بين الصحابة

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 233

الصحابة - رضي الله عنهم - بإيجاز : قال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه : أشداء على الكفار ، رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل

كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) ( 1 ) . أولئك رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم ، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا ،

وقد وعدهم الحسنى ، فطوبى لهم وحسن مآب . أولئك الذين نصروا الله ورسوله ، وأحيوا دينه ، وأقاموا دعائم دولة الإسلام ، وأماتوا أركان الجاهلية . . أولئك الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام مذكرا بفضلهم : " ولقد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة الفتح : 29 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 234

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا ، وأبناءنا وإخواننا ، وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم ( 1 ) وصبرا على مضض الألم ، وجد في جهاد العدو . . . فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت ( 2 ) ،

وأنزل علينا النصر ، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه ( 3 ) ، ومتبوءا أوطانه . ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، ولا اخضر للإيمان . عود . . . " ( 4 ) .


وقال عليه السلام مرة يصفهم ويذكر بعظيم منزلتهم ، ويأسف على فقدهم : " لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما رأى أحدا يشبههم منكم ! لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون

على مثل الجمر من ذكر معادهم . كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم . إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب " ( 5 ) .


وقال عليه السلام وهو يتحرق شوقا إليهم : " أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ( 6 ) ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) اللقم : معظم الطريق أو جادته .
( 2 )
الكبت : الإذلال .
( 3 )
إلقاء الجران : كناية عن التمكن .
( 4 )
نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح : 91 - 92 .
( 5 )
المصدر : 143 - 97 - الفقرة الأخيرة .
( 6 )
هو الصحابي الجليل أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري : كان ينبذ الأصنام قبل الإسلام ،
ويقول بالتوحيد ، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة ، وأحد الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 235

وأين ذو الشهادتين ( 1 ) ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة ، وأماتوا البدعة ، دعوا إلى
 

 

* ( هامش ) *
= وآله وسلم في مكة ، وأحد النقباء الاثني عشر ، وأحد السبعين ، شهد بدرا والمشاهد كلها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه خارصا - يقدر ما على النخل من تمر - فلما كان عهد أبي بكر بعثه فأبى ، وقال : إني كنت إذا خرصت لرسول الله فرجعت ، دعا لي .

وكان مع علي عليه السلام يوم الجمل وله فيها أرجاز ذكرناها في حديث الدار وإثبات الوصية ، وشهد معه صفين أيضا ، وفيها استشهد رضوان الله عليه ، فقالت أمينة الأنصارية ترثيه :

منع اليوم أن أذوق رقادا * مالك إذ مضى ، وكان عمادا
يا أبا الهيثم بن تيهان إني *صرت للهم معدنا ووسادا

وبهذا يثبت بطلان ما زعمه الذهبي وابن سعد في إصرارهما على قول الواقدي : إن وفاته كانت سنة 20 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب . ومما يشهد ببطلان هذا الزعم أيضا ، ما أثبته أهل التاريخ من مواقف مشهورة لأبي الهيثم بن التيهان أيام البيعة لأمير المؤمنين بالخلافة ،

ويوم بدا نقض البيعة من الزبير وطلحة ومروان والوليد بن العقبة ، ويوم الجمل ، ويوم صفين إذ كان يسوي صفوف الجيش ويخطب بهم يحثهم على الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام :

انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 1 : 220 و 2 : 51 و 4 : 8 و 5 : 190 و 7 : 36 ، 39 و 20 : 19 ) وهو الذي اختاره ابن حجر فقال : وقيل قتل في صفين وهو الأكثر . ( الإصابة 7 : 209 / 1188 ) .
وانظر الأبيات المذكورة في رثائه في كتاب وقعة صفين : 365 .

( 1 ) هو الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت الأنصاري ، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بشهادة رجلين ، وكان هو وعمير بن خرشه يكسران أصنام بني خطمة ، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها ، وكانت راية بني خطمة بيده يوم الفتح ، وشهد مع علي عليه السلام الجمل وصفين واستشهد بصفين رضي الله تعالى عنه وقالت بنته ضبيعة ترثيه :

عين جودي على خزيمة بالدم‍ * - ع قتيل الأحزاب يوم الفرات
قتلوا ذا الشهادتين عتوا * أدرك الله منهم بالترات = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 236

الجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه " ( 1 ) . أولئك الذين بهم قام عمود الإسلام واشتد عوده ( كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ) . ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) . ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) .

ولكن السؤال : هل كل من عاصر النبي صلى الله عليه وآله ورآه سيكون أبدا تحت ظلال هذه التزكية الربانية ؟

وهل كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله واستقام حياته معه ، ستكتب له العصمة بعده ؟

وإن لم تكتب له العصمة ، فهل سيكون مغفورا له ما تأخر من ذنبه ، غير ملوم على ما يصنع ؟ الحكم لله تعالى ،


 أولا : وهو سبحانه القائل : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *

= قتلوه في فتية غير عزل * يسرعون الركوب للدعوات
نصروا السيد الموفق ذا العد * ل ودانوا بذاك حتى الممات
 لعن الله معشرا قتلوه * ورماهم بالخزي والآفات

أسد الغابة 2 : 114 ، وقعة صفين : 365 والأبيات منه .

( 1 ) نهج البلاغة - صبحي الصالح - : 264 - 182 - الفقرة الأخيرة .
( 2 )
الفتح : 29 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 237

وهو جل ثناؤه القائل : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) ( 1 ) . فليس ثمة عصمة إذن ، فمنهم من قد ينكث عهده ، ومنهم من يفي .

وليس في المقام عفو وصفح عمن ينكث ، بل ( ينكث على نفسه ) . وإنما اختص بالأجر العظيم من أوفى ( بما عاهد عليه الله ) . وهذا أمر لازم عقلا أيضا ، فليس الذين ثبتوا بعد نبيهم والذين ارتدوا عن الإسلام سواء . ولا من أوفى كمن نكث .

( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون ) ( 2 ) . أما فيمن مات على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينكر أحد وجود طابور المنافقين ، والمتخاذلين ، وقد تحدث القرآن الكريم عنهم ،

وعنفهم في عشرات الآيات حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يصلي على أحد مات منهم ، ولا يقم على قبره ، وأمر هو صلى الله عليه وآله وسلم بهجرهم ! والحكم لرسوله ،


 ثانيا : وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي الأخرى لا تمنح العصمة لكل من صحب النبي ، ولا ترفع عنهم احتمال الخطأ ، أو التقاعس عن الحق ، بل حتى الانحراف والارتداد .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الفتح : 10 . ( 2 ) غافر ( المؤمن ) : 58 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 238

ومن ذلك : قوله المشهور في خطبة حجة الوداع : " فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ( 1 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري - كتاب الفتن 9 : 90 / 26 - 29 ،
مسلم
- كتاب الإيمان - باب معنى قول النبي : " لا ترجعوا بعدي كفارا " - 1 : 81 / 118 - 120 ،
ومسند أحمد أيضا من أربعة عشر طريقا منها في الجزء الخامس : 37 ، 44 ، 49 ، 73 ،
والترمذي 4 : 486 / 2193 ، وأبو داود 4 : 221 / 4686 ، والدارمي 2 : 69 - باب حرمة المسلم - وغيرها .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب