حديث الحوض و حديث الافك

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 238

 ثم حديث الحوض المشهور الذي يخبر بعاقبة الكثير من الصحابة ، وتناقلته كتب الصحاح بأسانيد عديدة ، ومتون متشابهة ، وإليك الحديث . .

حديث الحوض : أخرج البخاري عن موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبي وائل ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك " ( 2 ) .


وأخرج أيضا عن يحيى بن كثير ، عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " أنا فرطكم على الحوض ، من ورده شرب منه ، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا ، ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم " .


قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا ، فقال : هكذا سمعت سهلا ؟ فقلت : نعم . قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه ، قال : " إنهم
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) صحيح البخاري 9 : 83 / 2 - كتاب الفتن - . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 239

مني ، فيقال : إنك لا تدري ما بدلوا بعدك " ( 1 ) .

وأما مسلم فأخرج هذا الحديث من طرق عديدة ، منها : عن أبي بكر ابن شيبة ، وأبي كريب ، وابن نمير ، قالوا ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا فرطكم على الحوض ، ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم ، فأقول : يا رب أصحابي ! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " ( 2 ) .
 

وأخرج الحاكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إني - أيها الناس - فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان . وقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان . فأقول : قد عرفتكم ، ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى " ( 3 ) .


وأخرج أحمد في عدة مواضع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني ، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولن : رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " ( 4 ) .


وعن عبد الله بن رافع المخزومي ، عن أم سلمة ، قالت : فسمعته يقول : " أيها الناس ، بينما أنا على الحوض جئ بكم زمرا ، فتفرقت بكم الطرق ، فناديتكم : ألا هلموا إلى الطريق . فناداني مناد من بعدي ، فقال : إنهم قد بدلوا بعدك .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر 9 : 83 / 3 ، وأخرجه بنصه أحمد في المسند 5 : 333 .
( 2 )
صحيح مسلم 4 : 1796 / 32 ( 2297 ) حديث الحوض .
( 3 )
المستدرك 4 : 74 - 75 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
( 4 )
مسند أحمد 3 : 140 ، 281 و 5 : 48 ، 50 ، 388 ، 400 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 240

فأقول سحقا سحقا " ( 1 ) .

* وفي موطأ مالك : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أحد : " هؤلاء أشهد عليهم " فقال أبو بكر الصديق : ألسنا - يا رسول الله - بإخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ؟ فقال رسول الله صلى عليه وآله وسلم : " بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي " ( 2 ) .

أرأيت هذه الكلمة : " إنهم قد بدلوا بعدك " ؟ ثم قاله صلى الله عليه وآله وسلم : " سحقا سحقا " لمن بدل بعدي ؟ ولعله يصعب على المرء التصديق لأول وهلة - برغم ما قرأ من نصوص الكتاب الكريم ، وصحيح الحديث الشريف - أن أصحاب

النبي ، والسابقين إلى الإسلام ، الذين قضوا في نصرته عمرا طويلا ، يميلون بعد النبي ، ويبدلون ويغيرون ! ولأجل هذا سنذكر نماذج مما دار بينهم ، وما طعن به بعضهم على بعض ، لا لغرض النيل والشماتة ، ولا لأجل الإنتصار والتباهي ،

فهذا كله بعيد عمن أيقن بالحق ، وإنما كمصاديق فقط لما تقدم من نصوص ، وليكون تمهيدا لبحث يأتي بعده ، ولنعرف كيف نقرأ القرآن ، ثم لنعرف الحق فنعرف أهله .

 

حديث الإفك : من كان يا ترى أصحاب الإفك إلا رجالا من الصحابة ! من المهاجرين والأنصار !

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن ابن ماجة - كتاب الزهد ، باب ذكر الحوض - 2 : 1439 / 4306 ،
مسند أحمد
6 : 297 ، مصابيح السنة 3 : 537 / 4315 .
( 2 )
الموطأ 2 : 462 / 32 - كتاب الجهاد ، باب الشهداء في سبيل الله . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 241

وفيهم نزلت آيات التهديد والوعيد تلك ( 1 ) ، ثم فيمن يحذو حذوهم . تقول أم المؤمنين عائشة : فأقبلت أنا ، وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم ابن عبد المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن

أثاثة بن عباد بن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي ، فعثرت أم مسطح ، فقالت ، تعس مسطح ! فقلت لها : بئسما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ ! فقالت : يا هنتاه ، ألم تسمعي ما قال ؟ فأخبرتني بقوله . وكان أصحاب حديث الإفك هم : مسطح

بن أثاثة ، وهو من المهاجرين الأولين ، وحسان بن ثابت ، وهو من الأنصار ، وعبد الله بن أبي . وقد جلدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا ( 2 ) .


