بيعة أبي بكر لم تكن بالإجماع

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 45 :

  بيعة أبي بكر لم تكن بالإجماع :


إذا اتضح أن خلافة أبي بكر لم تكن بالنص ، فهل انعقد الإجماع عليها أم لا ؟ تحرير الكلام في هذه المسألة من جهتين :


الجهة الأولى : أن الإجماع هل يصلح أن يكون دليلا في مسألة الخلافة أم لا ؟ لا ريب في أن الإجماع لا يصلح أن يكون دليلا في هذه المسألة ، فلا بد لمن يتولى الخلافة من مستند شرعي يصحح خلافته ، وأما اتفاق الناس عليه فليس بحجة ،

لأن كل واحد من الناس يجوز عليه الخطأ ، واحتمال الخطأ لا ينتفي بضم غيره إليه ، ولا سيما إذا كان اجتماعهم حاصلا بأسباب مختلفة : كخوف بعضهم من حصول الفتنة ، وكراهة بعض آخر من إبداء الخلاف ، وخوف آخرين من الامتناع عن

البيعة ، أو ما شاكل ذلك مما سيأتي بيانه ، فحينئذ لا يكون هذا مشمولا لما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تجتمع أمتي على

- ص 46 -

ضلالة ، لأن الأمة هنا لم تجتمع على ضلالة ، بل جمعت وأكرهت ، وهذا لا مانع من حصوله ، كما حصل في زمن الأمويين والعباسيين ، إذ أكرهوا الناس على بيعتهم ، فحينئذ لا تكون تلك الخلافة شرعية .


الجهة الثانية : أن أهل السنة حكموا بأن بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة وقعت صحيحة من أول يوم مع أنها لم تكن عامة ، ولم يتحقق إجماع عليها في أول يوم ، وقالوا : إن البيعة العامة حصلت في اليوم التالي .

ولو سلمنا بحصول الإجماع بعد ذلك ، فما هو المصحح لها قبل تحقق الإجماع ؟

ثم إن قوما - سيأتي ذكرهم - من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبايعوا أبا بكر ، وامتنعوا عن البيعة ، ولم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر إن صحت عنهم الرواية .


قال ابن الأثير في أسد الغابة : وكانت بيعتهم - يعني من تخلفوا عن بيعة أبي بكر - بعد ستة أشهر على القول الصحيح ( 1 ).
 

فإذا كانت بيعة أبي بكر صحيحة لأجل الإجماع فالإجماع لم يتحقق ، وإن كانت صحيحة لأمر آخر ، فلا بد من بيانه لننظر فيه هل هو صحيح أم لا . والذي ذكره بعض علمائهم هو أنهم صححوا خلافة أبي بكر ببيعة أهل الحل والعقد عندهم ، لا بالإجماع . ولذلك صدحت كلماتهم بذلك وبعدم اشتراط تحقق الإجماع في بيعة الخلفاء .


قال الإيجي في المواقف : وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة ، فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع ، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع ، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف ، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا

بذلك ، كعقد عمر لأبي بكر ، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن اجتماع الأمة . هذا ولم ينكر عليه أحد ، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا
 

  * هامش *  
  (1) أسد الغابة 3 / 330 . ( * )  

 

- ص 47 -

هذا ( 1 ) .

وقال الجويني المعروف بإمام الحرمين : اعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع ، بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها ، والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ، ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار ، ولم ينكر منكر . فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حد محدود ، فالوجه الحكم بأن الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد ( 2 ) .


وقال الماوردي في الأحكام السلطانية : اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى ، فقالت طائفة : لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ، ليكون الرضا به عاما ، والتسليم لإمامته إجماعا ، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها ( 3 ) .


الجهة الثالثة : أن الإجماع لم يتم لأحد من هذه الأمة ، حتى من اتفق أهل السنة والشيعة على صحة خلافته ، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإن أمير المؤمنين عليه السلام لم يبايعه أهل الشام قاطبة ، وامتنع جمع من الصحابة عن بيعته ، كعبد الله بن عمر وزيد بن أرقم ومحمد بن مسلمة وغيرهم .


وأما أبو بكر فقد اعترف الإيجي بعدم انعقاد الإجماع على خلافته كما مر ، وتخلف عن بيعته أمير المؤمنين عليه السلام وبنو هاشم قاطبة وجمع آخر من الصحابة . وقد نص على ذلك جمع من أعلام أهل السنة في كتبهم ومصنفاتهم ، وإليك بعض ما ذكروه : 
ص48
 

  * هامش *  
  (1) المواقف ، ص 400 .
(2)
الإرشاد ، ص 424 عن كتاب الإلهيات 2 / 523 .
(3)
الأحكام السلطانية ، ص 33 . ( * )
 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب