|
حديث الطير - حديث
مدينة العلم - الجرح والتعديل |
|
|
على تلك الخطى وعلى تلك الخطى سار جماعة من أصحاب الحديث وأئمة الجرح والتعديل فأحاطوا بمناقب أهل البيت ، وطعنوا رواتها وإن كانوا من أوثق الناس ، وأكثرهم صلاحا وحفظا وإتقانا ، في حين اعتمدوا رجالا من المنحرفين والمطعونين في خلاف ذلك . وإليك هذه النبذة الموجزة : أولا . . مع حديث الطير : قال سبط ابن الجوزي ( 1 ) - وقد روى حديث الترمذي من طريق السدي عن أنس بن مالك ، فقال - : قال الترمذي : والسدي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن ، سمع من إنس بن مالك ، وروى عن الحسن بن علي ، ووثقه سفيان الثوري ، وشعبة ، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم .
قال : قلت : إنما ذكر الترمذي هذا في تعديل السدي لأن جماعة تعصبوا
عليه ليبطلوا هذا الحديث ، فعدله الترمذي . قال : وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : حديث الطائر صحيح يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحيهما لأن رجاله ثقات ، وهو من شرطهما . ثم قال : فإن قيل : لم لم يخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ( 1 ) ؟
محمد الدوري يقول : سألت يحيى
بن معين عن أبي الصلت الهروي . فقال : ثقة . فقلت : أليس قد حدث عن أبي معاوية
، عن الأعمش " أنا مدينة العلم " ؟ فقال : قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو
ثقة مأمون ( 3 ) .
ثم تعقبه الذهبي فقال : قال : الحديث صحيح . قلت : بل موضوع . وقال : وأبو الصلت ثقة مأمون قلت : لا والله لا ثقة ولا مأمون ( 1 ) ! . وزاد الخطيب في تاريخه : قرأت على الحسن بن أبي القاسم ، عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن رميح النسوي ، قال : سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام يقول : سمعت أحمد بن سيار بن أيوب يقول : أبو الصلت عبد السلام ابن صالح الهروي : ذكر لنا أنه من موالي عبد الرحمن بن سمرة ، وقد لقي وجالس الناس ، ورحل في الحديث ، وكان صاحب قشافة ، وهو من آحاد المعدودين في الزهد ، وكان يعرف بكلام الشيعة ، وناظرته في ذلك لأستخرج ما عنده فلم أره يفرق ، إلا أن ثم أحاديث يرويها في
المثالب ، وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية ، نحو ما
جاء في أبي موسى ، وما روي في معاوية ، فقال : هذه أحاديث قد رويت . وقال : سئل
يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال : ثقة صدوق ، إلا أنه يتشيع . وعن عبد الله بن الجنيد قال : سمعت يحيى - وذكر أبو الصلت الهروي - قال : لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب . قال : وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه ، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية ، ثم بحث يحيى عنه ، فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن
أبي معاوية . أخبر محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا أبو بكر مكرم بن أحمد بن مكرم
القاضي ، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنباري ، حدثنا أبو الصلت الهروي ،
حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " . قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث . فقال : هو صحيح . وقال محمد بن يعقوب الأصم : سمعت العباس بن محمد الدوري يقول : سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح ، فقلت : إنه حدث عن أبي معاوية عن الأعمش : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ! ؟ . فقال : ما تريدون من هذا المسكين ، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية ( 1 ) ؟
الأعمش ، قال : وجه إلي المنصور ، فقلت للرسول : لم يريدني أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعلم . فقلت : أبلغه أني آتيه . ثم تفكرت في نفسي ، فقلت : ما دعاني في هذا الوقت لخير ، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإن أخبرته قتلني - قال - فتطهرت ،
ولبست أكفاني ، وتحنطت ، ثم كتبت وصيتي ، ثم صرت إليه ، فوجدت عنده عمرو بن
عبيد ( 2 ) فحمدت الله
تعالى ، وقلت : وجدت عنده عون صدق من أهل النصرة . فقال لي : ادن يا سليمان . فدنوت ، فقال : يا سليمان ، ما هذه الرائحة ؟ والله لتصدقني وإلا قتلتك . . . فأخبره بأمره ، فاستوى جالسا ، ثم قال : أخبرني - بالله وبقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كم رويت في علي من فضيلة من جميع الفقهاء ، وكم يكون ؟ قلت : يسير ، يا أمير المؤمنين . قال : على ذاك . قلت : عشرة آلاف حديث ، وما زاد . قال : يا سليمان ، لأحدثنك في فضائل علي عليه السلام حديثين يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء ، فإن حلفت لي ألا ترويهما لأحد من الشيعة حدثتك بهما . فقلت : لا أحلف ، ولا أخبر بهما أحدا منهم - فحدثه بالحديثين في قصة طويلة ، في أحدهما : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة وأبا وأما " ؟ . قالوا : بلى ، يا رسول الله . فقال : " عليكم بالحسن والحسين ، فإن جدهما محمد رسول الله ، وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة ، وأباهما علي بن أبي طالب ، وهو خير منهما ، وأمهما فاطمة بنت رسول الله سيدة نساء أهل الجنة " .
اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك ، فبعثه نبيا ، ثم اطلع ثانية فاختار من الخلائق عليا ، فأوحى إلي فزوجتك إياه ، واتخذته وصيا ووزيرا " . ثم قال : يا سليمان ، سمعت في فضائل علي أعجب من هذين الحديثين ؟ يا سليمان ، حب علي إيمان ، وبغضه نفاق . فقلت : يا أمير المؤمنين ، الأمان ؟ قال : لك الأمان . قلت : فما تقول - يا أمير المؤمنين - فيمن قتل هؤلاء ؟ قال : في النار ، لا أشك . قلت : فما تقول فيمن قتل أولادهم ، وأولاد أولادهم ؟ - قال - فنكس رأسه ، ثم قال : يا سليمان ، الملك عقيم ، ولكن حدث عن فضائل علي بما شئت . فقلت : فمن قتل ولده فهو في النار . فقال عمرو بن عبيد : وأخبرني الشيخ الصدق - يعني الحسن البصري - عن أنس ، أن من قتل أولاد علي لا يشم رائحة الجنة . قال : فوجدت أبا جعفر - المنصور - وقد حمض وجهه ، وخرجنا ، فقال أبو جعفر : لولا مكان عمرو ما خرج سليمان إلا مقتولا ( 1 ) .
النار " فتنحنحت ، فقال الأعمش : هؤلاء المرجئة لا يدعوني أحدث بفضائل علي رضي الله عنه ، أخرجوهم من المسجد حتى أحدثكم ( 1 ) . ولكن الأعمش خضع مرة : قال محمد بن داود الحداني : سمعت عيسى بن يونس يقول : ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة ، فإنه حدثنا بهذا الحديث ، قال : قال علي : " أنا قسيم النار " فبلغ ذلك جماعة فجاءوا إليه ، فقالوا : تحدث بأحاديث تقوي بها الرافضة والزيدية والشيعة ! ؟ . فقال : سمعت فحدثت به . فقالوا : أو كل شئ سمعته تحدث به ؟ ! . قال : فرأيته خضع ذلك اليوم ( 2 ) .
وقال أحمد بن حنبل : أبو إسحاق ( 1 ) ، والأعمش رجلا أهل الكوفة . وقال علي بن المديني : حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ستة : فلأهل مكة عمرو بن دينار . . . ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي ، وسليمان الأعمش ( 2 ) . . . . فهل سلم الأعمش من الطعن ؟ لم يسلم الأعمش ، ولم يسلم معه أبو إسحاق السبيعي ! قال الذهبي : فالأعمش مع إمامته إلا أنه يدلس ، وربما دلس عن ضعيف وهو لا يدري . ثم نقل كلام ابن المبارك ، والمغيرة : إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش ( 3 ) .
كتاب ( الخصائص ) في فضل علي بن أبي طالب ر ضي الله عنه وأهل البيت ، فقيل له : ألا تصنف كتابا في فضائل الصحابة رضي الله عنهم ؟ فقال : دخلت دمشق والمنحرف عن علي عليه السلام كثير ، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب . وسئل - وهو في الشام - عن معاوية ، وما روي من فضائله . فقال : أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس ، حتى يفضل ؟ وفي رواية أخرى ، قال : ما أعرف له فضيلة إلا : " لا أشبع الله بطنك " . - قال الراوي - وكان يتشيع ، فما زالوا يدفعونه في حضنه - وفي رواية في خصييه - وداسوه ، ثم حمل إلى الرملة ، فمات فيها ( 1 ) .
مسألة على درجة من الأهمية يعرف خطورتها كل من له اهتمام بأمر هذا الدين . وقد أحلنا الجواب فيها إلى واحد من أبرز تلامذة الذهبي ، ينقله عنه تلميذ آخر له ، هو التاج السبكي ، ويضيف عليه رأيه : قال التاج السبكي : إن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ، أو رفعوا أناسا إما لتعصب ، أو جهل ، أو
لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به . قال : والجهل في المؤرخين أكثر منه في
أهل الجرح والتعديل ، وكذلك التعصب ، قل أن رأيت تاريخا خاليا منه .
أما تاريخ شيخنا الذهبي : غفر الله له ولا آخذه ، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط ، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية والحنفيين ، وقال وأفرط على الأشاعرة ، ومدح وزاد في المجسمة ، هذا وهو الحافظ القدوة ، والإمام المبجل ، فما ظنك بعوام المؤرخين ؟ فالرأي عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذم منهم إلا بما اشترطه - يعني والده وقد ذكر شروطا لذلك منها : الصدق ، والمعرفة ، وعدم غلبة الهوى - . ثم قال : لا يجوز الاعتماد على الذهبي في ذم أشعري
، ولا شكر حنبلي ، لما حكي عن العلائي كونه - بعد عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات . فإذا ترجم واحدا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن . وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر ، كإمام الحرمين ، والغزالي ، ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ، ويكثر من قوله من طعن فيه ، ويعيد ذكره ، ويبديه ، ويعتقده دينا وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها . وكذلك فعله في أهل عصرنا ، إذا لم يقلد على
أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته : والله يعلم . ونحو ذلك مما سببه
المخالفة في العقائد . قال التاج : إن الحال في حقه أزيد مما وصف العلائي ، وهو
شيخنا ، ومعلمنا ، غير أن الحق أحق أن يتبع ، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد
يسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين ( 1 ) . - وكان الذهبي ( 673 - 748 ه ) قد تتلمذ في الحديث على أبي الحجاج المزي ( 654 - 742 ه ) وفي الفقه على ابن تيمية ( 661 - 728 ه ) وأخذ عنه مذهبه وسارعليه - وأبرز من سار على نهج الذهبي تلميذه ابن كثير
الدمشقي ( 701 - 774 ه ) صاحب التفسير ، والتاريخ المعروف بـ
في الميزان : وكل شئ سينتهي إلى الميزان ، وكل فعل أو قول إنما يؤول إلى عاقبته ، فما هو نصيب أرباب تلك الخطة ؟ هذا ما تخبرنا به العديد من أحاديث نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت تنبئ بحدوث أشياء كهذه ، ثم تصف عواقب أهلها ، ومن ذلك : 1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " ( 2 ) . 2 - قوله صلى الله
عليه وآله وسلم في الحديث القدسي : " من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي "
( 3 ) .
3 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
" من آذى عليا
فقد آذاني " ( 1 ) . واقرأ قوله تعالى :
(
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا
والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا
) ( 2 ) . 4 - قوله صلى الله عليه
وآله وسلم : " من سب عليا فقد سبني " ( 3 ) . 5 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني " ( 4 ) . وأخرج ابن حجر في الصواعق قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " . ثم قال : فمن آذى أحدا من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم لأنه أغضبها ( 5 ) .
أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار " ( 1 ) . 7 - وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام : " أنا حرب لمن حاربتم ،
وسلم لمن سالمتم " ( 2 ) . 8 - قالت : أم سلمة : جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رسول الله متوركة الحسن والحسين ، في يدها برمة - أي قدر - فيها سخين حتى أتت بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما وضعتها قدامه قال لها : " أين أبو الحسن " ؟ . قالت : " هو في البيت " فدعاه ، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين يأكلون - قالت أم سلمة - وما سامني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أكل طعاما قط وأنا عنده إلا سامنيه قبل ذلك اليوم - تعني ب " سامني " دعاني إليه - فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال : " اللهم عاد من عاداهم ، ووال من والاهم " ( 3 ) .
والمقام فصلى وصام ، ثم لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار " ( 1 ) . إذن ، فذلك نصيبهم في الميزان .
|
|