|
- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 39
:
|
شبهة وجوابها :
قد يقول قائل : إن أئمة أهل البيت لم يتولوا أمور المسلمين وإن
كانوا أهلا لذلك ، فلا يصدق عليهم أنهم خلفاء بمجرد
أهليتهم للخلافة ، كما أن القاضي لا يصدق عليه أنه قاض بمجرد كونه أهلا للقضاء
ما لم يتول القضاء ، فكيف صار هؤلاء الأئمة هم الخلفاء الاثني عشر ؟
والجواب :
لما دلت النصوص الصحيحة على أن الخلفاء الاثني عشر هم أئمة أهل البيت عليهم
السلام ، وأنهم هم الذين يجب اتباعهم ومبايعتهم وطاعتهم دون سواهم . فحينئذ لا
يجوز العدول عنهم ، ومبايعة من عداهم ، لأن ذلك تبديل لحكم النبي
صلى الله عليه
وآله وسلم ، ورد لقوله ، وإبطال لأمره . على أن انصراف أكثر الناس عنهم لا
يصيرهم رعية ، ولا يصير غيرهم أئمة وخلفاء ، كما أن انصراف أكثر الناس عن
الاعتقاد بنبوة النبي لا يبطل نبوته .
قال تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل
ضلالا مبينا ) ( 1 ) . ولا ريب في أن ثمة فرقا بين القاضي المنصوب وبين من له
أهلية القضاء ، فإن الأول يسمى
قاضيا ، والآخر لا يسمى بذلك ، إلا أن هذا
أجنبيا عما نحن فيه ، فإن الأئمة قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم
ونص عليهم ، فهم خلفاء لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماهم بذلك ، وإن لم
يبايعهم الناس أو يقروا لهم بالخلافة .
وحال هؤلاء حال من نصبه النبي صلى الله
عليه وآله وسلم للقضاء فأبى الناس ، فإنه يكون قاضيا شاء الناس أم أبوا ، وهذا
واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان .
ثم إن الأئمة عليهم السلام قاموا
بأمور الإمامة خير قيام ، فبينوا الأحكام ، وأوضحوا شرائع الإسلام ، ونفوا عن
الدين تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين ، وردوا شبهات المضلين ، فجزاهم الله خير
الجزاء عن الإسلام والمسلمين .
والنبوة فضلا عن الإمامة لا تتقوم
باتباع الناس أو بخلافهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رسولا
نبيا وهو في مكة لم يؤمن به إلا قليل ، والإمام كذلك .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة الأحزاب ، الآية 36 . ( * )
|
|
|
شبهة أخرى وجوابها :
وقد يقول قائل : إن بعض الأحاديث الصحيحة دلت على أن أولئك الخلفاء كلهم يجتمع
عليه الناس ، مع أن أئمة أهل البيت لم يجتمع عليهم أحد ، حتى أمير المؤمنين
عليه السلام اختلف الناس في زمانه ، فكيف يكونون هم الأئمة المعنيين في تلك
الأحاديث ؟
والجواب :
إذا كان المراد باجتماع الناس عليهم هو ما فهمه بعض علماء أهل السنة من الاتفاق
على البيعة ، فهذا لا ينطبق على أي واحد ممن تولوا أمر الناس ، حتى أبي بكر
وعمر ، فإن أبا بكر تمت له البيعة في سقيفة بني ساعدة وأكثر
المهاجرين كانوا غائبين عنها ، وهذا
سيأتي بيانه في الحديث حول بيعة أبي بكر في الفصل الآتي ، وأما عمر فكانت
خلافته بنص أبي بكر لا باجتماع الناس ، حتى قال بعضهم لأبي بكر : ما أنت قائل
لربك إذا سألك عن تولية عمر علينا وقد ترى غلظته . . . ( 1 ) وأما غيرهما ممن
جاء بعدهما فقد بينا أنهم لم يجتمع عليهم الناس بهذا المعنى .
وعليه فإن كان المراد من اجتماع الناس
هذا المعنى فهو لا ينطبق على أحد ، فيكون هذا الحديث باطلا ، فحينئذ لا مناص من
القول بأن المراد من اجتماع الناس في الحديث هو اجتماعهم على صلاح هؤلاء
الخلفاء ، وحسن سيرتهم ، وطيب سريرتهم ،
والاجتماع بهذا المعنى متحقق في أئمة
أهل البيت عليهم السلام دون غيرهم ، فهم وحدهم الذين اتفق الشيعة وأهل السنة
على اتصافهم بذلك ، فيكون هذا المعنى هو المراد في الحديث ، لوجود مصاديق له
دون المعنى الأول .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الطبقات الكبرى 3 / 199 ،
تاريخ الخلفاء ، ص 62 ،
الصواعق المحرقة 1 / 254 . ( * )
|
|
|
قال الدهلوي ( 1 ) : وقد علم أيضا من التواريخ وغيرها أن أهل
البيت ولا سيما الأئمة الأطهار من خيار خلق الله تعالى بعد النبيين ، وأفضل
سائر عباده المخلصين والمقتفين لآثار جدهم سيد المرسلين ( 2 ) .
ويمكن أن نقول : أن اللام في ( الناس ) لاستغراق الصفات ، فيكون المراد بهم
الكمل من الناس ، لا سواد الناس الهمج الرعاع ، الذين ينعقون مع كل ناعق ،
أتباع سلاطين الجور وأئمة الضلال ، فإنهم لا قيمة لهم ، ولا عبرة بخلافهم .
والكمل من الناس اجتمعوا على بيعة هؤلاء الأئمة خلفاء للأمة
دون غيرهم ، وفيهم بحمد الله كفاية للدلالة على صدق الحديث.
وبعد كل هذا البيان يتضح أن الخلفاء الاثني عشر الذين بشر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بهم أمته ، ووصفهم بأن الإسلام يكون بهم عزيزا منيعا قائما ، وأمر
الناس يكون بهم صالحا ماضيا ؟ وكلهم تجتمع عليه الأمة ، لا يمكن أن يكونوا هم
أولئك
الخلفاء الذين ذكروهم ، وكانت أيامهم مملوءة بالفتن والهرج
والاختلاف ، ولياليهم كلها خمر ومجون ، وانتهاك لحرمات الله ، وعبث بأحكام الله
، وما إلى ذلك مما هو معلوم ، فإن الأمة لم تجن من ولاية هؤلاء خيرا .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
قال محب الدين الخطيب في ترجمته في مقدمة مختصر التحفة الاثني عشرية :
كبير علماء الهند في عصره شاه عبد العزيز الدهلوي 1159 - 1239 ) أكبر
أنجال الإمام الصالح الناصح شاه ولي الله الدهلوي ، وكان شاه عبد
العزيز يعد خليفة أبيه ووارث علمه . أقول : هو مؤلف كتاب (
التحفة الاثنا عشرية ) ، وهو شديد التحامل على الشيعة والطعن
فيهم وفي مذهبهم على طريقة ابن تيمية وابن حزم ونظائرهما .
(2)
مختصر التحفة الاثني عشرية ، ص 55 . ( * )
|
|
|
وحينئذ لا مناص من الجزم بأن الخلفاء الاثني عشر هم أئمة أهل
البيت عليهم السلام ، الذين حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اتباعهم
والتمسك بهم في أحاديث أخر سيأتي بيانها مفصلا في الفصل الثالث إن شاء الله
تعالى .
إلا أنا
نتساءل :
هل خفي على أعلام أهل السنة هؤلاء
الخلفاء الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوضح الصفات التي بها
امتازوا عن سواهم ؟ أم أنهم أخفوا بيان ذلك للناس ؟ إن زعم خفاء هذه المسألة
يرجع في واقعه إلى الطعن
في نبي الأمة صلى الله عليه وآله وسلم
بالتقصير في بيان هذه المسألة المهمة حتى خفيت على علماء الأمة ، وهذا لا يصدر
من مسلم ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يتحدث بالأحاجي والألغاز
ولا سيما في أهم المسائل الدينية ، وهي مسألة الإمامة والخلافة .
إذن ، لماذا خفيت هذه المسألة عن
علماء أهل السنة ؟ أو لماذا أخفوها ؟ هذه أسئلة تدور ، وتحتم على أهل السنة أن
يجيبوا عليها إجابات علمية صحيحة ليست مبتنية على الظن والتخمين والاحتمالات
التي لا تغني من الحق شيئا .
( وإن فريقا
منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) سورة البقرة : 146
|