|
مع الصحابة
المضطهدين بعد النبي ( ص ) |
|
|
معالم أخرى : لقد كان يكفي معاوية وأصحابه أيضا حملتهم الجريئة في وضع الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكتمان ما أمروا بنشره والعمل به من الحق ، وقد صح الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " !
الإسلام ، ولا ترى فضلا لعلي بن أبي طالب إمام المتقين على
معاوية ، أو عمرو ابن العاص ، أو مروان ! وضعوها
لبني أمية ليأخذوا منه ما يشاؤون ، حتى مات مغاضبا لعثمان ، وأوصى أن يصلي عليه عمار بن ياسر ( 1 ) ! ألم يكن عبد الله بن مسعود ممن هاجر الهجرتين ، وشهد المواضع كلها مع رسول الله ، وشهد بيعة الرضوان ( 2 ) ؟
وعبادة بن الصامت : وهو ممن شهد العقبة ، وأحد النقباء الاثني عشر ، شهد بدرا والمواضع كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الذهبي : كتب معاوية إلى عثمان : إن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام ، فإما أن تكفه إليك ، وإما أن أخلي بينه وبين الشام ! فما هي قصته ؟ قال : إن عبادة
مرت عليه قطارة - من الإبل - وهو بالشام تحمل الخمر ، فقال : ما هذه ، أزيت ؟
قيل : لا ، بل خمر يباع لفلان ! فأخذ شفرة من السوق ، فقام إليها ، فلم يذر
فيها راوية إلا بقرها ، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة ،
فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة . .
فأتاه أبو هريرة ، فقال : يا عبادة ، ما لك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل . فقال له عبادة : لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وألا يأخذنا في الله لومة لائم . فسكت أبو هريرة . وكتب فلان إلى عثمان : إن عبادة قد أفسد علي الشام ( 1 ) ! ألم يكن هؤلاء من خيرة أصحاب رسول الله ، فلماذا لا نتذكر بحقهم حديث " احفظوني في أصحابي " ؟ ! أم إن هذه الأحاديث جاءت خاصة في حفظ معاوية ومروان وأمثالهما دون سائر الصحابة ؟ ! ولو توقف الأمر عند السكوت لكان أهون ، ولكن الداهية الدهواء ، والطامة الكبرى حين ينبري علماء المسلمين ! ليبرروا كل جريمة حدثت بأنها اجتهاد ، وأن الذي ارتكبها إنما هو مجتهد قد أخطأ في اجتهاده ، فله أجر اجتهاده هذا ! يقول ابن حزم الأندلسي : وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية
يسار بن سبع السلمي ، شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنه عليه ، مأجور أجرا واحدا ( 3 ) !
وقال : فصح أن عليا هو صاحب الحق ، والإمام المفترضة طاعته ، ومعاوية مخطئ ،
مأجور ، مجتهد . وقال قبلها : فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه ، وصحته
إمامته
وأنه صاحب الحق ، وأن له أجرين : أجر الاجتهاد ، وأجر الإصابة . وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون ، مجتهدون مأجورون أجرا واحدا ( 1 ) . وأما في أمر قتلة عثمان فيقول : وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه ، لأنه لا مجال للاجتهاد في قتله ( 2 ) .
وخالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة - مالك يقول له : أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة ؟ ! - ثم تزوج بامرأته من ليلتها ، ولم يأذن لها بعدة ، اعتذر بقوله : تأولت ، فأصبت وأخطأت ( 4 ) . ولما أتي به إلى أبي بكر ، وقد أراد عمر أن يقام عليه الحد ، قال له أبو بكر : هيه - يا عمر - تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد ( 5 ) ! ويمتد الأمر ، حتى أصبح يرمى بالكفر ! أو بالفسوق ! من تجرأ فقال : إن فلانا منهم قد أخطأ في كذا . حتى صار تنزيههم هذا عقيدة دخلت في الحدود والأحكام ، والحلال والحرام . روى الذهبي : قال ابن الجنيد :
سمعت يحيى بن معين يقول : تحريم النبيذ صحيح ، ولكن أقف ولا أحرمه ، فقد شر به
قوم صالحون بأحاديث صحاح
وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح ( 1 ) . أليس هذا هو الغلو بعينه . أليس من التناقض أننا نحاول أن نثبت لهم العصمة عمليا ، مع أنك لا تجد لمبدأ العصمة محلا مع سيد الأنبياء والمرسلين ؟ ولماذا نستنكر أن يقال : إن فلانا منهم أخطأ في هذا الفعل ، أو ذاك القول ، وقد رضينا أن تحل اللعنة الكبرى على " طاوس الملائكة " ! وعلى العابد الزاهد الذي أوتي الاسم الأعظم ، أو بعضه ، حتى جعله الله مثلا لنا وعبرة ، فقال في كتابه العزيز : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) ( 2 ) . أليس الله تعالى يقول : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) ( 3 ) ؟ ألم تحدثنا كتب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال : " ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب ، أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : (
وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت
الرقيب عليهم
وأنت على كل شئ شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " ( 1 ) ؟
فما بالنا لا نبرأ مما تبرأ منه نبينا ، ومن أمثاله ؟ بل أم الدواهي أننا نزعم أن سكوتنا عنها ورضانا هو التقوى ، وأما إنكارها فهو خوض فيما لا يصح الخوض فيه ! ! ونردد المقولة المنسوبة إلى الحسن البصري ، وقد سئل عن أصحاب معركة الجمل ، فقال : تلك وقعة
لم يشترك سيفي بها ، فلا أريد أن أشرك لساني بها ! ناسين أن علينا أن نقتدي
برسول الله ، لا غير ! ولقد أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقواما ، فوجب
علينا حبهم ، وموالاتهم .
فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله أمرني أن أحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم " . فقالوا : من هم ، يا رسول الله ؟ فقال " علي منهم - علي منهم - يكررها ثلاثا - وأبو ذر ، والمقداد ، وسلمان " ( 1 ) . وقد غضب لأقوام ، فوجب علينا أن نغضب لغضبه ، ونرضى لرضاه : أخرج أحمد والحاكم : أنه كان بين خالد بن الوليد وعمار بن ياسر كلام ، فشكاه خالد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من يعاد عمارا يعاده الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله " ( 2 ) هذا والشاكي هو خالد ! .
وتقدم الحديث في غضبه صلى الله عليه وآله وسلم على من طعن في إمرة أسامة . أفإن غضبنا لغضبه صلى الله عليه وآله وسلم هنا وحفظنا كرامة أسامة وأبيه ، سنكون قد أخطأنا حين لم نوافق من طعن عليهما من الصحابة ؟ فإن أخطأنا ، فكفانا أننا مع رسول الله ، وحاشاه أن يخالطه الخطأ . وإن أصبنا هنا ، فما لنا لا نكون قد أصبنا حين نغضب لمن هو أعظم منزلة من زيد ، ومن أسامة ؟ ! أعني : عليا ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين عليهم السلام . قال سعد بن أبي وقاص : كنت جالسا في المسجد أنا ورجلان معي فنلنا من علي ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرف في وجهه الغضب ، فتعوذت بالله من غضبه ، فقال : " ما لكم وما لي ؟ ! من آذى عليا فقد آذاني " ( 1 ) .
؟ ولئن كان أسامة قد تعرض لطعن في
إمارته وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة ، فأثار ذلك من
الأرض ، حتى قال مقالته الشهيرة تلك ، فأي غضب سيغضب إذن لما
أصاب أخيه ، ووصيه ، ووزيره ، وخليفته الذي صرح بولايته ، فشهدوا له وهنؤوه ؟
أي غضب سيغضب له وقد عقدوا البيعة فيما بينهم وتركوه منشغلا بتجهيز جثمانه الطاهر ؟ ويوم أحاطوا بيته ، وهجموا عليه في داره ! فأخرجوه منها بالعنف ، وهو يقول : " أنا عبد الله ، وأخو رسوله " . وحين يهددونه بالقتل ، أو يبايع لهم ! فيقول : " إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله " . فيقولون : أما أخو رسول الله فلا ! وكم سيغضب لغضب بضعته فاطمة الزهراء البتول مرة بعد أخرى ، حتى ماتت وهي غضبى على رجال ! وفاطمة التي يغضب الله لغضبها ، ويتأذى رسول الله لأذاها ؟
ولقد كان التظاهر عليه متتابعا . . فيوم السقيفة مشهور ، وقد
تمت فيه البيعة - بغيابه - لأبي بكر ، فقام بعدها أبو بكر خطيبا في مسجد رسول
الله ، معرفا بسيرته فقال قولا لو نسب لغيره لقيل إنه لا يصلح أن يقوم على شئ
من أمور المسلمين ، إذ قال : " ألا وإن لي شيطانا يعتريني ، فإذا أتاني
فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ! " ( 2 )
.
ومع هذا فقد تمت ، تلك البيعة التي وصفها عمر - في خطبته التي اتفق عليها أصحاب السير - بأنها كانت فلتة ! وذلك أنه سمع رجلا يقول : لو قد مات عمر لبايعت فلانا ، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ، فأعد لأجل ذلك خطبته التي ألقاها في مسجد رسول الله مقدمه من الحج ، فقال فيها : لا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر . من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 1 ) .
وتمت البيعة ! حتى كان آخر أيام عمر ، فأخذ يتصفح الناس ، من
يستخلف منهم ! فقال : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني :
سمعت نبيك يقول " إنه أمين هذه الأمة " .
ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني : سمعت نبيك يقول : " إن سالما شديد الحب لله تعالى " ( 1 ) . وقال أيضا : لو استخلفت معاذ بن جبل ، فسألني ربي : ما حملك على ذلك ؟ لقلت : سمعت نبيك يقول : " إن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان بين أيديهم رتوة بحجر " ( 2 ) .
أليس هو القائل : لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لئن يكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم : تزويجه فاطمة بنت رسول الله ،وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحل له ما يحل له ، والراية يوم خيبر ( 4 ) ؟ وهو الشاهد يوم أعطي علي الراية في خيبر ، ويوم قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت
على تنزيله " فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : " لا " .
قال عمر : أنا هو ؟ قال : " لا ، ولكن خاصف النعل " . وهو أيضا من أعرف الناس بأن منزلة علي من رسول الله هي منزلة هارون من موسى . أليس هو القائل في علي : أما إن وليهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم ؟ فأين ذهب عنه وهو يقول : لو سألني ربي ، لو سألني ربي ؟ ولقد كان له يوما مع ابن عباس حوار ذكر فيه عليا عليه السلام ، وحقه في الخلافة ، فقال لابن عباس : أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال : لا . قال : لكني أدري . قال : وما هو ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة ، فتجخفوا جخفا ( 1 ) فنظرت قريش لنفسها ، فاختارت ، ووفقت فأصابت . قال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عني غضبه ، فيسمع ؟ قال : قل ما تشاء . قال : أما قولك : إن قريشا كرهت ، فإن الله تعالى قال لقوم : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم
) ( 2 ) . وأما قولك : إنا كنا نجخف ، فلو جخفنا
بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من أخلاق رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم الذي قال له
الله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 1 ) وقال له : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) ( 2 ) . وأما قولك : فإن قريشا اختارت ، فإن الله تعالى يقول : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) ( 3 ) . وقد علمت - يا أمير المؤمنين - أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت . فقال عمر : على رسلك - يا ابن عباس - أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول ، وحقدا عليها لا يحول . فقال ابن عباس : مهلا - يا أمير المؤمنين - لا تنسب هاشما إلى الغش ، فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهره الله وزكاه ، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( 4 ) . وأما قولك : حقدا ، فكيف لا يحقد من غصب بشيئه ، ويراه في يد غيره ! ثم قال : وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو ، ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله ، واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فنحن أحق برسول الله من سائر قريش . فقال له عمر : قم الآن
، فارجع إلى منزلك . فلما ذهب هتف به عمر : أيها المنصرف ، إني على ما كان منك
لراع حقك ! فالتفت إليه ابن عباس ، فقال : إن لي عليك ، وعلى كل المسلمين حقا
برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن حفظه فحق نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع . ثم مضى ( 1 ) . ونقل أيضا عن الزبير بن بكار ( 2 ) ، في كتاب " الموفقيات " عن عبد الله ابن عباس ، قال : إني لأماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة ، إذ قال لي : يا بن عباس ، ما أرى صاحبك إلا مظلوما . فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فاردد إليه ظلامته ! فانتزع يده من يدي ، ومضي يهمهم ساعة ، ثم وقف ، فلحقته ، فقال : يا بن عباسما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه ! فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ! فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك ( 3 ) . صدق ابن عباس ، فما استصغره الله ورسولك يومذاك ، ولا يوم اختاره النبي للمنزلة الأولى بعده : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " . ولا يوم أخذ بيده ، وهتف باسمه على الملأ من المسلمين ، فقال : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " . ولا استصغره قومه - أنفسهم - يوم " أحد " إذ انهزموا عن رسول الله وتركوه معه ،
ويوم " حنين " ولا يوم " الخندق " ! فليتهم لم يعتذروا !
ويجمع الروايتين جميعا ما رواه عن أبي بكر الأنباري في " أماليه " أن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد ، وعنده ناس ، فلما قام نسبه أحدهم إلى التيه والعجب ! فقال له عمر : حق لمثله أن يتيه ! والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمة ، وذو سابقتها ، وذو شرفها . فقال له ذلك القائل : فما منعكم عنه ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهناه على حداثة السن ، وحبه بني عبد المطلب ( 1 ) ! فليتهم عرفوا : هل بلغوا العذر عند الله ورسوله بما اعتذروا ، بعدما علموا من منزلته ، وبعد أن أيقنوا أنه الأولى بلا منازع ؟ فهو : ذو سابقتها ، وذو شرفها ، ولولا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وبعد فهو أقضى هذه الأمة ! وهو عليه السلام القائل : " لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا " . حتى إذا علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم سيكتب له كتابا في مرضه الأخير لا يمكن بعد نقضه ، رفعوا أصواتهم فوق صوته ، وقالوا : إنه يهجر ! حسبنا كتاب الله ! ! والله إنها لكارثة لست أدري كيف نستطيع أن نغضي عندها أسماعنا ! ! أم كيف نغفل مدى غضب رسول الله ، وغضب الله عندها ! ! أليس من
حقنا - بل الواجب الذي يمليه إيماننا بالله ورسوله ودينه علينا - أن نغضب لغضب
رسول الله ؟ أم إن علينا أن نعتصر قلوبنا ، ونقطب جباهنا ، نفرة من إثارة هذه
الأحاديث ، لا لشئ إلا لأنها تمس بمعتقدات نشأنا عليها ؟ !
لقد شربناها متعطشين ، وارتشفناها والهين ، ولكنها كانت مشبعة بتلك الهالة المصطنعة ، التي أوصدت علينا منافذ الحرية . إني - يا صديقي - قد ورثت مثلكم تلك القناعات ، ولم أكن آلف سواها ، بل إني مما يخالفها لحذر نفور . ولست أنسى كم كنا نحاول الغوص في أعماقها ، حتى إذا تغلغلنا يسيرا ، اصطدمنا بذلك الحاجز الموهوم ، لنرتد على أدبارنا القهقرى ! فكم مرة بلغنا - والحرقة تكوي قلوبنا ، والدمعة لها بريق في أعيننا - أن نقول : إن الإمام عليا كان مظلوما . لقد قلناها كلنا غير مرة ، ولكننا لم نتمكن - لما في أنفسنا من حواجز - أن نستغرق النظر ، لنعرف مسؤولياتنا تجاه ذلك الظلم ، وتلك الظلامة ! لقد أنستنا تلك الحواجز أننا مؤمنون ، علينا أن نتحرى الحق فنتبعه ، ونلتزم الموقف السليم الذي ينجو بنا يوم الموقف العسير ! ورجائي أن لا أكون مؤاخذا عندك إن قلتها ، فهي حقيقة حاكمة مهما حاولنا التنكر لها ، إنها العصبية والكبرياء ، هي التي تحجبنا عن تبني الموقف الشرعي أينما وجدناه . ولسنا أول المنهزمين أمامها ، فلقد قهرت من هم أشد منا قوة ، وأكثر جمعا ! ولعل من بينهم : أبو حامد الغزالي ، الذي قال مرة - معتقدا بصحة ما يقول - : ولكن أسفرت الحجة وجهها ، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في يوم غدير خم ، باتفاق الجميع ، وهو يقول : "
من كنت مولاه فعلي مولاه " . فقال عمر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ، لقد
أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . فهذا تسليم ، ورضى ، وتحكيم . ثم بعد هذا
غلب الهوى بحب الرئاسة
وحمل عمود الخلافة ، وعقود البنود ، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات ، واشتباك ازدحام الخيل ، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهواء ، فعادوا إلى الخلاف الأول ، فنبذوا الحق وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون ( 1 ) . ولعل منهم في عصرنا هذا : شيخ الأزهر الأسبق الشيخ سليم البشري ، وقد صرح هو بذلك في جوابه للسيد شرف الدين الموسوي ، بعد مناقشات ومراسلات طويلة بينهما عرض عليه السيد الموسوي من خلالها أدلة وبراهين قاطعة بأحقية مذهب أهل البيت ، وأنهم - عليهم السلام - أولى بالاتباع من سواهم ، فأجابه الشيخ ، قائلا : وحين أغرقت في البحث في حجتك ، وأمعنت في التنقيب عن أدلتك ، رأيتني في أمره مريج : أنظر في حججك فأراها ملزمة ، وفي بيناتك فأراها مسلمة ، وأنظر في أئمة العترة الطاهرة فإذا هم بمكانة من الله ورسوله يخفض لها جناح الذل هيبة وإجلالا . . ثم أنظر إلى جمهور أهل القبلة ، والسواد الأعظم من ممثلي هذه الملة فأراهم مع أهل البيت على خلاف لما توجبه ظواهر الأدلة ! فأنا أؤامر مني نفسين : نفس تنزع إلى متابعة الأدلة . . وأخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة ! قد بذلت لك الأولى قيادها ، فلا تنبو في يديك ، ونبت عنك الأخرى
بعنادها ، فاستعصت عليك . . ! ! ( 2 ) يقول هذا
وكأنه نسي - غفر الله له - ما لقي أهل البيت منذ غياب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ما جاء من دور بني أمية ، وبني العباس ، والعثمانيين في نشر المذاهب الأربعة ، وإيقاف العمل عليها ، ومحاربة ما سواها ، ولا سيما مذهبا سقاه علي والحسن والحسين عليهم السلام ! وإني أعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربي وتوفيقاته لصرعتني تلك النفس ( المعاندة ) . ولقد كادت ، ونجحت مرة ، ولكن الله أعانني عليها . . فبعد أن أمضيت الشهور في الدرس ، والتنقيب ، والمناظرة ، والبحث ، وبلغت كامل اليقين ، واستجمعت قواي في ليلة ختمت فيها مجلسا في بحث متشعب عميق في هذه المواضيع ، فخرجت منه وأنا أشد يقينا ، وأثبت حجة ، عازما أن أبدأ الفجر
الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام . . الحديث ، فلما رأيتهم يتحدثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت في
تلك النفس - المعاندة - من جديد ، وأبت أن توافقهم ! لست مستعدا للانقياد لهم ! فعدت متحيرا من نفسي وما فيها ،
ونمت مصروعا ثقيلا . . وعدت أقضي شهورا أخرى وأجعلها شرعية طبعا ، ولكنها كانت كبيوتات الصغار ، يشيدونها
على الرمال ، فتنقشع ، وتزول آثارها بعد ساعة . حتى أجليت ما في صدري بدموع
الليل ، وزفرات الخلوة ، أبكي حبا وشوقا إلى سادة الخلق ، وأنوار الهدى ، وأبكي
على نفسي وغلبتها . حتى أحسست وأنا في هدأة الليل كأن قطرة من تلك الدموع قد
أتت
على آخر عرق من عروق تلك الكبرياء ، فاقتلعتها من محلها ، وسقت مكانها بذرة ، بذرة الطاعة والولاء ، فانتفضت ، مكبلا أطلق لتوه ، خفيف الحمل كطائر صغير ، مستبشرا كضائع أشرف فجأة على أحبته وذويه . . وأفقت مطمئنا في أوسط سفينة النجاة ، أنهل من منهلها العذب الصافي ، وها أنا أحدثك من ظلال ربيعها الزاهر . وما أن رأوا مني هذا ، حتى هجرني من كان يحبني ، وجفاني من كان يقول في أني من أهل قوله تعالى : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) ( 1 ) ! وليس لهم حجة فيما حملوه إلا الذي كان يخالطني من تلك النفس المعاندة . ولقد حاورني أحدهم ، ولعله من أفضلهم ، فقال : أتدري ماذا فعلت أنت ؟ ! قلت : نعم ، لقد أخذت بمذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن زين العابدين ابن سيد شباب أهل الجنة ابن سيد الوصيين ، وسيدة نساء العالمين ، وابن
سيد المرسلين . فقال : ولماذا تركتنا هكذا ، والناس تقول تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله ،
وعترتي أهل بيتي " . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم أنهم سفن
النجاة التي من ركبها نجا . فقال وكأنه يقاطعني : ومن تخلف عنه غرق ؟ أتعني
كلنا غرقى ؟ !
قلت : لماذا ؟ ألا ترى أنك من المتمسكين بهم ؟ ! قال : نحن نتمسك بالخلفاء الراشدين بحسب ترتيبهم في الخلافة ، ثم بالمذاهب الأربعة ! فقلت له : وما ذنبي تعاتبني ؟ ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فمضى . .
|
|