مع الصحابة المضطهدين بعد النبي ( ص )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 294

معالم أخرى : لقد كان يكفي معاوية وأصحابه أيضا حملتهم الجريئة في وضع الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكتمان ما أمروا بنشره والعمل به من الحق ، وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " !


فكيف بمن أمر بالكذب عليه ، ووظف له الرجال ، والأموال ، وسفك دماء الصالحين الذين وقفوا بوجه حملته الجائرة ، وإن كانوا من خيرة الأصحاب ، كحجر بن عدي وأصحابه ؟ تلك السيول من الأحاديث التي وضعوها لتأتي بعدهم أجيال تدين بدين

الإسلام ، ولا ترى فضلا لعلي بن أبي طالب إمام المتقين على معاوية ، أو عمرو ابن العاص ، أو مروان ! وضعوها
لنسكت حين نرى أبا ذر الغفاري طريدا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن الذي يتولى إخراجه منها هو طريد رسول الله وابن طريده ، مروان بن الحكم ( 1 ) !


وعبد الله بن مسعود : حين يجر برجليه اللتين هما أثقل في الميزان من جبل أحد ( 2 ) من مسجد رسول الله ، وتضرب به الأرض حتى يكسر له ضلعان ! وكل ما جناه أنه لم يفتح بيت مال المسلمين في البصرة - وكان أمينا عليه -
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 171 - 173 ، تاريخ المدينة 3 : 1034 ، ابن أبي الحديد 1 : 199 ، 3 : 28 ، ومفصلا في صفحة 54 ،
أنساب الأشراف
: القسم الرابع : 542 - 545 ، الرياض النضرة 3 : 83 - 84 .
( 2 )
هكذا وصفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه ، انظر : الاستيعاب بهامش الإصابة 2 : 319 ،
أسد الغابة
3 : 257 ، الإصابة 4 : 129 ، الطبقات الكبرى 3 : 155 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 295

لبني أمية ليأخذوا منه ما يشاؤون ، حتى مات مغاضبا لعثمان ، وأوصى أن يصلي عليه عمار بن ياسر ( 1 ) ! ألم يكن عبد الله بن مسعود ممن هاجر الهجرتين ، وشهد المواضع كلها مع رسول الله ، وشهد بيعة الرضوان ( 2 ) ؟


وعمار بن ياسر : وقد حكم فيه مروان في مجلس الخليفة ! فضربوه ، حتى فتقوا بطنه ، فغشي عليه ( 3 ) !

وعبادة بن الصامت : وهو ممن شهد العقبة ، وأحد النقباء الاثني عشر ، شهد بدرا والمواضع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الذهبي : كتب معاوية إلى عثمان : إن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام ، فإما أن تكفه إليك ،

وإما أن أخلي بينه وبين الشام ! فما هي قصته ؟ قال : إن عبادة مرت عليه قطارة - من الإبل - وهو بالشام تحمل الخمر ، فقال : ما هذه ، أزيت ؟ قيل : لا ، بل خمر يباع لفلان ! فأخذ شفرة من السوق ، فقام إليها ، فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة ، فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ المدينة 3 : 1049 ، الطبقات الكبرى 3 : 150 - 158 ، أنساب الأشراف : القسم الرابع : 524 - 525 ،
ابن أبي الحديد
1 : 199 و 3 : 43 ، الرياض النضرة 3 : 84 .
( 2 )
أنظر ترجمة عبد الله بن مسعود في : الاستيعاب ، وأسد الغابة ، والإصابة ، والطبقات الكبرى ، وغيرها
( 3 )
تاريخ المدينة 3 : 1099 و 1100 و 1101 و 1102 ، أنساب الأشراف : القسم الرابع : 358 ،
الإستيعاب بهامش الإصابة
2 : 477 ، ابن أبي الحديد 3 : 50 ، الإمامة والسياسة 1 : 32 - 33 ، الرياض النضرة 3 : 85 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 296

 فأتاه أبو هريرة ، فقال : يا عبادة ، ما لك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل . فقال له عبادة : لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وألا يأخذنا في الله لومة لائم . فسكت أبو هريرة .

وكتب فلان إلى عثمان : إن عبادة قد أفسد علي الشام ( 1 ) ! ألم يكن هؤلاء من خيرة أصحاب رسول الله ، فلماذا لا نتذكر بحقهم حديث " احفظوني في أصحابي " ؟ ! أم إن هذه الأحاديث جاءت خاصة في حفظ معاوية ومروان وأمثالهما دون سائر الصحابة ؟ !

ولو توقف الأمر عند السكوت لكان أهون ، ولكن الداهية الدهواء ، والطامة الكبرى حين ينبري علماء المسلمين ! ليبرروا كل جريمة حدثت بأنها اجتهاد ، وأن الذي ارتكبها إنما هو مجتهد قد أخطأ في اجتهاده ، فله أجر اجتهاده هذا ! يقول ابن حزم

الأندلسي : وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي ، شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنه
علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو الغادية ( 2 ) - رضي الله عنه - متأول مجتهد مخطئ فيه ، باغ

عليه ، مأجور أجرا واحدا ( 3 ) ! وقال : فصح أن عليا هو صاحب الحق ، والإمام المفترضة طاعته ، ومعاوية مخطئ ، مأجور ، مجتهد . وقال قبلها : فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه ، وصحته إمامته
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سير أعلام النبلاء 2 : 9 - 10 ، الرياض النضرة 3 : 84 .
( 2 )
ورد في المصدر ، في الموضعين : أبو العادية - بالعين المهملة ، والصحيح ما أثبتناه عن الإصابة وغيرها .
( 3 )
الفصل في الملل والنحل 4 : 161 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 297

وأنه صاحب الحق ، وأن له أجرين : أجر الاجتهاد ، وأجر الإصابة . وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون ، مجتهدون مأجورون أجرا واحدا ( 1 ) . وأما في أمر قتلة عثمان فيقول : وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه ، لأنه لا مجال للاجتهاد في قتله ( 2 ) .


أما عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " قاتله وسالبه في النار " ( 3 ) فلقاتله أجر الاجتهاد ! أرأيت تحديا للدين أشد من هذا ؟
 

وخالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة - مالك يقول له : أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة ؟ ! - ثم تزوج بامرأته من ليلتها ، ولم يأذن لها بعدة ، اعتذر بقوله : تأولت ، فأصبت وأخطأت ( 4 ) . ولما أتي به إلى أبي بكر ، وقد أراد عمر أن

يقام عليه الحد ، قال له أبو بكر : هيه - يا عمر - تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد ( 5 ) ! ويمتد الأمر ، حتى أصبح يرمى بالكفر ! أو بالفسوق ! من تجرأ فقال : إن فلانا منهم قد أخطأ في كذا . حتى صار تنزيههم هذا عقيدة دخلت في الحدود

والأحكام ، والحلال والحرام . روى الذهبي : قال ابن الجنيد : سمعت يحيى بن معين يقول : تحريم النبيذ صحيح ، ولكن أقف ولا أحرمه ، فقد شر به قوم صالحون بأحاديث صحاح
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر 4 : 161 ، 163 ، ومثله كلام ابن كثير في البداية والنهاية 7 : 290 .
( 2 )
المصدر 4 : 161 .
( 3 )
سير أعلام النبلاء 1 : 420 ، 425 ، 426 . الطبقات الكبرى 3 : 261 ، أسد الغابة 4 : 47 ،
كنز العمال
13 : 531 / 7383 ، مجمع الزوائد 9 : 297 وقال : رجاله رجال الصحيح .
( 4 )
تاريخ اليعقوبي 2 : 132 .
( 5 )
الكامل في التاريخ 2 : 358 ، الفتوح لابن أعثم 1 : 25 - 26 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 298

وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح ( 1 ) . أليس هذا هو الغلو بعينه . أليس من التناقض أننا نحاول أن نثبت لهم العصمة عمليا ، مع أنك لا تجد لمبدأ العصمة محلا مع سيد الأنبياء والمرسلين ؟

ولماذا نستنكر أن يقال : إن فلانا منهم أخطأ في هذا الفعل ، أو ذاك القول ، وقد رضينا أن تحل اللعنة الكبرى على " طاوس الملائكة " ! وعلى العابد الزاهد الذي أوتي الاسم الأعظم ، أو بعضه ، حتى جعله الله مثلا لنا وعبرة ، فقال في كتابه العزيز

: ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) ( 2 ) .

أليس الله تعالى يقول : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) ( 3 ) ؟

ألم تحدثنا كتب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال : " ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب ، أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .

فأقول كما قال العبد الصالح : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سير أعلام النبلاء 11 : 88 . ( 2 ) الأعراف : 175 - 176 . ( 3 ) آل عمران : 144 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 299

وأنت على كل شئ شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " ( 1 ) ؟


ألم يبرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما صنع خالد في بني خزيمة إذ لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فقالوا : صبأنا ، فأخذهم قتلا وأسرا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : " اللهم ، إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين ( 2 ) ؟

فما بالنا لا نبرأ مما تبرأ منه نبينا ، ومن أمثاله ؟ بل أم الدواهي أننا نزعم أن سكوتنا عنها ورضانا هو التقوى ، وأما إنكارها فهو خوض فيما لا يصح الخوض فيه ! ! ونردد المقولة المنسوبة إلى الحسن البصري ، وقد سئل عن أصحاب معركة الجمل

، فقال : تلك وقعة لم يشترك سيفي بها ، فلا أريد أن أشرك لساني بها ! ناسين أن علينا أن نقتدي برسول الله ، لا غير !
(
ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) ( 3 ) .

ولقد أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقواما ، فوجب علينا حبهم ، وموالاتهم .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم 4 : 2194 / 58 ، وتقدم مثله كثير في حديث الحوض .
( 2 )
صحيح البخاري - كتاب المغازي - 5 : 321 / 339 و - كتاب الأحكام - 9 : 133 / 49 ،
وذكره أيضا في كتاب الجزية وكتاب الدعوات من صحيحه ، وسنن النسائي - كتاب آداب القضاء - 8 : 236
ومسند أحمد 2 : 151 ، وحياة الصحابة 2 : 422 ، وتاريخ الإسلام للذهبي - جزء المغازي - 568 .
( 3 )
الأحزاب : 21 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 300

فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله أمرني أن أحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم " . فقالوا : من هم ، يا رسول الله ؟ فقال " علي منهم - علي منهم - يكررها ثلاثا - وأبو ذر ، والمقداد ، وسلمان " ( 1 ) .

وقد غضب لأقوام ، فوجب علينا أن نغضب لغضبه ، ونرضى لرضاه : أخرج أحمد والحاكم : أنه كان بين خالد بن الوليد وعمار بن ياسر كلام ، فشكاه خالد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من يعاد عمارا يعاده الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله " ( 2 ) هذا والشاكي هو خالد ! .


وأخرج مسلم في صحيحه أن سلمان ، وصهيبا ، وبلالا كانوا قعودا ، فمر بهم أبو سفيان ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها . فقال لهم أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن أغضبتهم ، لقد أغضبت ربك " ( 3 ) هذا والشاكي هو أبو بكر !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الترمذي 5 : 636 / 3718 ، سنن ابن ماجة 1 : 53 / 149 ، المستدرك 3 : 130 ، مسند : أحمد 5 : 351 ،
أسد الغابة
4 : 410 ، الترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 : 172 / 666 ، الإصابة 6 : 134 ، الصواعق المحرقة : باب 9 : 122 ،
تاريخ الخلفاء
للسيوطي : 134 ، سير أعلام النبلاء 2 61 ، الرياض النضرة 3 : 188 ، مناقب الخوارزمي : 34 .
( 2 )
مسند أحمد 4 : 90 ، المستدرك 3 : 391 ، سير أعلام النبلاء 1 : 415 ، كنز العمال 13 : 533 / 37388 .
( 3 )
صحيح مسلم 4 : 1947 / 170 ، مصابيح السنة 4 : 211 / 4873 ، حياة الصحابة 2 : 443 ، سير أعلام النبلاء 2 : 25 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 301

وتقدم الحديث في غضبه صلى الله عليه وآله وسلم على من طعن في إمرة أسامة . أفإن غضبنا لغضبه صلى الله عليه وآله وسلم هنا وحفظنا كرامة أسامة وأبيه ، سنكون قد أخطأنا حين لم نوافق من طعن عليهما من الصحابة ؟ فإن أخطأنا ، فكفانا

أننا مع رسول الله ، وحاشاه أن يخالطه الخطأ . وإن أصبنا هنا ، فما لنا لا نكون قد أصبنا حين نغضب لمن هو أعظم منزلة من زيد ، ومن أسامة ؟ ! أعني : عليا ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين عليهم السلام . قال سعد بن أبي وقاص : كنت جالسا

في المسجد أنا ورجلان معي فنلنا من علي ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرف في وجهه الغضب ، فتعوذت بالله من غضبه ، فقال : " ما لكم وما لي ؟ ! من آذى عليا فقد آذاني " ( 1 ) .


ثم ألم نقرأ في ( شكوى الأربعة ) و ( شكوى بريدة ) كيف غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يشكون إليه عليا ، فرد عليهم - أرواحنا فداه - فقال : " ما تريدون من علي ؟ ! ما تريدون من علي ؟ ! إنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي "

؟ ولئن كان أسامة قد تعرض لطعن في إمارته وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة ، فأثار ذلك من
غضبه صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه مع شدة مرضه ، عاصبا رأسه ، يتهادى بين رجلين ( 2 ) ورجلاه تخطان في

الأرض ، حتى قال مقالته الشهيرة تلك ، فأي غضب سيغضب إذن لما أصاب أخيه ، ووصيه ، ووزيره ، وخليفته الذي صرح بولايته ، فشهدوا له وهنؤوه ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) حياة الصحابة 2 : 484 ، البداية والنهاية 7 : 346 ، مجمع الزوائد 9 : 129 ووثق رجاله .
( 2 )
هما : علي والفضل بن العباس ، انظر : البخاري 1 : 101 / 11 ، مسلم 1 : 311 / 90 - 92 ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 302

أي غضب سيغضب له وقد عقدوا البيعة فيما بينهم وتركوه منشغلا بتجهيز جثمانه الطاهر ؟ ويوم أحاطوا بيته ، وهجموا عليه في داره ! فأخرجوه منها بالعنف ، وهو يقول : " أنا عبد الله ، وأخو رسوله " .

وحين يهددونه بالقتل ، أو يبايع لهم ! فيقول : " إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله " . فيقولون : أما أخو رسول الله فلا ! وكم سيغضب لغضب بضعته فاطمة الزهراء البتول مرة بعد أخرى ، حتى ماتت وهي غضبى على رجال ! وفاطمة التي يغضب الله لغضبها ، ويتأذى رسول الله لأذاها ؟


كم سيغضب لتظاهر بعد تظاهر على أهل بيته ، وخاصته ، حتى قال علي عليه السلام يوم الشورى - وقد انتهت بالبيعة لعثمان بالخلافة - قال : " ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) ( 1 ) ؟

ولقد كان التظاهر عليه متتابعا . . فيوم السقيفة مشهور ، وقد تمت فيه البيعة - بغيابه - لأبي بكر ، فقام بعدها أبو بكر خطيبا في مسجد رسول الله ، معرفا بسيرته فقال قولا لو نسب لغيره لقيل إنه لا يصلح أن يقوم على شئ من أمور المسلمين ، إذ قال : " ألا وإن لي شيطانا يعتريني ، فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ! " ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل في التاريخ 3 : 71 .
( 2 )
تاريخ الطبري 3 : 211 ، صفة الصفوة 1 : 261 ، تاريخ الخلفاء : 54 ، البداية والنهاية 6 : 307 ،
الإمامة والسياسة
: 16 ، ابن أبي الحديد 6 : 20 و 17 : 159 ، مجمع الزوائد 5 : 183 ، كنز العمال 5 :590 / 14050 ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 303

ومع هذا فقد تمت ، تلك البيعة التي وصفها عمر - في خطبته التي اتفق عليها أصحاب السير - بأنها كانت فلتة ! وذلك أنه سمع رجلا يقول : لو قد مات عمر لبايعت فلانا ، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ، فأعد لأجل ذلك خطبته التي

ألقاها في مسجد رسول الله مقدمه من الحج ، فقال فيها : لا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر . من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 1 ) .


ثم جاء آخر أيام أبي بكر ، فماذا حصل ؟ كتب أبو بكر عهده بالخلافة من بعده لعمر ، من دون أدنى مشورة من المسلمين ! وجاء الصحابة ، وأبدوا سخطهم ، فقالوا : ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا ، وقد ترى غلظته ( 2 ) ؟

وتمت البيعة ! حتى كان آخر أيام عمر ، فأخذ يتصفح الناس ، من يستخلف منهم ! فقال : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني : سمعت نبيك يقول " إنه أمين هذه الأمة " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري - كتاب الحدود - 8 : 302 / 25 والنص عنه ، مسند أحمد 1 : 56 ،
الرياض النضرة
1 : 232 ، تاريخ الطبري 3 : 200 ، الكامل في التاريخ 2 : 326 ، سيرة ابن هشام 4 : 308 - 309 ،
الملل والنحل
للشهرستاني : الجزء الأول - الخلاف الخامس - 30 - 31 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 51 ،
ابن أبي الحديد
2 : 23 ، وانظر النهاية لابن الأثير 3 : 175 ، 467 .
( 2 )
تاريخ الخلفاء : 62 - 63 ، تاريخ الطبري 4 : 54 ، الكامل في التاريخ 2 : 425 ،
الإمامة والسياسة
1 : 19 ، السنن الكبرى للبيهقي 8 : 149 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 304

ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني : سمعت نبيك يقول : " إن سالما شديد الحب لله تعالى " ( 1 ) . وقال أيضا : لو استخلفت معاذ بن جبل ، فسألني ربي : ما حملك على ذلك ؟ لقلت : سمعت نبيك يقول : " إن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان بين أيديهم رتوة بحجر " ( 2 ) .


هكذا عرف إذن لهؤلاء منازلهم ، فهل جهل منزلة علي ؟ أم أن أحدا منهم يقاس به ؟ ألم يكن عمر هو القائل : بخ بخ لك يا أبا الحسن ، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ( 3 ) ؟

أليس هو القائل : لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لئن يكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم : تزويجه فاطمة بنت رسول الله ،وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحل له ما يحل له ، والراية يوم

خيبر ( 4 ) ؟ وهو الشاهد يوم أعطي علي الراية في خيبر ، ويوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : " لا " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الطبري 5 : 34 ، الكامل 3 : 65 ، صفة الصفوة 1 : 367 ، 383 على الترتيب .
( 2 )
صفة الصفوة 1 : 494 ، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2 : 188 ،
والرتوة : الرمية ، والمعنى : أنه يتقدم عليهم بمقدار رمية حجر .
( 3 )
تقدم ذكر العديد من مصادره في حديث الغدير .
( 4 )
الرياض النضرة 3 : 118 ، مجمع الزوائد 9 : 130 ، فرائد السمطين 1 : 345 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 136 ،
الترجمة من تاريخ ابن عساكر
1 : 220 / 283 ، المستدرك 3 : 125 ، الصواعق المحرقة : باب 9 . فصل 1 : 127 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 305

قال عمر : أنا هو ؟ قال : " لا ، ولكن خاصف النعل " .

وهو أيضا من أعرف الناس بأن منزلة علي من رسول الله هي منزلة هارون من موسى . أليس هو القائل في علي : أما إن وليهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم ؟ فأين ذهب عنه وهو يقول : لو سألني ربي ، لو سألني ربي ؟

ولقد كان له يوما مع ابن عباس حوار ذكر فيه عليا عليه السلام ، وحقه في الخلافة ، فقال لابن عباس : أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال : لا . قال : لكني أدري . قال : وما هو ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة

 ، فتجخفوا جخفا ( 1 ) فنظرت قريش لنفسها ، فاختارت ، ووفقت فأصابت . قال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عني غضبه ، فيسمع ؟ قال : قل ما تشاء . قال : أما قولك : إن قريشا كرهت ، فإن الله تعالى قال لقوم : ( ذلك بأنهم كرهوا ما

أنزل الله فأحبط أعمالهم ) ( 2 ) . وأما قولك : إنا كنا نجخف ، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الجخف : التكبر . ( 2 ) سورة محمد ( ص ) : 9 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 306

الله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 1 ) وقال له : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) ( 2 ) .

وأما قولك : فإن قريشا اختارت ، فإن الله تعالى يقول : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) ( 3 ) .

وقد علمت - يا أمير المؤمنين - أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت . فقال عمر : على رسلك - يا ابن عباس - أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول ، وحقدا عليها

لا يحول . فقال ابن عباس : مهلا - يا أمير المؤمنين - لا تنسب هاشما إلى الغش ، فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهره الله وزكاه ، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( 4 ) .

وأما قولك : حقدا ، فكيف لا يحقد من غصب بشيئه ، ويراه في يد غيره ! ثم قال : وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو ، ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله ، واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

؟ فنحن أحق برسول الله من سائر قريش . فقال له عمر : قم الآن ، فارجع إلى منزلك . فلما ذهب هتف به عمر : أيها المنصرف ، إني على ما كان منك لراع حقك ! فالتفت إليه ابن عباس ، فقال : إن لي عليك ، وعلى كل المسلمين حقا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) القلم : 4 . ( 2 ) الشعراء : 215 . ( 3 ) القصص : 68 . ( 4 ) الأحزاب : 33 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 307

برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن حفظه فحق نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع . ثم مضى ( 1 ) . ونقل أيضا عن الزبير بن بكار ( 2 ) ، في كتاب " الموفقيات " عن عبد الله ابن عباس ، قال : إني لأماشي عمر بن الخطاب في

سكة من سكك المدينة ، إذ قال لي : يا بن عباس ، ما أرى صاحبك إلا مظلوما . فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فاردد إليه ظلامته ! فانتزع يده من يدي ، ومضي يهمهم ساعة ، ثم وقف ، فلحقته ، فقال : يا بن

عباسما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه ! فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ! فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك ( 3 ) . صدق ابن عباس ، فما استصغره الله ورسولك يومذاك ، ولا يوم

اختاره النبي للمنزلة الأولى بعده : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " . ولا يوم أخذ بيده ، وهتف باسمه على الملأ من المسلمين ، فقال : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . ولا استصغره قومه

- أنفسهم - يوم " أحد " إذ انهزموا عن رسول الله وتركوه معه ، ويوم " حنين " ولا يوم " الخندق " ! فليتهم لم يعتذروا !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 31 ، الكامل في التاريخ 3 : 63 - 65 ، ابن أبي الحديد 12 : 53 - 54 .
( 2 )
هو الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي ،
وهو شيخ ابن ماجة والبغوي وابن ناجية وأبي حاتم ، وقد وثقه أحمد ، وابن حبان ، والدارقطني ، ويحيى بن معين ،
والنسائي ، وقالوا فيه : كان ثقة ثبتا عالما بالنسب وأخبار المتقدمين ومآثر الماضين . توفي سنة 256 ه‍ .
تهذيب الكمال
9 : 293 ، تهذيب التهذيب 3 : 312 / 580 .
( 3 )
ابن أبي الحديد 6 : 45 ، 12 : 46 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 308

ويجمع الروايتين جميعا ما رواه عن أبي بكر الأنباري في " أماليه " أن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد ، وعنده ناس ، فلما قام نسبه أحدهم إلى التيه والعجب ! فقال له عمر : حق لمثله أن يتيه ! والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام ،

وهو بعد أقضى الأمة ، وذو سابقتها ، وذو شرفها . فقال له ذلك القائل : فما منعكم عنه ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهناه على حداثة السن ، وحبه بني عبد المطلب ( 1 ) ! فليتهم عرفوا : هل بلغوا العذر عند الله ورسوله بما اعتذروا ، بعدما

علموا من منزلته ، وبعد أن أيقنوا أنه الأولى بلا منازع ؟ فهو : ذو سابقتها ، وذو شرفها ، ولولا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وبعد فهو أقضى هذه الأمة ! وهو عليه السلام القائل : " لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا " .

حتى إذا علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم سيكتب له كتابا في مرضه الأخير لا يمكن بعد نقضه ، رفعوا أصواتهم فوق صوته ، وقالوا : إنه يهجر ! حسبنا كتاب الله ! ! والله إنها لكارثة لست أدري كيف نستطيع أن نغضي عندها أسماعنا ! ! أم

كيف نغفل مدى غضب رسول الله ، وغضب الله عندها ! ! أليس من حقنا - بل الواجب الذي يمليه إيماننا بالله ورسوله ودينه علينا - أن نغضب لغضب رسول الله ؟ أم إن علينا أن نعتصر قلوبنا ، ونقطب جباهنا ، نفرة من إثارة هذه الأحاديث ، لا لشئ إلا لأنها تمس بمعتقدات نشأنا عليها ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر 12 : 82 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 309

لقد شربناها متعطشين ، وارتشفناها والهين ، ولكنها كانت مشبعة بتلك الهالة المصطنعة ، التي أوصدت علينا منافذ الحرية . إني - يا صديقي - قد ورثت مثلكم تلك القناعات ، ولم أكن آلف سواها ، بل إني مما يخالفها لحذر نفور .

ولست أنسى كم كنا نحاول الغوص في أعماقها ، حتى إذا تغلغلنا يسيرا ، اصطدمنا بذلك الحاجز الموهوم ، لنرتد على أدبارنا القهقرى ! فكم مرة بلغنا - والحرقة تكوي قلوبنا ، والدمعة لها بريق في أعيننا - أن نقول : إن الإمام عليا كان مظلوما .

لقد قلناها كلنا غير مرة ، ولكننا لم نتمكن - لما في أنفسنا من حواجز - أن نستغرق النظر ، لنعرف مسؤولياتنا تجاه ذلك الظلم ، وتلك الظلامة ! لقد أنستنا تلك الحواجز أننا مؤمنون ، علينا أن نتحرى الحق فنتبعه ، ونلتزم الموقف السليم الذي ينجو

بنا يوم الموقف العسير ! ورجائي أن لا أكون مؤاخذا عندك إن قلتها ، فهي حقيقة حاكمة مهما حاولنا التنكر لها ، إنها العصبية والكبرياء ، هي التي تحجبنا عن تبني الموقف الشرعي أينما وجدناه .

ولسنا أول المنهزمين أمامها ، فلقد قهرت من هم أشد منا قوة ، وأكثر جمعا ! ولعل من بينهم : أبو حامد الغزالي ، الذي قال مرة - معتقدا بصحة ما يقول - : ولكن أسفرت الحجة وجهها ، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته صلى الله عليه

وآله وسلم في يوم غدير خم ، باتفاق الجميع ، وهو يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . فقال عمر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . فهذا تسليم ، ورضى ، وتحكيم . ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 310

وحمل عمود الخلافة ، وعقود البنود ، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات ، واشتباك ازدحام الخيل ، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهواء ، فعادوا إلى الخلاف الأول ، فنبذوا الحق وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون ( 1 ) .

ولعل منهم في عصرنا هذا : شيخ الأزهر الأسبق الشيخ سليم البشري ، وقد صرح هو بذلك في جوابه للسيد شرف الدين الموسوي ، بعد مناقشات ومراسلات طويلة بينهما عرض عليه السيد الموسوي من خلالها أدلة وبراهين قاطعة بأحقية مذهب

أهل البيت ، وأنهم - عليهم السلام - أولى بالاتباع من سواهم ، فأجابه الشيخ ، قائلا : وحين أغرقت في البحث في حجتك ، وأمعنت في التنقيب عن أدلتك ، رأيتني في أمره مريج : أنظر في حججك فأراها ملزمة ، وفي بيناتك فأراها مسلمة ، وأنظر

في أئمة العترة الطاهرة فإذا هم بمكانة من الله ورسوله يخفض لها جناح الذل هيبة وإجلالا . .

ثم أنظر إلى جمهور أهل القبلة ، والسواد الأعظم من ممثلي هذه الملة فأراهم مع أهل البيت على خلاف لما توجبه ظواهر الأدلة ! فأنا أؤامر مني نفسين : نفس تنزع إلى متابعة الأدلة . . وأخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة ! قد بذلت لك

الأولى قيادها ، فلا تنبو في يديك ، ونبت عنك الأخرى بعنادها ، فاستعصت عليك . . ! ! ( 2 ) يقول هذا وكأنه نسي - غفر الله له - ما لقي أهل البيت منذ غياب
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كتاب السر العالمين - للغزالي - المقالة الرابعة 20 - 24 ، ورواه عنه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 62 .
( 2 )
المراجعات : المراجعة 11 ص 32 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 311

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ما جاء من دور بني أمية ، وبني العباس ، والعثمانيين في نشر المذاهب الأربعة ، وإيقاف العمل عليها ، ومحاربة ما سواها ، ولا سيما مذهبا سقاه علي والحسن والحسين عليهم السلام ! وإني أعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربي وتوفيقاته لصرعتني تلك النفس ( المعاندة ) .

ولقد كادت ، ونجحت مرة ، ولكن الله أعانني عليها . . فبعد أن أمضيت الشهور في الدرس ، والتنقيب ، والمناظرة ، والبحث ، وبلغت كامل اليقين ، واستجمعت قواي في ليلة ختمت فيها مجلسا في بحث متشعب عميق في هذه المواضيع ،

فخرجت منه وأنا أشد يقينا ، وأثبت حجة ، عازما أن أبدأ الفجر الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام . .
وبينما كنت أعيش نشوة الإنتصار ، وحلاوة اليقين ، إذ صادف أن اجتمعت مع ثلة من أبناء الشيعة ، فتناولنا ، أطراف

الحديث ، فلما رأيتهم يتحدثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت في تلك النفس - المعاندة - من جديد ، وأبت أن توافقهم !
فخضت الحديث معهم أغالط نفسي على علم وإصرار ، ومضيت هكذا حتى سئمت نفسي ، واضطربت في داخلي ، ولكني

لست مستعدا للانقياد لهم ! فعدت متحيرا من نفسي وما فيها ، ونمت مصروعا ثقيلا . . وعدت أقضي شهورا أخرى
مضطربا ، بين يقين عرفته و اعتقدته ، وبين عناد وكبرياء لهما جذور قديمة ! وبقيت هكذا ، أصطنع العلل والأعذار ،

وأجعلها شرعية طبعا ، ولكنها كانت كبيوتات الصغار ، يشيدونها على الرمال ، فتنقشع ، وتزول آثارها بعد ساعة . حتى أجليت ما في صدري بدموع الليل ، وزفرات الخلوة ، أبكي حبا وشوقا إلى سادة الخلق ، وأنوار الهدى ، وأبكي على نفسي وغلبتها . حتى أحسست وأنا في هدأة الليل كأن قطرة من تلك الدموع قد أتت
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 312

على آخر عرق من عروق تلك الكبرياء ، فاقتلعتها من محلها ، وسقت مكانها بذرة ، بذرة الطاعة والولاء ، فانتفضت ، مكبلا أطلق لتوه ، خفيف الحمل كطائر صغير ، مستبشرا كضائع أشرف فجأة على أحبته وذويه . . وأفقت مطمئنا في أوسط سفينة

النجاة ، أنهل من منهلها العذب الصافي ، وها أنا أحدثك من ظلال ربيعها الزاهر . وما أن رأوا مني هذا ، حتى هجرني من كان يحبني ، وجفاني من كان يقول في أني من أهل قوله تعالى : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) ( 1 ) !

وليس لهم حجة فيما حملوه إلا الذي كان يخالطني من تلك النفس المعاندة . ولقد حاورني أحدهم ، ولعله من أفضلهم ، فقال : أتدري ماذا فعلت أنت ؟ ! قلت : نعم ، لقد أخذت بمذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن زين العابدين ابن سيد

شباب أهل الجنة ابن سيد الوصيين ، وسيدة نساء العالمين ، وابن سيد المرسلين . فقال : ولماذا تركتنا هكذا ، والناس تقول
فينا ما تقول ؟ قلت : لأني اتبعت ما يقول الله ورسوله . قال : أي قول تعني ؟ قلت : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إني

تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم أنهم سفن النجاة التي من ركبها نجا . فقال وكأنه يقاطعني : ومن تخلف عنه غرق ؟ أتعني كلنا غرقى ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الفرقان : 63 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 313

قلت : لماذا ؟ ألا ترى أنك من المتمسكين بهم ؟ ! قال : نحن نتمسك بالخلفاء الراشدين بحسب ترتيبهم في الخلافة ، ثم بالمذاهب الأربعة ! فقلت له : وما ذنبي تعاتبني ؟ ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فمضى . .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب