرة ، ولا تستكثري . أكثير أن يحيا الحسين
السبط بيننا على الدوام ، وليس كثيرا أن يقتل بين يديك كل يوم ألف مرة ؟
وعندما رحت أتعجب من هذا الانقسام ، عدت مع هذه الواقعة إلى الوراء ، فإذا الناس من حينها كحالهم الآن ، فهم بين من حمل الحسين مبدءا ، وتمسك به إماما وأسوة ، ودليلا إلى طريق الفلاح ، فوضع نفسه وبنيه دون أن يمس الحسين ، وبين من حمل رأس الحسين هدية إلى يزيد ! ! وبين هذا وذاك منازل شتى في القرب والبعد من معالم الحسين . . وأشياء أخرى تطول ، فقد استضاءت الدنيا كلها من حولي ، وبدت لي شاخصة معالم الطريق . . فرأيت الحكمة في أن أسلك الطريق من أوله ، وأبتدئ المسيرة بالخطوة الأولى لتتلوها خطى ثابتة على يقين وبصيرة . . وابتدأت ، وإن كانت الأيام تشغلني بين الحين والحين بما يصد المرء عن نفسه وبنيه ، إلا أني أعود إذا تنفست فأتابع الخطى . وقد حملت الصفحات الآتية أهم تلك الخطى ، ولم أكن أفقد إحساسي بمدد الله تعالى وتوفيقاته ما دمت أشعر بالقرب منه جل جلاله . . وهو حسبي . .
|
|