حديث الطير - حديث مدينة العلم - الجرح والتعديل

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 217

على تلك الخطى وعلى تلك الخطى سار جماعة من أصحاب الحديث وأئمة الجرح والتعديل فأحاطوا بمناقب أهل البيت ، وطعنوا رواتها وإن كانوا من أوثق الناس ، وأكثرهم صلاحا وحفظا وإتقانا ، في حين اعتمدوا رجالا من المنحرفين والمطعونين في خلاف ذلك . وإليك هذه النبذة الموجزة :

 أولا . . مع حديث الطير : قال سبط ابن الجوزي ( 1 ) - وقد روى حديث الترمذي من طريق السدي عن أنس بن مالك ، فقال - : قال الترمذي : والسدي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن ، سمع من إنس بن مالك ، وروى عن الحسن بن علي ،

ووثقه سفيان الثوري ، وشعبة ، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم . قال : قلت : إنما ذكر الترمذي هذا في تعديل السدي لأن جماعة تعصبوا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هو شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاغلي - تركية بمعنى : الجوزي - بن عبد الله التركي البغدادي الحنفي ،
سبط الإمام أبي الفرج بن الجوزي - وقد انتهت إليه رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة التاريخ ، توفي في سنة 654 ه‍ .
سير أعلام النبلاء
23 : 296 / 203 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 218

عليه ليبطلوا هذا الحديث ، فعدله الترمذي . قال : وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : حديث الطائر صحيح يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحيهما لأن رجاله ثقات ، وهو من شرطهما . ثم قال : فإن قيل : لم لم يخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ( 1 ) ؟


فالجواب : إنما لم يخرجه لأن محمد بن طاهر المقدسي ، والدارقطني تعصبا عليه ، وأخرجا لحديث الطائر طرقا ضعيفة ، فإنه لما صنف المستدرك بلغ الدارقطني ، فقال : لعله يستدرك عليهما حديث الطير ، فتركه ، ثم رموا الحاكم بالتشيع لأجل هذا ( 2 ) .


ثانيا . . مع حديث مدينة العلم : أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق أبي الصلت الهروي - عبد السلام ابن صالح - وقال : هذا حديث صحيح ، وأبو الصلت ثقة مأمون فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول : سمعت العباس بن

محمد الدوري يقول : سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي . فقال : ثقة . فقلت : أليس قد حدث عن أبي معاوية ، عن الأعمش " أنا مدينة العلم " ؟ فقال : قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو ثقة مأمون ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أخرج الحاكم حديث الطير في المستدرك من طريق يحيى بن سعيد عن أنس ،
وقال : رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفسا ، ثم صحت الرواية عن علي ، وأبي سعيد الخدري ، وسفينة
وأخرجه أيضا من طريق ثابت البناني عن أنس ، إلا أنه لم يخرجه من طريق السدي . أنظر المستدرك 3 : 130 - 131 .
( 2 )
تذكره الخواص : 39 .
( 3 )
المستدرك 3 : 126 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 219

ثم تعقبه الذهبي فقال : قال : الحديث صحيح . قلت : بل موضوع . وقال : وأبو الصلت ثقة مأمون قلت : لا والله لا ثقة ولا مأمون ( 1 ) ! .

وزاد الخطيب في تاريخه : قرأت على الحسن بن أبي القاسم ، عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن رميح النسوي ، قال : سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام يقول : سمعت أحمد بن سيار بن أيوب يقول : أبو الصلت عبد السلام ابن صالح

الهروي : ذكر لنا أنه من موالي عبد الرحمن بن سمرة ، وقد لقي وجالس الناس ، ورحل في الحديث ، وكان صاحب قشافة ، وهو من آحاد المعدودين في الزهد ، وكان يعرف بكلام الشيعة ، وناظرته في ذلك لأستخرج ما عنده فلم أره يفرق ، إلا

أن ثم أحاديث يرويها في المثالب ، وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية ، نحو ما جاء في أبي موسى ، وما روي في معاوية ، فقال : هذه أحاديث قد رويت . وقال : سئل يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال : ثقة صدوق ، إلا أنه يتشيع .
 

وعن عبد الله بن الجنيد قال : سمعت يحيى - وذكر أبو الصلت الهروي - قال : لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب . قال : وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه ، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث

أبي معاوية ، ثم بحث يحيى عنه ، فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن أبي معاوية . أخبر محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا أبو بكر مكرم بن أحمد بن مكرم القاضي ، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنباري ، حدثنا أبو الصلت الهروي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هامش المستدرك : الجزء والصفحة . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 220

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " . قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث . فقال : هو صحيح .

وقال محمد بن يعقوب الأصم : سمعت العباس بن محمد الدوري يقول : سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح ، فقلت : إنه حدث عن أبي معاوية عن الأعمش : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ! ؟ . فقال : ما تريدون من هذا المسكين ، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية ( 1 ) ؟


ثالثا . . محنة الأعمش : وكان يحدث بفضائل علي عليه السلام ولا يكتمها إلا قليلا ، فلاقى ما لاقى ، وها هو يحدث عن نفسه في قصة وقعت له يرويها الخوارزمي ، وابن المغازلي قالا : حدث المدائني ، وأبو معاوية ، وسليمان بن سالم : حدثنا

الأعمش ، قال : وجه إلي المنصور ، فقلت للرسول : لم يريدني أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعلم . فقلت : أبلغه أني آتيه . ثم تفكرت في نفسي ، فقلت : ما دعاني في هذا الوقت لخير ، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي

طالب عليه السلام ، فإن أخبرته قتلني - قال - فتطهرت ، ولبست أكفاني ، وتحنطت ، ثم كتبت وصيتي ، ثم صرت إليه ، فوجدت عنده عمرو بن عبيد ( 2 ) فحمدت الله
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ بغداد 11 : 46 - 50 .
( 2 )
أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب ، شيخ المعتزلة ، جده من سبي كابل من جبال السند ،
وكان أبوه يخلف أصحاب الشرط بالبصرة ، فكان الناس إذا رأوا عمرا مع أبيه ، قالوا : هذا خير الناس ابن شر = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 221

تعالى ، وقلت : وجدت عنده عون صدق من أهل النصرة . فقال لي : ادن يا سليمان . فدنوت ، فقال : يا سليمان ، ما هذه الرائحة ؟ والله لتصدقني وإلا قتلتك . . . فأخبره بأمره ، فاستوى جالسا ، ثم قال : أخبرني - بالله وبقرابتي من رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم - كم رويت في علي من فضيلة من جميع الفقهاء ، وكم يكون ؟ قلت : يسير ، يا أمير المؤمنين . قال : على ذاك . قلت : عشرة آلاف حديث ، وما زاد . قال : يا سليمان ، لأحدثنك في فضائل علي عليه السلام حديثين

يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء ، فإن حلفت لي ألا ترويهما لأحد من الشيعة حدثتك بهما . فقلت : لا أحلف ، ولا أخبر بهما أحدا منهم - فحدثه بالحديثين في قصة طويلة ، في أحدهما : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألا أدلكم

على خير الناس جدا وجدة وأبا وأما " ؟ . قالوا : بلى ، يا رسول الله . فقال : " عليكم بالحسن والحسين ، فإن جدهما محمد رسول الله ، وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة ، وأباهما علي بن أبي طالب ، وهو خير منهما ، وأمهما فاطمة بنت رسول الله سيدة نساء أهل الجنة " .


وفي الثاني ، قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبضعته الزهراء : " إن الله

 

* ( هامش ) *
= الناس ، فيقول أبوه : صدقتم ، هذا إبراهيم وأنا آزر . وكان لعمرو مجالس وأخبار مع أبي جعفر المنصور وكان صاحبه وصديقه قبل الخلافة . كانت ولادته سنة 80 ووفاته سنة 144 ه‍ . وفيات الأعيان 3 : 460 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 222

اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك ، فبعثه نبيا ، ثم اطلع ثانية فاختار من الخلائق عليا ، فأوحى إلي فزوجتك إياه ، واتخذته وصيا ووزيرا " . ثم قال : يا سليمان ، سمعت في فضائل علي أعجب من هذين الحديثين ؟ يا سليمان ، حب علي

إيمان ، وبغضه نفاق . فقلت : يا أمير المؤمنين ، الأمان ؟ قال : لك الأمان . قلت : فما تقول - يا أمير المؤمنين - فيمن قتل هؤلاء ؟ قال : في النار ، لا أشك . قلت : فما تقول فيمن قتل أولادهم ، وأولاد أولادهم ؟ - قال - فنكس رأسه ، ثم قال : يا

سليمان ، الملك عقيم ، ولكن حدث عن فضائل علي بما شئت . فقلت : فمن قتل ولده فهو في النار . فقال عمرو بن عبيد : وأخبرني الشيخ الصدق - يعني الحسن البصري - عن أنس ، أن من قتل أولاد علي لا يشم رائحة الجنة . قال : فوجدت أبا جعفر - المنصور - وقد حمض وجهه ، وخرجنا ، فقال أبو جعفر : لولا مكان عمرو ما خرج سليمان إلا مقتولا ( 1 ) .


ودخل على الأعمش جماعة فيهم أبو معاوية ، فقالوا له : لا تحدث هذه الأحاديث . فقال : يسألوني ، فما أصنع ؟ ربما سهوت ، فإذا سألوني عن شئ من هذا فذكروني . قال أبو معاوية : وكنا يوما عنده ، فجاء رجل فسأله عن حديث " قسيم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي : 143 - 155 باختصار شديد ،
ورواه الخوارزمي في الناقب باختلاف يسير في بعض الألفاظ : 200 - 208 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 217

النار " فتنحنحت ، فقال الأعمش : هؤلاء المرجئة لا يدعوني أحدث بفضائل علي رضي الله عنه ، أخرجوهم من المسجد حتى أحدثكم ( 1 ) .

 ولكن الأعمش خضع مرة : قال محمد بن داود الحداني : سمعت عيسى بن يونس يقول : ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة ، فإنه حدثنا بهذا الحديث ، قال : قال علي : " أنا قسيم النار " فبلغ ذلك جماعة فجاءوا إليه ، فقالوا : تحدث بأحاديث

تقوي بها الرافضة والزيدية والشيعة ! ؟ . فقال : سمعت فحدثت به . فقالوا : أو كل شئ سمعته تحدث به ؟ ! . قال : فرأيته خضع ذلك اليوم ( 2 ) .


فمن هو الأعمش ؟ هو سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي ، مولاهم الكوفي ( 60 - 148 ه‍ ) رأى أنس بن مالك وحدث عنه . قال يحيى بن معين : الأعمش ثقة .
وقال النسائي : ثقة ثبت .
وقال يحيى : هو علامة الإسلام .
وقال عمرو بن علي : كان الأعمش يسمى المصحف ، من صدقه .
وقال الموصلي : ليس في المحدثين أثبت من الأعمش .
وقال القاسم بن عبد الرحمن : هذا الشيخ - الأعمش - أعلم الناس بقول عبد الله بن مسعود .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أورده ابن عساكر في تاريخه ، انظر ترجمة الإمام علي 2 : 245 / 763 - 765 .
( 2 )
المصدر 2 : 246 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 224

وقال أحمد بن حنبل : أبو إسحاق ( 1 ) ، والأعمش رجلا أهل الكوفة .

وقال علي بن المديني : حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ستة : فلأهل مكة عمرو بن دينار . . . ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي ، وسليمان الأعمش ( 2 ) . . . .

فهل سلم الأعمش من الطعن ؟ لم يسلم الأعمش ، ولم يسلم معه أبو إسحاق السبيعي ! قال الذهبي : فالأعمش مع إمامته إلا أنه يدلس ، وربما دلس عن ضعيف وهو لا يدري . ثم نقل كلام ابن المبارك ، والمغيرة : إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش ( 3 ) .


وقال ابن حجر : قال الجوزجاني : كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم - يعني للتشيع - وهم رؤوس محدثي الكوفة ، مثل : أبي إسحاق ، والأعمش ( 4 ) . . .


رابعا . . محنة النسائي ( 5 ) : قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : كان - الحافظ النسائي - قد صنف
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هو عمرو بن عبد الله السبيعي ، تابعي روى عن علي عليه السلام والمغيرة وزيد بن أرقم وسليمان بن صرد ،
والبراء بن عازب - ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان . تهذيب التهذيب 8 . 63 / 100 .
( 2 )
تهذيب الكمال 12 : 76 / 2570 ، سير أعلام النبلاء 6 : 226 / 110 .
( 3 )
ميزان الاعتدال 2 : 224 / 3517 .
( 4 )
تهذيب التهذيب 8 : 66 .
( 5 )
هو الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب ، صاحب السنن ، إمام عصره في الحديث ولد بنسا من خراسان وإليها ينسب ، وتوفي سنة 303 ه‍ . وفيات الأعيان 1 : 77 ، سير أعلام النبلاء 14 : 125 / 67 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 225

كتاب ( الخصائص ) في فضل علي بن أبي طالب ر ضي الله عنه وأهل البيت ، فقيل له : ألا تصنف كتابا في فضائل الصحابة رضي الله عنهم ؟ فقال : دخلت دمشق والمنحرف عن علي عليه السلام كثير ، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا

الكتاب . وسئل - وهو في الشام - عن معاوية ، وما روي من فضائله . فقال : أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس ، حتى يفضل ؟ وفي رواية أخرى ، قال : ما أعرف له فضيلة إلا : " لا أشبع الله بطنك " . - قال الراوي - وكان يتشيع ، فما زالوا يدفعونه في حضنه - وفي رواية في خصييه - وداسوه ، ثم حمل إلى الرملة ، فمات فيها ( 1 ) .


 خامسا . . . في الجرح والتعديل : لم يسلم النسائي ، ولم يسلم الحاكم ، ولا أبو إسحاق السبيعي ، ولا الأعمش ، ولا أبو الصلت الهروي ، ولا عشرات من أمثالهم يطول إحصاؤهم لم يسلموا من الطعن ! فهل كان هذا الطعن عليهم كله بحق ؟

مسألة على درجة من الأهمية يعرف خطورتها كل من له اهتمام بأمر هذا الدين . وقد أحلنا الجواب فيها إلى واحد من أبرز تلامذة الذهبي ، ينقله عنه تلميذ آخر له ، هو التاج السبكي ، ويضيف عليه رأيه : قال التاج السبكي : إن أهل التاريخ ربما

وضعوا من أناس ، أو رفعوا أناسا إما لتعصب ، أو جهل ، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به . قال : والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل ، وكذلك التعصب ، قل أن رأيت تاريخا خاليا منه .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سير أعلام النبلاء 14 : 125 ، وفيات الأعيان 1 : 77 والنص عنه بإيجاز . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 226

أما تاريخ شيخنا الذهبي : غفر الله له ولا آخذه ، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط ، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية والحنفيين ، وقال وأفرط على

الأشاعرة ، ومدح وزاد في المجسمة ، هذا وهو الحافظ القدوة ، والإمام المبجل ، فما ظنك بعوام المؤرخين ؟ فالرأي عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذم منهم إلا بما اشترطه - يعني والده وقد ذكر شروطا لذلك منها : الصدق ، والمعرفة ، وعدم غلبة

الهوى - . ثم قال : لا يجوز الاعتماد على الذهبي في ذم أشعري ، ولا شكر حنبلي ، لما حكي عن العلائي كونه - بعد
وصفه له بالتدين والورع قال - : قد غلب عليه مذهب الإثبات والغفلة عن التنزيه ، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا

عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات . فإذا ترجم واحدا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن .

وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر ، كإمام الحرمين ، والغزالي ، ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ، ويكثر من قوله من طعن فيه ، ويعيد ذكره ، ويبديه ، ويعتقده دينا وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها .

وكذلك فعله في أهل عصرنا ، إذا لم يقلد على أحد  منهم بتصريح يقول في ترجمته : والله يعلم . ونحو ذلك مما سببه المخالفة في العقائد . قال التاج : إن الحال في حقه أزيد مما وصف العلائي ، وهو شيخنا ، ومعلمنا ، غير أن الحق أحق أن يتبع ، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 227

يسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين ( 1 ) . - وكان الذهبي ( 673 - 748 ه‍ ) قد تتلمذ في الحديث على أبي الحجاج المزي ( 654 - 742 ه‍ ) وفي الفقه على ابن تيمية ( 661 - 728 ه‍ ) وأخذ عنه مذهبه وسارعليه

 - وأبرز من سار على نهج الذهبي تلميذه ابن كثير الدمشقي ( 701 - 774 ه‍ ) صاحب التفسير ، والتاريخ المعروف ب‍ـ
( البداية والنهاية ) . - وإذا كان هذا حظ الأحناف ، والشافعية ، والأشعرية عندهم ، فكيف سيكون حظ آخرين ، يا ترى ؟

 

في الميزان : وكل شئ سينتهي إلى الميزان ، وكل فعل أو قول إنما يؤول إلى عاقبته ، فما هو نصيب أرباب تلك الخطة ؟ هذا ما تخبرنا به العديد من أحاديث نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت تنبئ بحدوث أشياء كهذه ، ثم تصف عواقب أهلها ، ومن ذلك :

 1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " ( 2 ) .

 2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي : " من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي " ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ - للسخاوي - : 73 - 76 أخذه عن كتاب ( معيد النعم ) للتاج السبكي .
( 2 )
صحيح مسلم 1 : 10 ، مسند أحمد 1 : 47 ، 78 ، 90 ، 130 ، 165 ومواضع أخرى .
مجمع الزوائد
من ست وثلاثين طريقا معظمها في الجزء الأول : 143 - 148 ، والحديث متفق عليه .
( 3 )
مجمع الزوائد 2 : 247 ، مسند أحمد 6 : 256 ، كنز العمال 1 / 1157 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 228

 3 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من آذى عليا فقد آذاني " ( 1 ) . واقرأ قوله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) ( 2 ) .
 

 4 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من سب عليا فقد سبني " ( 3 ) .
 

 5 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني " ( 4 ) . وأخرج ابن حجر في الصواعق قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " . ثم قال : فمن آذى أحدا من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم لأنه أغضبها ( 5 ) .


 6 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين عليهما السلام : " الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبني ، ومن أحبني أحبه الله ، ومن أحبه الله
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 3 : 483 ، المستدرك 3 : 122 وصححه ، دلائل النبوة 5 : 395 ، الجامع الصغير 2 : 547 / 8266 ،
مجمع الزوائد
9 : 129 ، البداية والنهاية 7 : 359 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 39 / 6884 ،
الإستيعاب
3 : 37 ، فضائل الصحابة 2 : 633 / 1078 ، تاريخ الخلفاء : 137 ، الرياض النضرة 3 : 121 ،
الصواعق المحرقة
باب 9 فصل 2 : 123 ، شواهد التنزيل 2 : 98 / 776 - 778 وغيرهم ، وأصحاب المناقب جميعا .

( 2 ) الأحزاب : 57 .

( 3 ) مسند أحمد 6 : 323 ، المستدرك 3 : 121 - 122 ، الخصائص للنسائي : 17 ، مجمع الزوائد 9 : 130 ،
الترجمة في تاريخ ابن عساكر
2 : 182 / 667 ، البداية والنهاية 7 : 367 تاريخ الخلفاء : 137 ، المناقب للخوارزمي : 91 .

( 4 ) صحيح البخاري : 5 : 92 / 209 ، مسلم 4 : 1902 / 93 - 2449 ، الترمذي 5 : 698 / 3867 ،
مصابيح السنة
4 : 185 / 4799 ، المستدرك 3 ، 158 ، مجمع الزوائد 9 : 203 ، الجامع الصغير 2 : 208 / 5833 وبعده .

( 5 ) الصواعق المحرقة باب 11 فصل - 1 - المقصد الثالث ، وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 2 : 464 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 229

أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار " ( 1 ) .

 7 - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام : " أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم " ( 2 ) .
 

 8 - قالت : أم سلمة : جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رسول الله متوركة الحسن والحسين ، في يدها برمة - أي قدر - فيها سخين حتى أتت بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما وضعتها قدامه قال لها : " أين أبو الحسن "

؟ . قالت : " هو في البيت " فدعاه ، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين يأكلون - قالت أم سلمة - وما سامني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أكل طعاما قط وأنا عنده إلا سامنيه قبل ذلك اليوم - تعني ب‍ " سامني " دعاني إليه - فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال : " اللهم عاد من عاداهم ، ووال من والاهم " ( 3 ) .


 9 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لو أن رجلا صفن ( 4 ) بين الركن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 166 وقال : صحيح على شرط الشيخين ، مجمع الزوائد 9 : 179 و 181 ، الصواعق المحرقة باب 11 ص 192 .

( 2 ) الترمذي 5 : 699 / 3870 ، المستدرك 3 : 149 ، ابن ماجة 1 : 52 / 145 ، مسند أحمد 2 : 442
أسد الغابة
3 : 11 ، 5 : 523 ، مجمع الزوائد 9 : 169 ، مصابيح السنة 4 : 190 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 61 / 6938 ، الصواعق المحرقة باب 11 : 187 ، الرياض النضرة 3 : 154 ، شواهد التنزيل 2 : 27 المناقب للخوارزمي : 91 .

 3 ) التاريخ الكبير للبخاري 2 : 69 / 70 وفيه : " اللهم هؤلاء أهل بيتي " ، مسند أبي يعلى 12 : 383 / 6951 ،
ومجمع الزوائد 9 : 166 - 167 وقال : إسناده جيد .

( 4 ) صفن : صف قدميه . لسان العرب ( صفن ) 13 : 248 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 230

والمقام فصلى وصام ، ثم لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار " ( 1 ) . إذن ، فذلك نصيبهم في الميزان .


 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 149 وصححه على شرط مسلم ، الخصائص الكبرى 2 : 465 ، مجمع الزوائد 9 : 171
الصواعق المحرقة
: 174 ، 140 ، وقد وردت جميع هذه الأحاديث في سائر كتب المناقب .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب