حوار - اسئلة حرة - أول سبة في الإسلام

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 273

أسئلة حرة : أسئلة حرة ، تبث بها الفطرة ، بحثا عن موضع قدم من بين تلك اللجج . ولها أن تسأل لتهتدي ، وليس لأحد إلجامها بعد ما أذن الله لها ، وأمرها بذلك : فقال تعالى : ( أفلا تذكرون ) ( 1 ) . وقال تعالى : ( أفلا تعقلون ) ( 2 ) .

وقال جل جلاله : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( 3 ) . وقال حبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " ( 4 ) . وقال وليه ، أخو رسوله : " إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ، ولكن

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يونس 3 ، هود 24 ، 30 ، النحل : 17 ، المؤمنون : 85 ، الصافات : 155 ، الجاثية : 23 .
( 2 )
البقرة : 44 ، 76 ، آل عمران : 65 ، الأنعام : 32 ، الأعراف : 169 ، يونس : 16 ، هود : 51 ومواضع أخرى .
( 3 )
سورة محمد ( ص ) : 24 .
( 4 )
الكافي 2 : 45 / 2 ( باب التفكر ) ، كنز العمال 3 ح / 5711 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 274

اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف من أتاه " ( 1 ) .

فلنا إذن أن نفتش عن كلمة الحق ، فنأخذها ، وعن الخطوة الحق ، فنقفوا أثرها ، وندع ما سوى ذلك لأهله ، ولكل إلى ربه معاد . وقد لا يكون دقيقا قولنا : إن التعرض لأصحاب النبي هو من خلاف التقوى إذ إن الأمر هو من خلاف الدين ، أما

التقوى فمرحلة متقدمة من مراحل الإيمان ، ذلك إن كان تعرضا لأجل التعرض ليس إلا ، أو لمل ء الفراغ بما ليس منه جدوى ، أو ركوبا على مطية الهوى . أما حين يكون بحثا عن الهدى ، ولأجل أن نعرف من هم أولياء الله حقا ومن الذي

انتحل هذا اللقب ، أو منحه من غير ما استحقاق ، فنوالي الصالحين ونجافي المعاندين ، فعندئذ يكون بحثنا من صلب الدين ، ومن مخ العبادة . وليس في هذا فرصة للخلاف ، وإلا فبأي معنى سيكون من أولياء الله ونحن لا نعرف من هم أولياؤه حقا ،

فنواليهم ، ولا ندري من هم أعداؤه ، فنعاديهم ؟ ولعله استدل بحديث كثير على وجوب تجنب ما من شأنه المساس بأي ممن أدرك النبي ، وأسلم على عهده ، فصح أن يسمى ( صحابيا ) .

ومن ذلك : حديث : " احفظوني في أصحابي " . وحديث : " لا تسبوا أصحابي " . وحديث : " أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم " . وحديث : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " وأمثال هذا .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 210 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 275

ترى - إن كان الأمر كذلك - فمن أين أتى هذا الطعن على الصحابة ؟
ومن الذي وضع أسه ، وأشاد بنيانه ؟
أنحن ، أهل هذه الأجيال المتأخرة كنا وراء كل ذلك ، أم سبقنا إليه قوم آخرون ؟

بحثت بجد فلم أجد حادثة في هذا الباب - بعد غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم - سبقت ما كان من عمر بن الخطاب في سعد بن عبادة يوم السقيفة : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا .

فكانت هذه هي أول سبة عرفها المسلمون فيما بينهم ، وجثمان النبي الطاهر لم يودع بعد ! والذي تلقاها هو أحد النقباء ، ومن أصحاب الشجرة ، وممن شهد المواضع كلها ، أو جلها .

ثم أعقب هذا بقليل إحاطة بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، وانتهاكه ، وما صحب ذلك من تفاصيل تعدى ذكر أهمها . ثم ما وقع من عمرو بن العاص ، وجماعة من مسلمة الفتح بحق الأنصار من نيل ، وطعن ، وانتقاص كاد يثير فتنة كبيرة لولا أن دفع الله ذلك على لسان علي بن أبي طالب ، والقثم بن العباس ، وخالد بن سعيد بن العاص ( 1 ) .


ثم جاءت ( الدرة ) التي لم ينج منها إلا من رحم ربي . الدرة التي كانت تقع على رؤوس المهاجرين ، والأنصار ، والبدريين ، وأصحاب الشجرة ، فلا تتردد في النيل من كرامة أحدهم ، أو أذاه ! وأحداث أخرى تعاقبت ، سنمر على بعضها بالإشارة دون التفصيل . وربما تعدى على أكثرها شهرة وصدى مقالة أم المؤمنين عائشة في الخليفة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد 6 : 17 - 45 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 128 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 276

عثمان : ( هذا قميص رسول الله لم يبل بعد وقد أبلى عثمان سنته ! ) . ( اقتلوا نعثلا فقد كفر ) .

ثم هل هناك أشهر من سبهم عليا وحسنا وحسينا عليهم السلام على المنابر عقودا من الزمن ؟ حتى صار ذلك سنة تتوارثها الأجيال ، جيل عن جيل ، ولو لا أن سخر الله لها عمر بن عبد العزيز فمنعها لبقيت جارية في أمتنا إلى يومنا هذا ، ولألفيتنا

نعتقد أنها واحدة من سنن الدين ! وماذا عساه يستغرب المرء من هذا القول ، ألم يكن ذلك الإعتقاد ساريا بين أجدادنا من أبناء تلك العصور ، حتى كان خطباؤهم ، وعامتهم يتقربون به إلى الله ؟

حدث أبو سلمة المثنى بن عبد الله الأنصاري - أخو محمد بن عبد الله الأنصاري - قال : قال لي رجل : كنت بالشام ، فجعلت لا أسمع أحدا يسمي : عليا ، ولا حسنا ، ولا حسينا ، وإنما أسمع : معاوية ، ويزيد والوليد . قال : فمررت برجل

على باب داره ، وقد عطشت فاستسقيته ، فقال : يا حسن ، اسقه . فقلت له : أسميت حسنا ؟ فقال : إي والله ، إن لي أولادا أسماؤهم حسن ، وحسين ، وجعفر ، فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ، ولا يزال أحدنا يلعن ولده ويشتمه ،

وإنما سميت أولادي بأسماء أعداء الله ، فإذا لعنت فإنما ألعن أعداء الله . فقلت له : ظننتك خير أهل الشام ، وإذا جهنم ليس فيها شر منك ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) معجم الأدباء 14 : 128 - 129 ، ورواها الذهبي في سير أعلام النبلاء ، الترجمة 113 ج 10 : 402 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 277

وأمثال هذا كثير ، فلقد كان بين أن ملك معاوية فسن هذه " السنة " سنة ( 40 ) للهجرة ، وبين أن ولي عمر بن عبد العزيز سنة ( 99 ) فمنع منها ستين عاما ، فكيف لا تدين بها أمة ما زالت تتلقاها من أفواه أمرائها وخطبائها ستين عاما ؟

وكان ذلك واحدا من القرون الثلاثة التي ذكرت في الحديث ، أنها خير القرون . فما الذي أريد من تلك القرون ؟
أم أي يوم يعظمون ؟
أيوم قتل فيه أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ، أخو رسول رب العالمين ، لينزو بنو أمية على منابر المسلمين ؟

أم يوم فتنة الجمل ، وعشرات الآلاف من القتلى ، كلهم من أهل تلك القرون ، بين صحابي وتابعي ؟

وليس بخفي ما يعقب القتل من ترميل النساء ، وإيتام الأطفال ، والشدائد والضياع . أم يوم فتنة الدار ، ومقتل الخليفة عثمان بن عفان ؟

أم يوم أغير على آل رسول الله بعيد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ؟

أذلك القرن يريدون ، أم قرنا قتل فيه أبناء المصطفى و فيهم سبطه وريحانته ، سيد شباب أهل الجنة ، وسبيت بنات الزهراء : زينب ، و أم كلثوم ، ومن معهن من نساء أهل البيت ، وآل أبي طالب ، حتى لم يبق بيت له برسول الله صلة إلا وضجت فيه النوائح ، وسكنته الأحزان والآلام ؟ !

أم قرنا أبيحت فيه مدينة رسول الله المنورة في وقعة الحرة الشهيرة ، فقتل الأصحاب والتابعون ، ونهبت الأموال ، وبقرت بطون الحوامل ، وهتكت الأعراض حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن ( 1 ) ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الإمامة والسياسة : 209 - 220 ، الكامل في التاريخ 4 : 111 - 119 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 250 ،
العقد الفريد
5 : 128 ، الجوهر الثمين : 78 - 79 ، تعجيل المنفعة للعسقلاني : 453 - ترجمة يزيد بن معاوية - . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 278

فهل المراد من " خير القرون " تعظيم كل ذلك ، وتقديسه ، والاقتداء به ؟ إن قيل هذا فليس لأحد إن يرد على مانعي الزكاة بعد وفاة النبي ، بل وحتى الذين ارتدوا عن الإسلام جهارا ، لأنهم جميعا من أهل القرن الأول ، وممن أدرك النبي صلى الله

عليه وآله وسلم ورآه ، وسمع حديثه ! فلما لم يقل بهذا أحد من أهل القبلة علمنا أنه ليس المراد تعظيم كل ما حدث في تلك القرون ، كما أنه لا يصح تعظيم كل فرد من أهل تلك القرون وحفظ جانبه من أن ينال بشئ . وليس هذا فقط ، بل لا يصح

أيضا الاعتقاد بأن أولئك جميعا هم أفضل ممن يأتي بعدهم ، ناهيك عن أنبياء وصديقين عاشوا قبلهم ورحلوا . فهل يمكن أن يكون المراد أن الصالحين من أهل تلك القرون هم أفضل على الإطلاق ممن سيأتي بعدهم ؟ سوف لا أكون إلا مذكرا حين

أقول : إن العكس أقرب للصواب - لما جاء في صحاح الأحاديث - باستثناء من جاءت النصوص بتفضيلهم . فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " طوبى لمن رآني وآمن بي ، ثم طوبى ، ثم طوبى ، ثم طوبى لمن آمن بي

ولم يرني " ( 1 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " طوبى لمن آمن بي ورآني مرة ، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات " ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 3 : 71 ، كنز العمال 1 ح / 249 .
( 2 )
مسند أحمد 3 : 155 ، 5 : 248 ، 257 ، كنز العمال 1 ح / 250 ، مجمع الزوائد 10 : 67
وقال : رواه أحمد والطبراني بأسانيد رجالها رجال الصحاح غير أيمن بن مالك الأشعري وهو ثقة . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 279

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم : " وددت أني لقيت إخواني " فقال أصحاب النبي : أو ليس نحن إخوانك ؟ قال : " أنتم أصحابي ، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني " ( 1 ) .

ثم يأتي هذا التفضيل صريحا في حديث صحيح ، هذا نصه : عن أبي جمعة ، قال : تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، أحد أفضل منا ، أسلمنا معك ، وجاهدنا معك ؟ قال : " نعم ، قوم يكونون من بعدي ، يؤمنون بي ولم يروني " ( 2 ) .
 

ويأتي مفصلا في حديث آخر رجاله رجال الصحاح ، أخرجه الهيثمي عن عمر بن الخطاب ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا ، فقال : " أنبؤوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا " . قال : يا رسول لله ، الملائكة . قال : " هم كذلك ،

يحق لهم ذلك ، وما يمنعهم من ذلك وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها ؟ بل غيرهم " . قالوا : " يا رسول الله ، الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة . قال : " هم كذلك ، ويحق لهم ذلك ، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالمنزلة التي أنزلهم بها ؟

" . قالوا : " يا رسول الله ، الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء . قال : " هم كذلك ، ويحق لهم ، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة ؟ بل غيرهم " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 3 : 155 .
( 2 )
مسند أحمد 4 : 106 - وأخرجه في الصفحة ذاتها من طريق أبي المغيرة - ،
مسند أبي يعلى
3 : 128 ، أسد الغابة 5 : 159 ، مجمع الزوائد 10 : 66 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 280

قالوا : فمن ، يا رسول الله ؟ قال : " أقوام في أصلاب الرجال ، يأتون من بعدي ، يؤمنون بي ولم يروني ، ويصدقوني ولم يروني ، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه ، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا " ( 1 ) .


ومرة أخرى يأتي هذا التفصيل مشرقا لا ضباب عليه ، فبينما تراه صلى الله عليه وآله وسلم بشيرا لمؤمنين " لم يأتوا بعد " تراه نذيرا بليغا لمن كان حوله ! إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم يوما وأصحابه من حوله قال : " وددت أنا قد رأينا إخواننا

" . فقالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ؟ قال : " بل أنتم أصحابي ، وإخواني الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على
الحوض " . فقالوا : يا رسول الله ، كيف تعرف من لم يأت من أمتك بعد ؟ قال : " أرأيت لو أن رجلا كان له خيل غر

محجلة ( 2 ) بين ظهراني خيل بهم دهم ( 3 ) ألم يكن يعرفها ؟ " . قالوا بلى . قال : " فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض - ثم قال - ألا ليذادن رجال منكم عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنهم بدلوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا " ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أبي يعلى 1 : 147 / 160 ، مجمع الزوائد 10 : 65 ،
وأخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 85 في - ذكر فضائل الأمة بعد الصحابة والتابعين - وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
( 2 )
الغرة : بياض الوجه والمحجل : الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد . النهاية 1 : 346 .
( 3 )
البهم : جمع البهيم ، وهو الذي لا يخالط لونه لون سواه ، والدهم : من الدهمة وهي السواد . انظر الصحاح : مادة ( بهم ) ( دهم ) .
( 4 )
هذا نص مسند أحمد 2 : 300 ، ومسند أبي يعلى 11 : 387 / 662 - ( 6502 ) ، وهو في صحيح = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 281

فماذا بقي بعد ؟ نعم ، إن أحدا لا يشك في أن قرنا عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو خير القرون . فأي زمن هذا الذي يضاهي زمنا أطل فيه نور المصطفى على العالمين ! زمنا فيه بهجة الخلائق ، الرحمة المهداة ، إمام الأنبياء ،

وسيد المرسلين ! زمنا ما زالت رسل السماء فيه تتوافد على رسول الله وأمينه في أرضه ، ونور الإسلام ينتشر في الآفاق فيملأ قفارها خيرا وعطاء وحبا وعزة وصفاء ! وحسبك فيه أنه عهد المصطفى المختار ، وكفى . فطوبى لمن أدركه ثم رعاه

، فإن صحبة المصطفى شرف لا يضاهى لمن حفظ له حقه ، ولكنه وبال على من فرط فيه ، وضيعه ! روى البخاري عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت : طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه

وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة . فقال : يا بن أخي ، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده ! صلى الله عليه وآله وسلم ( 1 ) ! إذن ، هل يصح أن يكون كل رجل منهم بمنزلة النجم ، إذا اقتدينا به اهتدينا ؟ إن كان الأمر كذلك فعلى أي شئ هرعوا مسرعين

نحو سقيفة بني ساعدة ليدركوا الأنصار قبل أن يبايعوا خليفة من بينهم ؟ وكان الأنصار قد مالوا إلى سيدهم سعد بن عبادة ، ألم يكن سعد
 

 

* ( هامش ) *
= مسلم 1 : 218 / 249 كتاب الطهارة ، وسنن ابن ماجة - كتاب الزهد - 2 : 1439 / 4306 ،
والموطأ 1 : 28 / 28 - كتاب الطهارة باختلاف يسير في اللفظ . ( صحيح البخاري - باب غزوة الحديبية 5 : 264 ح / 197 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 282

كأحدهم ، وقد شهد المواضع كلها مع النبي ؟ فلم استنكروا البيعة له كل هذا الاستنكار ، وتصدوا لها بكل ما يملكون من قوة ، حتى كادت تنشب الفتنة فلا تهدأ إلا عن رماد وحطام ؟ ثم لم يحفظوا رسول الله في سعد ! قال عمر بن الخطاب وهو يصف

بيعة السقيفة : ثم نزونا ( 1 ) على سعد ، حتى قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعدا ( 2 ) ! وسعد بن
عبادة - هذا الذي وطؤوه وشتموه - إنما هو أحد النقباء ، ومن أصحاب بدر وبيعة الشجرة ! قال ابن عباس : كان لرسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم في المواطن كلها رايتان : مع علي راية المهاجرين ، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار . وروى أحمد عن قيس بن سعد ، قال : زارنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الحديث - ثم رفع يديه ، فقال : " اللهم اجعل

صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة " ( 3 ) . فلماذا كتب " الهدى " و " النجاة " لمن تابع عمر في بيعته لأبي بكر ، ولم يكتب من ذلك شئ لمن تابع سعدا الذي أعرض عنهما ، ولم يبايع لأحد منهما حتى توفي على عهد عمر مخاصما له ( 4 ) ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أي وقعنا عليه ووطئناه . انظر لسان العرب ( نزا ) 15 : 320 .
( 2 )
صحيح البخاري - كتاب الحدود - 8 : 304 ح / 25 ، تاريخ الطبري 3 : 201 ، الكامل في التاريخ 2 : 328 ،
تاريخ اليعقوبي
2 : 124 ، البداية والنهاية 5 : 216 ، ابن أبي الحديد 2 : 25 ، الرياض النضرة 1 : 234 ،
سيرة ابن هشام
4 : 310 ، جامع الأصول 4 : 471 .
( 3 )
أنظر ترجمة سعد بن عبادة في : أسد الغابة 2 : 283 ، الإصابة 3 : 80 / 3167 ، الطبقات الكبرى 3 : 613 ،
تهذيب الكمال
10 : 277 / 2214 .
( 4 )
الكامل 2 : 331 ، الطبري 3 : 210 ، أسد الغابة 2 : 284 ، الإصابة 3 : 80 ، تهذيب الكمال 10 : 281 ،
تاريخ ابن خلدون
2 : 488 ، الطبقات الكبرى 3 : 616 - 617 ، سير أعلام النبلاء 1 : 277 ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 283

أليسوا جميعا كالنجوم ، بأيهم اقتدينا اهتدينا ؟ - وهل يناقض كلام رسول الله بعضه بعضا ؟ فهو صلى الله عليه وآله وسلم القائل لعمار بن ياسر : " تقتلك الفئة الباغية " ( 1 ) .

والفئة الباغية هذه إنما كان يقودها صحابيان : معاوية ، وعمرو بن العاص ! فهل يكون الباغي مهتديا ؟ إذن كيف سيعرف الحق ؟ وأين سيكون الدين ؟ - وإن كان لسائر الصحابة مثل هذه المنزلة ، فكيف جاز لعمر أن يقبل الدعوى على المغيرة بن

شعبة بالزنا ، ثم استدعى الشهود ، وأجلسهم للخصومة ، حتى شهد منهم ثلاثة وتلكأ الرابع ( 2 ) ؟ ! ولماذا أجاز شهادتهم على قدامة بن مظعون الأنصاري في شرب الخمر ، ثم أقام عليه الحد ، فجلده ( 3 ) ؟ ولماذا لم يستبعد ذلك منهما ، ويحكم باستحالته عليهما لما كان لهما من الصحبة والسابقة ؟ فقد كان قدامة بن مظعون ممن شهد بدرا ( 4 ) ، والمغيرة قد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري - كتاب الصلاة 1 : 194 ، صحيح مسلم - كتاب الفتن 4 : 2235 / 70 ، 72 ، 73 ،
مسند أحمد
2 : 161 ، 164 ، وعدة مواضع أخرى ، وترجمة عمار بن ياسر في جميع كتب التراجم والسير .
( 2 )
المستدرك 3 : 448 ، الكامل في التاريخ - أحداث السنة السابعة عشر - 2 : 540 ،
تاريخ الطبري
4 : 206 ، البداية والنهاية 7 : 83 ، ابن أبي الحديد 12 : 231 .
( 3 )
أسد الغابة 4 : 199 ، الإصابة 5 : 233 ، الطبقات الكبرى 5 : 560 ، ابن أبي الحديد 20 : 23 ،
 سير أعلام النبلاء
1 : 161 ، البداية والنهاية 7 : 107 ، الرياض النضرة 2 : 358 - 359 .
( 4 )
أسد الغابة 4 : 198 ، الطبقات الكبرى 5 : 401 ، الإصابة 5 : 232 ، سير أعلام النبلاء 1 : 161 = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 284

شهد بيعة الشجرة ( 1 ) ! فأين أصبح إذن حديث - أصحابي كالنجوم - ؟ هذا الحديث الذي لو صح على إطلاقه لامتلأت السنة بتناقض عجيب واضطراب لا تثبت معه قدم ، إذ سيختلط الحق بالباطل ، والهدى بالضلال ، ويصبح من المحال الفصل

بينها ، غير أنه قد أراحنا من هذا العناء من أثبت مرة سقوط هذا الحديث عن المنزلة التي يصح معها الإحتجاج به ، ومرة أثبت بطلانه : فقد روى المتقي الهندي الحديث في باب الإعتصام بالكتاب والسنة بهذا النص : " مهما أوتيتم من كتاب الله

فالعمل به لا عذر لأحد في تركه ، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية ، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي ، إن أصحابي كالنجوم في السماء فأيهم أخذتم اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة " . ثم عقب عليه ، فقال : ( ق ) - أي

أخرجه البيهقي - في المدخل ، وأبو نصر السجزي في الإبانة ، وقال : غريب . وأخرجه الخطيب ، وابن عساكر ، والديلمي ، عن سليمان بن أبي كريمة عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس - قال - وسليمان ضعيف ، وكذا جويبر ( 2 ) . فللحديث - إذا - طريقان : أحدهما غريب ، وهذا لا يحتج به . والآخر فيه ضعيفان ، فهو مردود .
 

 

* ( هامش ) *
= وقالوا : كان أحد السابقين الأولين هاجر الهجرتين وشهد بدرا .
( 1 )
أسد الغابة 4 : 406 ، الإصابة 6 : 131 وترجمة المغيرة في كافة مصادرها .
( 2 )
كنز العمال 1 : 198 / 1002 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 285

وأخرجه ابن حجر في ( لسان الميزان ) : وقال : أخرجه الدارقطني في غرائب مالك ، وقال : لا يثبت عن مالك ، ورواته مجهولون . قلت : وذكره ابن أبي حاتم عن أبي شهاب الحناط ، وعنه أحمد بن عبد الله بن قيس بن سليمان بن شريك المروزي ، وقال : سألت أبي عنه ، فقال : لا أعرفه ( 1 ) .


وأخرجه الذهبي وابن حجر أيضا من حديث جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، وبعد أن وصفاه بوضع الحديث قالا : ومن بلاياه حديث أصحابي كالنجوم ( 2 ) . نعم ، لو صح الحديث فإنه لا يكون إلا كما فسره الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

حيث سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وعن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " دعوا لي أصحابي " فقال : " هذا صحيح ، يريد : من لم يغير بعده ، ولم يبدل ! لما يروونه من أنه صلى الله عليه

وآله وسلم قال : ليذادن برجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرائب الإبل عن الماء ، فأقول : يا رب أصحابي ، أصحابي . فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : بعدا لهم ، وسحقا لهم " . أفترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل ( 3 ) ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) لسان الميزان 2 : 137 - 138 .
( 2 )
ميزان الاعتدال 1 : 413 ، لسان الميزان 2 : 117 - 118 .
( 3 )
عيون أخبار الرضا 2 : 87 / 33 وفي إسناده من لم يعرف حاله . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب