|
رزية يوم الخميس |
|
|
يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! قال الشهرستاني في ( الملل والنحل ) في ذكر الاختلافات الواقعة بين الصحابة في حال مرضه ، وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم : فأول تنازع وقع في مرضه عليه السلام : فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري ، بإسناده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، قال : لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي مات فيه ، قال : " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فقال عمر : إن رسول الله قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله . وكثر اللغط ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
" قوموا عني ، لا ينبغي عندي التنازع " . قال ابن عباس : الرزية كل
الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
( 2 ) ! وفي رواية أخرى : عن سعيد بن جبير ، قال
:
قال ابن عباس : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى . فقلت : يا ابن عباس ، وما يوم الخميس ؟ قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه ، فقال : " ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي " فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبي تنازع ، وقالوا : ما شأنه ، أهجر ؟ استفهموه ! قال : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير " ( 1 ) .
( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . إلى قوله تعالى : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) ( 1 ) ؟ أم أنهم نسوا فيمن نزلت تلك الآيات ؟ سألت البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وأصحاب النزول ، وآخرين ، فأجابوا جميعا : أنها نزلت في أبي بكر وعمر ، وقد اختصما ، وعلت أصواتهما في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه قصتهما كما يرويها البخاري : عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيران أن يهلكا : أبا بكر وعمر ! رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع : لا أحفظ اسمه ( 2 ) - . فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي . قال : ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم . . ) الآيات . قال ابن الزبير
، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية حتى
يستفهمه ، ولم يذكر ذلك عن أبيه ، يعني أبا بكر ( 4 )
.
فإن صح قول ابن الزبير هذا ، فماذا يقول في كلام عمر في هذه " الرزية " ؟ ! وبأي شئ يعتذر معتذر لعمر قوله هذا ، الذي راح بعضهم يستبدله بألفاظ قد تحتمل الألسن قراءتها ، وإن لم ترتضيها القلوب المؤمنة ، فيقول : فقال عمر : غلبه الوجع أو كلمة بهذا المعنى ! فهل سيكفي هذا عذرا له ؟ أم بماذا يفسرون قوله : عندكم القرآن ، وحسبنا كتاب الله ؟ ! هل أراد بهذا إلغاء السنة النبوية كليا ، والإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحديثه ، اكتفاء بالقرآن ؟ لا أظن أن أحدا سيرضى لعمر مثل هذا ، فيتابعه عليه ، ولا أحسبه أراد هذا ، لعلمه بأنه كفر صريح لا يخفى على أحد . فماذا بقي ؟ . . لم يبق سوى أنه أراد أن يصرف الأمر عما يتبادر إلى أذهان الصحابة فورا ، وهم يسمعون قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " فإنه يتبادر إلى أذهانهم لأول وهلة حديث رسول الله في حجة الوداع : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي " . وهذا وحده هو المعنى المقبول ، والذي يؤيده : موافقة الكثير
منهم لعمر ، حيث لا تخفى كراهة بعضهم أن يكون هذا الأمر في أهل بيت النبي ، كما
صرحوا بذلك غير مرة .
ولقد صرح عمر - نفسه - بهدفه هذا وأفشاه لعبد الله بن عباس ، إذ سأله يوما وهما يتحدثان ، فقال : يا عبد الله ، عليك دماء البدن إن كتمتها : هل بقي في نفس علي شئ من من أمر الخلافة ؟ قال - ابن عباس - قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول الله نص عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عما يدعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان في رسول الله من أمره ذرو من قول ( 1 ) لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه ، فمنعت من ذلك إشفاقا ، وحيطة على الإسلام ! ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ( 2 ) ! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه ، فأمسك ! ( 3 )
ولو فرضنا عدم صحة عذر عمر في هذه القصة ، وأن عمر لم يهبط إليه ، فقد هبط إليه كل من أراد أن يجد له عذرا ، إذ لم يجدوا عذرا غيره ، فاتفقوا على أنه قالها إشفاقا وحرصا على الإسلام ! وبلفظ يناسب طبعه الغليظ ( 5 ) ! وأما النص الذي اختاره الشهرستاني (
6 ) فهو قوله : هي اختلافات
اجتهادية كما قيل ، كان غرضهم منها : إقامة مراسم الشرع ، وإدامة مناهج الدين . ولست أراه عذرا أقبح من الفعل . فهل إن إقامة مراسم الشرع ، وإدامة مناهج الدين ستتم بإعراضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واتباع ما نجتهده من آرائنا ؟ ! أم أن قوله - إنه يهجر ، حسبنا كتاب الله - أبقى على شئ من مراسم الشرع ومناهج الدين ؟ وقد أوضح معناه ابن الأثير وهو يظن أنه قد تناول العذر ، فقال في مادة - هجر - : ومنه حديث مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قالوا : " ما شأنه ؟ أهجر ؟ " أي اختلف كلامه بسب المرض ، على سبيل الاستفهام . أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من مرض ؟ وهذا أحسن ما يقال فيه ، ولا يجعل إخبارا ، فيكون : إما من الفحش ، أو الهذيان ، والقائل كان عمر ، ولا يظن به ذلك ( 1 ) . والأشد غرابة ، أن صاحب الملل والنحل قد ساق اعتذاره هذا - بأنها اختلافات اجتهادية - بعد خمس صفحات وبضعة أسطر فقط من كلام له جاء فيه : اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليفة : شبهة إبليس لعنه الله ، ومصدرها : استبداده بالرأي في مقابلة النص ( 2 ) ؟ بل بعد
أسطر فقط من استنكاره الشديد لاستعمال الرأي في مقابلة النص ، حيث قال في معرض
ذكره ذا الخويصرة التميمي واعتراضه على حكم
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة قسمها ، فرد عليه ، ثم احتج لرده ، فقال : أو ليس ذلك - يعني قول ذي الخويصرة - حكما بالهوى في مقابلة النص ، واستكبارا على الأمر بقياس العقل ( 1 ) ؟ ! ولسنا نغفل
أن إبليس كان من المقربين ، بل هو ( طاوس الملائكة ) وإذا ذكر من له منزلة كهذه
يقال : عليه السلام ، حتى لأولئك استعمالهم الرأي في مقابلة النص ، وإعراضهم عن أمر
النبي بقياس العقل ، بينما كان هذا سببا في حلول اللعنة الأبدية على إبليس ،
وفي هلاك ذي الخويصرة الذي كان له من الصحبة ما لم يكن لكثير ممن نترضى عنهم ؟
!
|
|