المغيرة بن شعبة أيام معاوية : وكان قد ولاه الكوفة عام ( 42 ه‍ ) ثم عزله وولى عبد الله بن عامر بن كريز ، فغاظ المغيرة ذلك ، فعزم على شئ ، فنادى غلامه : يا غلام ، شد رحلي ، وقدم بغلي . فخرج ، حتى أتى دمشق ، فدخل على معاوية ،

فقال له بعد كلام بينهما : يا أمير المؤمنين ، كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وعجزت عن العمل ، وقد بلغت من الدنيا حاجتي ، ووالله ما آسي على شئ منها إلا على شئ واحد قدرت به قضاء حقك ، وودت أنه لا يفوتني أجلي وأن الله أحسن علي معونتي . قال معاوية : وما هو ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة النور : 11 - 25 .
( 2 )
أنظر القصة مفصلة في صحيح البخاري 5 : 250 - 253 ، صحيح مسلم 4 : 2129 / 2770 ،
تاريخ اليعقوبي
2 : 53 ، الكامل في التاريخ 2 : 195 - 199 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 242

قال : كنت دعوت أشراف الكوفة إلى البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بولاية العهد بعد أمير المؤمنين ، فقدمت لأشافهه بذلك ، وأستعفيه عن العمل . فقال سبحان الله - يا أبا عبد الرحمن - إنما يزيد ابن أخيك ، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى

يحكمه ، فنشدتك الله إلا رجعت فتممت هذا . فخرج من عنده ، فلقي كاتبه ، فقال : ارجع بنا إلى الكوفة ، والله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلا سفك الدماء ( 1 ) .

أرأيت هذه الفتنة الكبرى كيف وضع أساسها صحابي شهير ، وهو ممن شهد بيعة الرضوان ؟ ! ثم بعد ، أقام المغيرة عاملا لمعاوية على الكوفة يشتم عليا وأصحابه على المنبر حتى مات ( 2 ) .

أرأيت هذه الطامة الكبرى ! بل الأعظم والأجل أن نجمع المغيرة هذا مع علي بن أبي طالب في آية السابقين الأولين ، أو آية الفتح ، أو سورة الحشر ، ونظائرها !


وعمرو بن العاص : ولما عزم معاوية الخروج على أمير المؤمنين أرسل إلى عمرو بن العاص وهو يومها في مصر ، فدعا عمرو ابنيه : عبد الله ومحمدا فاستشارهما ، فأما عبد الله فقال له : أيها الشيخ ، إن رسول الله قبض وهو عنك راض ، ومات أبو بكر وعمر وهما راضيان ، فإنك إن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية ، فتضجعان غدا في النار !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 : 19 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 219 - 220 وعنه اختصرنا القصة .
( 2 )
ابن خلدون 3 : 13 ، اليعقوبي 2 : 230 ، ابن أبي الحديد 4 : 69 ، 70 ، 71 ومواضع أخرى ،
تهذيب تاريخ دمشق
2 : 373 - 374 - عند ترجمة أرقم الكندي - . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 243

وأما محمد فقال له : بادر هذا الأمر ، فكن فيه رأسا قبل أن تكون ذنبا ! فأنشأ عمرو يقول :

تطاول ليلي للهموم الطوارق * وخوف التي تجلو وجوه العواتق ( 1 )
فإن ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها بنات البوائق ( 2 )

فلما سمع عبد الله شعره ، قال : بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه . فلما أصبح دعا وردان مولاه ، فقال له : ارحل يا وردان ، ثم قال : حط يا وردان ، فحط ورحل ثلاث مرات ، فقال وردان : لقد خلطت - أبا عبد الله - فإن شئت أخبرتك بما

في نفسك . قال : هات . قال : اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه آخرة بلا دنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة ، فلست تدري أيهما تختار . قال : لله درك ، فما أخطأت مما في نفسي شيئا ، ثم قال : ارحل يا وردان وأنشأ يقول :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) العاتق : الجارية التي أدركت وبلغت فخدرت في بيت أهلها ، والجمع : عواتق . لسان العرب ( عتق ) 10 : 235 .
( 2 )
البائقة : الداهية . لسان العرب ( بوق ) 10 : 30 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 244

يا قاتل الله وردان وفطنته * أبدى لعمرك ما في الصدر وردان فقدم على معاوية ، وتذاكرا أمر القتال مع علي ، فكان مما قاله معاوية : ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ، ونلزمه قتل عثمان . قال عمرو : واسوأتاه ! إن الحق ألا يذكر عثمان لا أنا ولا

أنت . قال : ولم ، ويحك ؟ قال : أما أنت ، فخذلته ومعك أهل الشام ، حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي ! وأما أنا ، فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين ! فقال معاوية : دعني من هذا ، مد يدك فبايعني . قال : لا ، لعمر الله ، لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك . قال معاوية : لك مصر طعمة . فأنشأ عمرو يقول :

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع
وما الدين والدنيا سواء ، وإنني * لآخذ ما أعطني ورأسي مقنع
لكنني أعطيك هذا وإنني * لأخدع نفسي ، والمخادع يخدع
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 245

حتى إذا حضرته الوفاة ، قال : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه ، وأفسدت ديني ، آثرت دنياي وتركت آخرتي ، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي ( 1 ) . وسرعان ما يقفز إلى الذهن هنا موقف شبيه بهذا ، وقد رد عليه القرآن الكريم ، فقال : ( آلآن وقد عصيت قبل . . . ) ( 2 ) .


ومعاوية من هو ؟
بعد ما قرأنا أخباره نكتفي هنا بذكر أرقام وتعريف غاية في الإيجاز : فهل تعلم أنه خرج على إمام زمانه الحق علي بن أبي طالب ، هل تعلم من كان مع علي ؟ كان معه سبعون بدريا ! وممن بايع تحت الشجرة كان مع علي سبعمائة رجل ! ومن

سائر المهاجرين والأنصار أربعمائة رجل ! ولم يكن مع معاوية إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد من الأنصار ( 3 ) . أذكر هذه الأرقام وقلبي يعتصر ألما إذ أستعين بها وبنظائرها للاستدلال على أحقية علي عليه السلام ، وأن خصومة ليسوا

على شئ ! أبعد علي نبحث عن أدلة وشواهد على الحق ؟ ! وبعد ، فإن هذا الصحابي ، وكاتب الوحي ! هو الذي قتل الصحابيين :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وقعة صفين : 34 - 39 ، اليعقوبي 2 : 184 - 186 ، ابن أبي الحديد 2 : 62 - 66 ، الكامل 3 : 276 بعضه ،
سير أعلام النبلاء
3 : 71 - 73 بعضه ، تاريخ ابن خلدون 2 : 625 مختصرا .
( 2 )
يونس : 91 .
( 3 )
تاريخ اليعقوبي 2 : 188 ، وفي مآثر الإنافة : قتل - من أصحاب علي عليه السلام بصفين - خمسة وعشرون بدريا كان من جملتهم عمار بن ياسر الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " تقتلك الفئة الباغية " 1 : 102 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 246

حجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي صبرا لأنهما ردا على من سب عليا على منابر المسلمين ! وليتك تدري أن الذي سعى بهما وبأصحابهما إلى معاوية فكان سببا في قتلهم جميعا هو صحابي آخر ، وقد عمل لمعاوية على الكوفة بعد

المغيرة ، وهو القائل لحجر بن عدي رضي الله عنه : أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي ؟ قال : نعم قال : فإن
الله قد حول ذلك بغضة وعداوة . أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية ؟ قال : نعم . قال : فإن الله قد حول

ذلك كله محبة وموالاة ، فلا أعلمنك ما ذكرت عليا بخير ، ولا أمير المؤمنين معاوية بشر ! إنه زياد بن أبيه ، وقد كتب فيهم إلى معاوية : أنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب ، وزروا على الولاة ، فخرجوا بذلك عن الطاعة ( 1 ) ! ! فأمر بقتلهم

جميعا - وكانوا سبعة نفر - بمرج عذراء من بلاد الشام . قيل : ودخل معاوية على عائشة ، فقالت له : يا معاوية ، ما حملك على قتل أهل عذراء ، حجرا وأصحابه ؟ فقال : يا أم المؤمنين ، إني رأيت في قتلهم إصلاحا للأمة ، وفي بقائهم فسادا ! فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " سيقتل
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 230 ، وقصة زياد ومعاوية مع حجر وأصحابه تجدها مفصلة في :
الكامل في تاريخ
3 : 472 - 488 ، وتهذيب تاريخ دمشق 2 : 373 - 383 - عند ترجمة أرقم الكندي - . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 241

بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء " ( 1 ) .

هل عجبت من دين هؤلاء ؟ كلا ، فإن الأعجب من ذلك ما نسمعه من وجوب حفظ كرامتهم ، والترضي عليهم ! ! وإنه لمن عظائم الأمور التي تستدعي بحق إعادة النظر في حقيقة الإيمان ، أن يشك المرء بفسق هؤلاء ، بل بوجوب البراءة منهم .


وهذه شهادة الحسن البصري : أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف ، حتى أخذ الأمر من غير مشورة ، وفيهم بقايا الصحابة ، وذوو الفضيلة . واستخدامه بعده ابنه سكيرا ، خميرا ،

يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الولد للفراش ، وللعاهر الحجر " . وقتله حجرا وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر ! ويا ويلا له من حجر ( 2 ) .

وأبو هريرة : الذي دخل الإسلام أيام خيبر ، فكان له من الصحبة عامان ، ثم حدث بأحاديث لم يحدثها أحد غيره ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) دلائل النبوة 6 : 457 ، البداية والنهاية 6 : 231 ، الإصابة 2 : 329 .
( 2 )
الكامل في التاريخ 3 : 487 ، ابن أبي الحديد 2 : 262 و 16 : 193 ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 384 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 248

بعثته الشريفة ، ولم يفارقه حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ! لنرى ماذا قالوا فيه . قال ابن أبي الحديد : قال أبو جعفر : وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية . ضربه عمر بالدرة ، وقال : قد أكثرت من الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !

وروى سفيان الثوري عن منصور ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار ! ( 1 )

وروى أبو أسامة عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة ، إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه .

وقد روي عن علي عليه السلام ، أنه قال : " ألا إن أكذب الناس - أو قال : أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو هريرة الدوسي " .

وروى أبو يوسف ، قال : قلت لأبي حنيفة : الخبر يجئ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالف قياسنا ، ما تصنع به ؟ قال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي . فقلت : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال : ناهيك بهما ! فقلت : علي وعثمان ؟ قال : كذلك ، فلما رآني أعد الصحابة ، قال والصحابة كلهم عدول ما
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وانظر : سير أعلام النبلاء 2 : 609 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 249

عدا رجالا ، ثم عد منهم : أبا هريرة ، وأنس بن مالك ! وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عمر بن عبد الغفار : أن أبا هريرة لما قدم الكوفة كان يجلس بالعشيات بباب كندة ، ويجلس الناس إليه ، فجاءه شاب من الكوفة فجلس إليه

، فقال : يا أبا هريرة ، أنشدك الله ، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب : " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " ؟ فقال : اللهم نعم . قال : فأشهد بالله لقد واليت عدوه ، وعاديت وليه ! وروت الرواة أن أبا هريرة

كان يخطب وهو أمير المدينة ، فيقول : الحمد لله الذي جعل الدين قياما ، وأبا هريرة إماما ، يضحك الناس بذلك ! وكان يمشي - وهو أمير المدينة - في السوق ، فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه ضرب برجليه الأرض ، ويقول : الطريق

الطريق ، قد جاء الأمير ، يعني نفسه ! قال : وقد ذكر هذا كله ابن قتيبة في كتاب ( المعارف ) ( 1 ) في ترجمة أبي هريرة ، وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه ( 2 ) .


وقال ابن المسيب : كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت ، فإذا أمسك عنه تكلم ( 3 ) ! عبد الله بن الزبير - أميرا - : ولما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان ارتحل
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المعارف : 158 ، وروى كثيرا منه ابن كثير في البداية والنهاية 8 : 117 .
( 2 )
ابن أبي الحديد 4 : 67 - 69 .
( 3 )
البداية والنهاية 8 : 117 ، سير أعلام النبلاء 2 : 615 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 250

عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية بأولادهما ونسائهما حتى نزلوا مكة ، فبعث عبد الله بن الزبير إليهما يبايعان ، فأبيا ،
وقالا : أنت وشأنك ، لا نعرض لك ولا لغيرك . فأبى ، وألح عليهما إلحاحا شديدا ، فقال لهما : لتبايعن ، أو لأحرقنكم بالنار

! فبعثا أبا الطفيل إلى شيعتهم بالكوفة ، فانتدب أربعة آلاف ، فدخلوا مكة ، فكبروا تكبيرة سمعها أهل مكة وابن الزبير ، فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ، وقيل وتعلق بأستار الكعبة ، وقال : أنا عائذ بالبيت . فمالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية

وأصحابهما وهم في دورهم وقد جمع الحطب فأحاط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر ، ولو أن نارا تقع فيه ما رؤي منهم أحد ، فأخرجوهم ، وقالوا لابن عباس : ذرنا نريح الناس منه . قال : لا ، إن هذا بلد حرام ما أحله الله إلا لنبيه ساعة ، ولكن

أجيرونا . فخرجوا بهم إلى الطائف ، فتوفي عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه في مسيره ذاك ( 1 ) . - وقيل لعبد الله بن عمر : ألا تبايع أمير المؤمنين ؟ يعني ابن الزبير . فقال : والله ما شبهت بيعتهم إلا بققة ، أتعرف ما الققة ؟ الصبي

يحدث ويضع يده في حدثه ، فتقول له أمه : ققة ( 2 ) . سمرة بن جندب : هو صاحب النخلة التي كانت في بستان الأنصاري ، وكان يؤذيه ، فشكاه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أسد الغابة 3 : 194 - 195 - ترجمة عبد الله بن عباس - ، تهذيب تاريخ دمشق 7 : 411 - 412 .
( 2 )
النهاية لابن الأثير ( قق ) 4 : 95 ، لسان العرب 10 : 323 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 251

الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبعث إلى سمرة ، فقال له : " بع نخلك من هذا وخذ ثمنه " . قال : لا أفعل ! قال صلى الله عليه وآله وسلم : " فخذ نخلا مكان نخلك " . قال : لا أفعل ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " فاشتر

منه بستانه " . قال : لا أفعل ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " فاترك لي هذا النخل ولك الجنة " . قال : لا أفعل ! ! فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقطع نخله ( 1 ) . وكان سمرة من شرطة زياد ، فاستخلفه زياد على البصرة ، فأكثر

فيها القتل ، قال ابن سيرين : قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف ! . وقال أبو السوار العدوي : قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن ( 2 ) ! وتقدم ذكر وضعه الحديث في طعن علي عليه السلام ، وقد كان

سمرة يحرض الناس على الخروج إلى الحسين عليه السلام وقتاله ( 3 ) ! وروي عن أبي هريرة أنه قال : ما فعل سمرة ؟ قيل له : هو حي . قال : ما أحد أحب إلي طول حياة منه . قيل : ولم ذاك ؟ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي وله ولحذيفة بن اليمان : " آخركم موتا في النار " فسبقنا حذيفة ، وأنا الآن أتمنى أن أسبقه !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد 4 : 78 . ( 2 ) الكامل في التاريخ 3 : 462 - 463 ، وانظر ابن أبي الحديد 4 : 77 - 78 . ( 3 ) ابن أبي الحديد 4 : 79 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 252

فكان سمرة بن جندب آخرهم موتا ( 1 ) .


معاوية بن حديج ( 2 ) : له صحبة ورواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( 3 ) . وهو الذي تولى قتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه في مصر بعد أن تفرق عنه جيشه ، فقبضوا عليه وقد كاد يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط فقال له

معاوية بن حديج : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ، ثم أحرقه عليك بالنار . فقتله ، ثم ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه ( 4 ) .

فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا ، وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات ( 5 ) . وماذا كان معاوية مع هذا ؟ أسب الناس لعلي عليه السلام ! .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد 4 : 78 ، والحديث في : سير أعلام النبلاء 3 : 184 - 185 ، ودلائل النبوة 6 : 458 - 460 ،
ومجمع الزوائد 8 : 290 من عدة طرق تدل على أن الحديث تكرر في أكثر من موضع ، وفيها " أبو مخدورة " بدلا من " حذيفة " ،
ورواه أيضا : ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) - هامش الإصابة - 2 : 78 ، والعسقلاني في ( الإصابة ) 3 : 131 ،
وابن دريد في ( الاشتقاق ) في موضعين : 134 ، 282 .
( 2 )
ذكر بعضهم ( خديج ) بالمعجمة .
( 3 )
الطبقات الكبرى 7 : 503 ، أسد الغابة 4 : 383 ، التاريخ الكبير للبخاري 7 : 328 / 1407 ، سير أعلام النبلاء 3 : 37 .
( 4 )
الكامل في التاريخ 3 : 357 ، البداية والنهاية 7 : 326 ، سير أعلام النبلاء 3 : 482 ، فتوح البلدان : 319 .
( 5 )
الكامل في التاريخ 3 : 357 ، البداية والنهاية 7 : 327 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 253

قال الذهبي : حج معاوية ومعه معاوية بن حديج ، وكان من أسب الناس لعلي ، فمر في المدينة ، والحسن جالس في جماعة من أصحابه ، فأتاه رسول ، فقال : أجب الحسن . فأتاه فسلم عليه ، فقال له : أنت معاوية بن حديج ؟ قال : نعم . قال :

فأنت الساب عليا رضي الله عنه ؟ قال فكأنه استحيا .

فقال له الحسن : أما والله لئن وردت عليه الحوض وما أراك ترده ، لتجدنه مشمر الإزار على ساق ، يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل ، قول الصادق المصدوق ( وقد خاب من افترى ) ( 1 )

 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
سير أعلام النبلاء 3 : 39 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب