|
حديث العشرة المبشرة |
|
|
وحديث
العشرة المبشرة : هو أيضا من تلك الأحاديث التي صنعت لأجل نشر الغبار على
الحقيقة ! فهذا الحديث الذي راج رواجا عجيبا ليس له إلا طريقان : أحدهما
ينتهي إلى عبد الرحمن بن عوف ، والآخر إلى سعيد بن زيد ، وكلاهما من بين العشرة ! أما الطريق الأول : فهو محصور بعبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه حميد ابن عبد الرحمن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عوف ( 1 ) . وهذا إسناد باطل لأن حميد بن عبد الرحمن الزهري لم ير عبد الرحمن بن عوف ، ولم يدركه ! إذ إن عبد الرحمن بن عوف قد توفي سنة 32 ه ( 2 ) ، وإن حميد ابن عبد الرحمن الزهري قد توفي سنة 105 ه عن عمر 73 سنة ، فيكون قد ولد سنة 32 ، وهي سنة وفاة عبد الرحمن بن عوف ! وعلى رواية أنه توفي سنة 95 عن مثل هذا العمر ، فعليه يكون قد بلغ العاشرة من عمره سنة وفاة عبد الرحمن بن عوف ، وهذه أيضا لا تسعف الأمر ، لأن عمرا كهذا لا يرشحه لهذه الرواية ، فكيف أصبح - بعمره هذا - الراوي الأوحد ؟ أضف إلى ذلك أن أهل التصانيف في علم الرجال قد حكموا بأن روايته عن عثمان بن عفان منقطعة ، وأن روايته عن علي عليه السلام مرسلة ، هذا وإن عثمان قد توفي بعد عبد الرحمن بثلاث سنين ، وعاش علي بن أبي طالب بعده ثماني سنين . وأحصى ابن حجر من حدث عنهم
حميد الزهري من الصحابة ، وليس فيهم عبد الرحمن بن عوف (
3 ) ! . هذا هو إسنادهم الأول . وأما الإسناد الثاني : فقد روي مرة من
طريق عبد الله بن ظالم المازني عن سعيد بن زيد .
وعبد الله بن ظالم المازني هذا قال فيه ابن حجر : لينة البخاري ( 1 ) . وفي تاريخ البخاري الكبير ، قال : ليس له حديث إلا هذا - عشرة في الجنة - وبحسب أصحابي القتل ! ( 2 ) . وذكره العقيلي في الضعفاء ، وقال : قال البخاري : عبد الله بن ظالم ، عن سعيد بن زيد ، عن النبي ( ص ) : ولا يصح ( 3 ) . ورواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأخنس عن سعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن الأخنس قال عنه ابن حجر : مستور ( 4 ) . ومرة عن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن سعيد بن زيد ( 5 ) وفيها جميعا مع ما تقدم :
بعضها : لما قدم فلان الكوفة أقام فلانا خطيبا ، فأخذ بيدي
سعيد بن زيد ، فقال : ألا ترى إلى هذا الظالم - وذلك حين سمعه يسب عليا عليه
السلام - فأشهد على التسعة أنهم في الجنة فعدهم - قلت : ومن العاشر ؟ فتلكأ
هنيئة ، ثم قال : أنا . وجاء في رواية أخرى ، أنه كان في المسجد - في الكوفة -
فذكر رجل عليا فقام سعيد بن زيد ، الحديث .
هكذا إذن ظهرت هذه الروايات هنا لأول مرة ولم يسمع
بها أحد من قبل ! 2 - اضطرابها : فقد جاء في أكثرها ذكر النبي وتسعة معه ليس فيهم أبو عبيدة ، وذكر في بعضها أبو عبيدة ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! وفي بعضها عبد الله بن مسعود بدلا من أبي عبيدة ( 1 ) .
أو رجل من هذه المراتب ، ولكن الحقيقة غير هذه . فلندع الرواية تتكلم ، لتكشف بنفسها عن هويتها : ذكر المحب الطبري - في الرياض النضرة - فصلا في وصف كل واحد من العشرة يصفه حميدة ، وساق الحديث ، وذكر لكل واحد صفته إلى أن قال : " ولكل نبي صاحب سر ، وصاحب سري :
معاوية بن أبي سفيان ، فمن أحبهم فقد نجا ، ومن أبغضهم فقد هلك " ( 2 )
. فهل يستدعي الأمر - بعد هذا - أن نقول : إن هذه الروايات ومثيلاتها هي أيضا
من صنع الأمويين ، وأساطيرهم الكثيرة خدمة لدولتهم التي لا تقوم إلا على مثل
هذا ؟ !
إنها لحقيقة من أوضح الواضحات . 5 - وهذه الرواية
أيضا تقطع الطريق على تلك الروايات وهي أحسن منها إسنادا : فعن معاذ بن جبل ،
أنه لما حضرته سلام الذي كان يهوديا فأسلم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنه عاشر عشرة في الجنة ( 1 ) . وهذه الرواية صححها الحاكم والذهبي ، فينبغي أن يكون عبد الله بن سلام أحد العشرة المبشرة ، وعليه فلا بد من إخراج واحد أو اثنين ممن ضمتهم الروايات المتقدمة .
وقد أظهر بعض كتبه أهل البصرة يوم قدم إليهم يحثهم على قتال علي عليه السلام ، والطلب بثأر عثمان ، فقالوا له : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم . قالوا : فما ردك على ما كنت عليه ، وكنت بالأمس تكتب إلينا ، تؤلبنا على قتل عثمان ، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ( 1 ) ؟ ! وكان عثمان وهو محصور في بيته يقول : هذا ما أمر به طلحة ، اللهم اكفني طلحة فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي ، والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه ( 2 ) . وقد نكث طلحة والزبير بيعة عقداها راضيين بها ، متحمسين لها ! ثم انقلبا ، وخرجا على إمام زمانهما ! وجيشا عليه الجيوش ! وقاتلاه أشد القتال ! وكانا سببا في قتل الألوف من المسلمين من أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله ! والغريب أن يعتذر لهذا أصحاب التاريخ فيقولون : إنهم خرجوا طلبا للإصلاح ! ! فهل كانت البصرة منقلبة على فتنة ؟ أم أنهم استشاروا الإمام بشأن هذا الإصلاح فأذن لهم ؟ لا هذا ولا ذاك ! ومما روي من أحداث الجمل : أن عليا عليه السلام قد قال لطلحة - وقد تحادثا قبل التحام الحرب - : " أيها الشيخ ، اقبل النصح ، وارض بالتوبة
مع العار ، قبل أن يكون العار والنار " ( 3 )
! وقال عليه السلام في كتاب له بعثه إلى طلحة والزبير وهما في البصرة : " ارجعا
- أيها الشيخان - عن رأيكما ، فإن الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن
يجتمع العار والنار " ( 1 ) . وقبل أن يقع من ذلك كله شئ كان عمر قد أمر بقتل أصحاب الشورى جميعا إن مضت عليهم ثلاثة أيام ولم يبايعوا من بينهم خليفة ( 2 ) ! وأصحاب الشورى الذي انتخبهم عمر هم تمام العشرة المذكورين في الحديث : عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعلي بن أبي طالب ، ولم يبق من العشرة سوى سعيد بن زيد ، فكيف يأمر عمر بقتلهم جميعا وهو يشهد لهم بالجنة ؟ أم كيف جهلت أم المؤمنين عائشة أن عثمان مبشر بالجنة فصرحت بأنه قد كفر ، وأمرت بقتله ؟ ! ولقد كانت أشد الناس بغضا لعلي بن أبي طالب ، إلا ما قد يكون من معاوية وصاحبه ! فأعجب إذن للمحب الطبري وهو يروي حديث العشرة بإسناده المبتور إلى عائشة ( 3 ) ! ومن حديث عائشة أخرج أحمد في مسنده أنها قالت : سمعت رسول الله يقول : " رأيت عبد الرحمن بن
عوف يدخل الجنة حبوا " ( 4 ) فهل هذه هي منزلة المبشر بالجنة من بين سائر الناس
، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ؟ ومن العشرة المذكورين من أنزل فيه الله
: ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن
تحبط أعمالكم
وأنتم لا تشعرون ) ( 1 ) . ومنهم من نزل فيه قوله تعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) ( 2 ) وهو طلحة ( 3 ) . فكيف تجتمع هذه المتناقضات ؟ ! أما إذا أضفت حادي عشرهم - معاوية - فتلك مصيبة لا بد أن ننزه ديننا العظيم منها ، فإنه يكفي في معاوية محاربته " إمام المتقين " و " سيد المسلمين " و " قائد الغر المحجلين " ( 4 ) . ألم يأت في الحديث الشريف : " من
خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية . . . ومن خرج على أمتي
يضرب برها وفاجرها ، ولا يتحاشى مؤمنها ، ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست
منه " ( 5 ) ؟
ألم يأت في الحديث الشريف : " إذا بويع لخليفتين
فاقتلوا الآخر منهما " ( 1 ) . ألم يكن الصحابة هم أول المأمورين بهذا ، فلماذا
لم ينطبق شئ من هذا على الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ، ونكثوا عهدهم معه ،
وشقوا صف هذه الأمة يضربون برها وفاجرها ولا يتحاشون مؤمنا ، ويعقدون بيعة بعد بيعة ، والإمام الأول قائم مكانه ؟ ! . ألم يأت في الحديث الشريف : " من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا من كان " ( 2 ) ؟
قال ابن الأثير :
النكث : نقض العهد ، وأراد بهم أهل وقعة الجمل لأنهم كانوا بايعوا ثم نقضوا
بيعته وقاتلوه . وأراد بالقاسطين أهل الشام ، وبالمارقين الخوارج
( 4 ) . فماذا بقي من رواية العشرة المبشرة إذن ؟
!
|
|