رزية يوم الخميس

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 261

يوم الخميس ، وما يوم الخميس !

قال الشهرستاني في ( الملل والنحل ) في ذكر الاختلافات الواقعة بين الصحابة في حال مرضه ، وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم : فأول تنازع وقع في مرضه عليه السلام : فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري ، بإسناده عن

عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، قال : لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي مات فيه ، قال : " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فقال عمر : إن رسول الله قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله . وكثر اللغط ،

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " قوموا عني ، لا ينبغي عندي التنازع " . قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 2 ) ! وفي رواية أخرى : عن سعيد بن جبير ، قال :
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) الملل والنحل - المقدمة الرابعة : 29 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 262

قال ابن عباس : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى . فقلت : يا ابن عباس ، وما يوم الخميس ؟ قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه ، فقال : " ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبي تنازع ، وقالوا : ما شأنه ، أهجر ؟ استفهموه ! قال : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير " ( 1 ) .


وفي رواية البخاري : فقال عمر : إن رسول الله قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " قوموا " . فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم ( 2 ) .


وفي مسند أحمد ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده ، فخالف عمر بن الخطاب حتى رفضها ( 3 ) . ترى أين ذهبوا بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم - كتاب الوصية 3 : 1257 / 1637 ، مسند أحمد 1 : 222 ، مسند أبي يعلى 4 : 298 / 2409 ،
البداية والنهاية
5 : 200 ، تاريخ الطبري 3 : 193 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 485 .
( 2 )
صحيح البخاري - كتاب المرضى - 7 : 219 / 30 ، مسلم 3 : 1259 / 22 ، مسند أحمد 1 : 324 ،
البداية والنهاية
5 : 200 ، الكامل 2 : 320 ، السيرة النبوية - للذهبي - 384 وهذه أحاديث متفق عليها .
( 3 )
مسند أحمد 3 : 346 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 263

( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . إلى قوله تعالى : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) ( 1 ) ؟

أم أنهم نسوا فيمن نزلت تلك الآيات ؟ سألت البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وأصحاب النزول ، وآخرين ، فأجابوا جميعا : أنها نزلت في أبي بكر وعمر ، وقد اختصما ، وعلت أصواتهما في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،

وهذه قصتهما كما يرويها البخاري : عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيران أن يهلكا : أبا بكر وعمر ! رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني

مجاشع ، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع : لا أحفظ اسمه ( 2 ) - . فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي . قال : ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم . . ) الآيات .

قال ابن الزبير ، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه ، ولم يذكر ذلك عن أبيه ، يعني أبا بكر ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة الحجرات : 1 - 4 .
( 2 )
هو القعقاع بن معبد ، كما في المصادر الأخرى .
( 3 )
صحيح البخاري - كتاب التفسير - 6 : 243 / 339 و 341 ، سنن الترمذي 5 : 387 / 3266 ،
سنن النسائي
- كتاب آداب القضاة - 8 : 226 ، الواحدي في أسباب النزول : 215 ، السيوطي في لباب النقول : 194 ،
وفي الدر المنثور 7 : 546 و 547 ، تفسير الثعالبي 4 : 185 ، تفسير الطبري 26 : 76  = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 264

فإن صح قول ابن الزبير هذا ، فماذا يقول في كلام عمر في هذه " الرزية " ؟ !

وبأي شئ يعتذر معتذر لعمر قوله هذا ، الذي راح بعضهم يستبدله بألفاظ قد تحتمل الألسن قراءتها ، وإن لم ترتضيها القلوب المؤمنة ، فيقول : فقال عمر : غلبه الوجع أو كلمة بهذا المعنى ! فهل سيكفي هذا عذرا له ؟

أم بماذا يفسرون قوله : عندكم القرآن ، وحسبنا كتاب الله ؟ !

هل أراد بهذا إلغاء السنة النبوية كليا ، والإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحديثه ، اكتفاء بالقرآن ؟

لا أظن أن أحدا سيرضى لعمر مثل هذا ، فيتابعه عليه ، ولا أحسبه أراد هذا ، لعلمه بأنه كفر صريح لا يخفى على أحد . فماذا بقي ؟ . . لم يبق سوى أنه أراد أن يصرف الأمر عما يتبادر إلى أذهان الصحابة فورا ، وهم يسمعون قوله صلى الله

عليه وآله وسلم : " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " فإنه يتبادر إلى أذهانهم لأول وهلة حديث رسول الله في حجة الوداع : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي " .

وهذا وحده هو المعنى المقبول ، والذي يؤيده : موافقة الكثير منهم لعمر ، حيث لا تخفى كراهة بعضهم أن يكون هذا الأمر في أهل بيت النبي ، كما صرحوا بذلك غير مرة .
 

 

* ( هامش ) *
= وليس فيه كلام ابن الزبير ، وابن الأثير في جامع الأصول 2 : 431 - 433 . وقول البخاري " عن أبيه ، يعني أبا بكر " هو عند غيره " عن جده " وهو الصواب ، فعبد الله هو ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 265

ولقد صرح عمر - نفسه - بهدفه هذا وأفشاه لعبد الله بن عباس ، إذ سأله يوما وهما يتحدثان ، فقال : يا عبد الله ، عليك دماء البدن إن كتمتها : هل بقي في نفس علي شئ من من أمر الخلافة ؟ قال - ابن عباس - قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول

الله نص عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عما يدعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان في رسول الله من أمره ذرو من قول ( 1 ) لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح

باسمه ، فمنعت من ذلك إشفاقا ، وحيطة على الإسلام ! ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ( 2 ) ! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه ، فأمسك ! ( 3 )


وقد ذكر هذه القصة الدكتور نوري جعفر في كتابه ( علي ومناوئوه ) ثم علق عليها بقوله : وإذا صحت هذه الرواية فإن عمر يبدو كأنه أحرص على الإسلام من نبيه ، وهو أمر كان المفروض في عمر أن لا يهبط إليه ( 4 ) .

ولو فرضنا عدم صحة عذر عمر في هذه القصة ، وأن عمر لم يهبط إليه ، فقد هبط إليه كل من أراد أن يجد له عذرا ، إذ لم يجدوا عذرا غيره ، فاتفقوا على أنه قالها إشفاقا وحرصا على الإسلام ! وبلفظ يناسب طبعه الغليظ ( 5 ) !

وأما النص الذي اختاره الشهرستاني ( 6 ) فهو قوله : هي اختلافات
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ذرو من قول : طرف منه - أقرب الموارد 1 : 368 .
( 2 )
لماذا ؟ سيأتي جوابه في محله عن عمر أيضا .
( 3 )
شرح ابن أبي الحديد 12 : 21 .
( 4 )
علي ومناوئوه : 39 .
( 5 )
أنظر شرح ابن أبي الحديد 1 : 183 .
( 6 )
في الملل والنحل - المقدمة الرابعة - 1 : 29 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 266

اجتهادية كما قيل ، كان غرضهم منها : إقامة مراسم الشرع ، وإدامة مناهج الدين . ولست أراه عذرا أقبح من الفعل .

فهل إن إقامة مراسم الشرع ، وإدامة مناهج الدين ستتم بإعراضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واتباع ما نجتهده من آرائنا ؟ ! أم أن قوله - إنه يهجر ، حسبنا كتاب الله - أبقى على شئ من مراسم الشرع ومناهج الدين ؟ وقد أوضح معناه

ابن الأثير وهو يظن أنه قد تناول العذر ، فقال في مادة - هجر - : ومنه حديث مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قالوا : " ما شأنه ؟ أهجر ؟ " أي اختلف كلامه بسب المرض ، على سبيل الاستفهام . أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به

من مرض ؟ وهذا أحسن ما يقال فيه ، ولا يجعل إخبارا ، فيكون : إما من الفحش ، أو الهذيان ، والقائل كان عمر ، ولا يظن به ذلك ( 1 ) .

والأشد غرابة ، أن صاحب الملل والنحل قد ساق اعتذاره هذا - بأنها اختلافات اجتهادية - بعد خمس صفحات وبضعة أسطر فقط من كلام له جاء فيه : اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليفة : شبهة إبليس لعنه الله ، ومصدرها : استبداده بالرأي في

مقابلة النص ( 2 ) ؟ بل بعد أسطر فقط من استنكاره الشديد لاستعمال الرأي في مقابلة النص ، حيث قال في معرض ذكره ذا الخويصرة التميمي واعتراضه على حكم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النهاية 5 : 246 ، وعنه في لسان العرب - هجر - 5 : 254 .
( 2 )
الملل والنحل - المقدمة الثالثة - 1 : 23 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 267

النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة قسمها ، فرد عليه ، ثم احتج لرده ، فقال : أو ليس ذلك - يعني قول ذي الخويصرة - حكما بالهوى في مقابلة النص ، واستكبارا على الأمر بقياس العقل ( 1 ) ؟ !

ولسنا نغفل أن إبليس كان من المقربين ، بل هو ( طاوس الملائكة ) وإذا ذكر من له منزلة كهذه يقال : عليه السلام ، حتى
إذا استبد برأيه في مقابلة النص ، أصبحنا نقول : لعنه الله ! وأن ذا الخويصرة كان صحابيا ينبغي الترضي عنه ! فكيف جاز

لأولئك استعمالهم الرأي في مقابلة النص ، وإعراضهم عن أمر النبي بقياس العقل ، بينما كان هذا سببا في حلول اللعنة الأبدية على إبليس ، وفي هلاك ذي الخويصرة الذي كان له من الصحبة ما لم يكن لكثير ممن نترضى عنهم ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في السطر الثامن من الصفحة 28 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب