|
- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 52
:
|
بيعة أبي بكر كانت فلتة :
أخرج البخاري في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والحميدي والموصلي في الجمع بين
الصحيحين وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم عن ابن عباس في حديث طويل أسموه بحديث
السقيفة ، قال فيه عمر : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت
كذلك ، ولكن الله وقى شرها . . . من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا
يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 1 ) .
وفي رواية أخرى : ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقى الله المؤمنين شرها ،
فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . وذكر هذا الحديث من علماء أهل السنة : السيوطي في
تاريخ الخلفاء ، وابن كثير في البداية والنهاية ، وابن هشام في السيرة النبوية
، وابن الأثير في الكامل ، والطبري في الرياض النضرة ، والدهلوي في مختصر
التحفة الاثني عشرية ، وغيرهم ( 2 ) .
تأملات في الحديث : قول عمر : إن بيعة أبي بكر
كانت فلتة . قال ابن منظور في لسان العرب : يقال : كان ذلك الأمر فلتة ، أي
فجأة إذا لم يكن عن تدبر ولا ترو ، والفلتة : الأمر يقع من غير إحكام ( 3 ) .
وقال ابن الأثير في تفسير ذلك : أراد بالفلتة الفجأة . . . والفلتة كل شئ
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري 8 / 210 الحدود ، باب رجم
الحبلى من الزنا ، 4 / 2130 ح 6830 . مسند أحمد
بن حنبل 1 / 323 ح 391 .
الجمع بن الصحيحين للحميدي 1 / 104 .
الجمع بين الصحيحين للموصلي 1 / 260 .
المصنف 7 / 431 ح 37031 ، 37032 .
(2) تاريخ
الخلفاء ، ص 51 . البداية والنهاية
5 / 215 . السيرة النبوية 4 / 657 .
الكامل في التاريخ 2 / 326 .
الرياض النضرة 1 / 233 . مختصر التحفة
الاثني عشرية ، ص 243 .
(3) لسان العرب 2 / 67 . ( * ) |
|
|
فعل من غير روية ( 1 ) .
وقال المحب الطبري : الفلتة :
ما وقع عاجلا من غير ترو ولا تدبير في الأمر ولا احتيال فيه ، وكذلك كانت بيعة
أبي بكر رضي الله عنه ، كأنهم استعجلوا خوف الفتنة ، وإنما قال عمر ذلك لأن
مثلها من الوقائع العظيمة التي ينبغي للعقلاء التروي
في عقدها لعظم المتعلق بها ، فلا تبرم فلتة من غير اجتماع أهل
العقد والحل من كل قاص ودان ، لتطيب الأنفس ، ولا تحمل من لم يدع إليها نفسه
على المخالفة والمنازعة وإرادة الفتنة ، ولا سيما أشراف الناس وسادات العرب ،
فلما وقعت بيعة أبي
بكر على خلاف ذلك قال عمر ما قال . ثم إن الله وقى شرها ، فإن
المعهود في وقوع مثلها في الوجود كثرة الفتن ، ووقوع العداوة والإحن ، فلذلك
قال عمر : وقى الله شرها ( 2 ) .
أقول :
إذا كانت بيعة أبي بكر فلتة ، قد وقعت
بلا تدبير ولا ترو ، ومن غير مشورة أهل الحل والعقد ، فهذا يدل على أنها لم تكن
بنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا نص صريح كما ادعاه بعض علماء أهل
السنة ، ولا نص خفي وإشارة
مفهمة كما ادعاه بعض آخر ، لأن بيعته
لو كانت مأمورا بها تصريحا أو تلميحا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكانت
بتدبير ، ولما كان للتروي ومشاورة الناس فيها مجال بعد أمر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بها .
ثم إن وصف هذه البيعة بالفلتة مشعر
بأن أبا بكر لم يكن أفضل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن كل ما رووه
بعد ذلك في أفضليته على سائر الصحابة إنما اختلق لتصحيح خلافته وخلافة من جاء
بعده ، ولصرف النظر عن أحقية غيره ،
وإلا لو كانت أفضليته معلومة عند
الناس بالأحاديث الكثيرة التي رووها في ذلك ، لما كان صحيحا أن توصف بيعة أفضل
الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها وقعت بلا ترو وتدبير ، لأن
التروي والتدبير إنما يطلبان للوصول إلى
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
النهاية في غريب الحديث 3 / 467 .
(2)
الرياض النضرة 1 / 237 . ( * )
|
|
|
بيعة الأفضل لا لأمر آخر ، فإذا تحققت هذه البيعة فلا موضوعية
للتروي أصلا .
وقول عمر : إلا أن الله وقى شرها يدل على أن تلك البيعة فيها شر ، وأنه من غير
البعيد أن تقع بسببها فتنة ، إلا أن الله سبحانه وقى المسلمين شرها . والشر
الذي وقى الله هذه الأمة منه هو الاختلاف والنزاع ، وإن كان قد وقع النزاع
والشجار
في سقيفة بني ساعدة ، وخالف أمير المؤمنين عليه السلام وأصحاب
فامتنعوا عن البيعة كما مر البيان ، لكن هذا الخلاف لم يشهر فيه سيف ، ولم يسفك
فيه دم .
إلا أن فتنة الخلاف في الخلافة باقية إلى اليوم ، وما افتراق المسلمين إلى شيعة
وسنة إلا بسبب ذلك . ومن يتتبع حوادث الصدر الأول يجد أن الظروف التاريخية
ساعدت أبا بكر وعمر على تولي الأمر واستتبابه لهما ، مع عدم أولويتهما بالأمر
واستحقاقهما له ، وذلك يتضح بأمور :
1 - إن انشغال أمير المؤمنين عليه السلام
وبني هاشم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال دون ذهابه إلى السقيفة ،
واحتجاجه على القوم بما هو حقه . كما أن غفلة عامة المهاجرين وباقي الأنصار عما
تمالأ عليه القوم في السقيفة ، وحضور
أبي بكر وعمر وأبي عبيدة دون غيرهم من المهاجرين ، جعل الحجة
لهم على الأنصار ، إذ احتجوا عليهم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
الأئمة من قريش . ولأنه لم يكن من قريش في السقيفة غيرهم ، فالخلافة لا بد
حينئذ من أن تنحصر فيهم
لأن القوم كانوا عقدوا العزم على اختيار خليفة من بين من
حضروا في السقيفة ، لا يثنيهم عن ذلك شئ. وقد سارع في تحقق البيعة لأبي بكر ما
كان بين الأوس والخزرج من المشاحنات المعروفة ، وما كان بين الخزرج أنفسهم من
الحسد ، ولذلك بادر
بشير بن سعد ( 1 ) فبايع أبا بكر . فقال له الحباب بن المنذر
( 2 ) : يا بشير بن سعد ، عققت عقاق ، ما أحوجك إلى ما صنعت ؟ أنفست على ابن
عمك الإمارة ؟ ( 3 )
قال الطبري في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل : ولما رأت
الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد
بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد بن حضير ، وكان أحد النقباء : والله
لئن وليتها الخزرج
عليكم مرة ، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم
معهم نصيبا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر . فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد
بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ( 4 ) .
فكان نظر أبي بكر وعمر أن الخلافة لا يصح أن تكون إلا في قريش
، وكان لا بد من الإسراع في بيعة رجل من قريش لئلا تجعل في غيرهم .
قال المحب الطبري : وخشي - يعني أبا بكر - أن يخرج الأمر عن قريش ، فلا تدين
العرب لمن يقوم به من غير قريش ، فيتطرق الفساد إلى أمر هذه الأمة ، ولم يحضر
معه في السقيفة من قريش غير عمر وأبي عبيدة ، فلذلك دل عليهما ،
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
بشير بن سعد والد النعمان بن بشير ، من الخزرج . قال ابن الأثير في
أسد الغابة 1 / 398 : شهد بدرا وأحدا
والمشاهد بعدها ، يقال : إنه أول من بايع أبا بكر رضي الله عنه يوم
السقيفة من الأنصار ، وقتل يوم عين تمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه
من اليمامة سنة اثنتي عشرة . (2)
هو الحباب من المنذر بن الجموح الأنصاري ، من الخزرج . قال ابن الأثير
في أسد الغابة 1 / 665 : شهد بدرا وهو
ابن ثلاث وثلاثين سنة . . . وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويقال له : ذو الرأي . وهو القائل يوم السقيفة : أنا جذيلها
المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير . وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب .
(3)
يعني أنك حسدت سعد بن عبادة أو الحباب نفسه لأنه دعا إلى نفسه ، فبادرت
إلى مبايعة أبي بكر ، لئلا ينالها سعد أو الحباب .
(4)
تاريخ الطبري 2 / 458 . الكامل في
التاريخ 2 / 331 . ( * )
|
|
|
ولم يمكنه ذكر غيرهما ممن كان غائبا خشية أن يتفرقوا عن ذلك
المجلس من غير إبرام أمر ولا إحكامه ، فيفوت المقصود ، ولو وعدوا بالطاعة لمن
غاب منهم حينئذ ما أمنهم على تسويل أنفسهم إلى الرجوع عن ذلك ( 1 ) .
ولأجل هذا المعنى اعتذر عمر بن الخطاب نفسه في حديث السقيفة عن مسارعتهم في
بيعة أبي بكر ، وعدم تريثهم لمشاورة باقي المسلمين ، فقال : وإنا والله ما
وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم
تكن بيعة ، أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما
نخالفهم فيكون فساد .
وأشار أبو بكر إلى ذلك في خطبته في المسجد بعد ذلك ، معتذرا للناس عن قبوله
البيعة لنفسه ، فقال : والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ، ولا
كنت راغبا فيها ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية ، ولكن أشفقت من الفتنة ( 2
) .
وأخرج أحمد في المسند أن أبا بكر قال : فبايعوني لذلك ، وقبلتها منهم ، وتخوفت
أن تكون فتنة تكون بعدها ردة ( 3 ) .
2 - إن ما أصيب به الإسلام والمسلمون من
المصيبة العظمى والداهية الكبرى بفقد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ،
وما تبعه من حوادث ، جعل كثيرا من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتجنبون
الخلاف والنزاع .
فبعد أن علموا أن البيعة تمت لأبي بكر في السقيفة ، رأوا أنهم إما أن يرضوا بما
وقع ، وفيه ما فيه ، أو يظهروا الخلاف فيكون الأمر أسوأ والحالة أشد ،
والمسلمون أحوج ما يكونون إلى نبذ الفرقة ولم الشمل ، فبايعوا أبا بكر ، وكانت
بيعتهم من باب دفع الأفسد في نظرهم بالفاسد .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الرياض النضرة 1 / 238 .
(2)
السيرة الحلبية 3 / 484 . وراجع مروج
الذهب 2 / 301 .
(3) مسند
أحمد بن حنبل 1 / 41 ح 42 ، قال أحمد شاكر : إسناده صحيح . ( *
)
|
|
|
وكان كثير من الصحابة يتجنبون الخلاف حتى مع علمهم بالخطأ ،
ويرون فعل الخطأ مع الوفاق ، أولى من فعل الحق مع الخلاف .
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن عن عبد الرحمن بن يزيد
قال : صلى عثمان بمنى أربعا ، فقال عبد الله : صليت مع النبي صلى الله عليه
وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين . زاد عن حفص : ومع عثمان
صدرا من إمارته ، ثم أتمها . . . ثم تفرقت بكم الطرق ، فلوددت أن لي من أربع
ركعات ركعتين متقبلتين . . . فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟ قال :
الخلاف شر ( 1 ) .
ورواه أحمد في المسند عن أبي ذر ( 2 ) .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود ، وفيه أنه قال :
ولكن عثمان كان إماما ، فما أخالفه ، والخلاف شر ( 3 ) .
وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا ، وإذا صلاها وحده
صلى ركعتين ( 4 ) .
3 - أن عمر بن الخطاب كان يعضد أبا بكر
ويقويه ، وعمر معروف بالشدة والغلظة ، فلذلك خاف قوم من مخالفة أبي بكر وعمر في
هذا الأمر ، وأجبر قوم آخرون على البيعة ( 5 ) ، فاستتب الأمر بذلك لأبي بكر .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سنن أبي داود 2 / 199 ح 1960 .
(2) مسند
أحمد بن حنبل 31 / 205 ح 21541 .
(3)
السنن الكبرى 3 / 144 .
(4) صحيح
مسلم 1 / 482 .
(5) ذكر
الطبري في تاريخه أن سعد بن عبادة قال يوم السقيفة لأبي بكر :
إنك وقومي أجبرتموني على البيعة . فقالوا له : إنا لو أجبرناك على
الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ، ولكنا أجبرنا على الجماعة فلا
إقالة فيها ، لئن نزعت يدا من طاعة أو فرقت جماعة لنضربن الذي فيه
عيناك . ( * )
|
|
|
فإذا كانوا قد كشفوا بيت فاطمة لأخذ البيعة من أمير المؤمنين
عليه السلام ( 1 ) ، ولم يراعوا لبيت فاطمة الزهراء عليه السلام حرمة ، فعدم
مراعاة غيرها من طريق أولى ، وإن قهرهم لعلي عليه السلام لأخذ البيعة منه ( 2 )
، مع ما هو معلوم من شجاعته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يجعل
غيره لا يمتنع عن البيعة .
ومن شدة عمر في هذا الأمر أنه كان من الذين نزوا على سعد بن عبادة يوم السقيفة
وكادوا يقتلونه ، وقد ذكر ذلك عمر في حديث السقيفة ، فقال :
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
ذكر المسعودي في مروج الذهب 2 / 301 أن
أبا بكر لما احتضر قال : ما آسى على شئ إلا على ثلاث فعلتها ، وددت أني
تركتها ، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها ، وثلاث وددت أني سألت رسول
الله صلى الله عليه وسلم عنها ، فأما الثلاث التي فعلتها ، ووددت أني
تركتها ، فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة .
وفي الإمامة والسياسة
، ص 18 : فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن : فليتني تركت
بيت علي وإن كان أعلن علي الحرب . . . وذكر هجوم القوم على بيت فاطمة
أيضا : اليعقوبي في تاريخه 2 / 11 . وأبو
الفداء في تاريخه 1 / 219 . وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، ص
13 كما سيأتي .
(2)
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، ص
13 : ثم قام عمر ، فمشى معه جماعة ، حتى أتوا باب فاطمة ، فدقوا الباب
، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا
لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟ فلما سمع القوم صوتها
وبكائها انصرفوا باكين . . . وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا عليا ، فمضوا
به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع . . .
وقال أبو الفداء في
تاريخه 1 / 219 : ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن
معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي الله عنها ، وقال : إن أبوا عليك فقاتلهم
. فأقبل عمر بشئ من نار على أن يضرم الدار ، فلقيته فاطمة رضي الله
عنها وقالت : إلى أين يا ابن الخطاب ؟ أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم ،
أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة . . .
ونظم هذا المعنى حافظ إبراهيم ، فقال :
وقولة لعلي قالها عمر * أكرم
بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها * أمام فارس عدنان وحاميها
وهو كثير في كتب التاريخ يجده المتتبع ( * )
|
|
|
ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن
عبادة . فقلت : قتل الله سعد بن عبادة . وهو الذي ضرب يد الحباب بن المنذر يوم
السقيفة فندر السيف منها .
قال الطبري في تاريخه : لما قام الحباب بن المنذر ، انتضى سيفه وقال : أنا
جذيلها المحكك وعذيقها المرجب . . . فحامله عمر ، فضرب يده ، فندر السيف فأخذه
، ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد ( 1 ) .
وزبدة المخض أن أكثر الصحابة - المهاجرين منهم والأنصار - أعرضوا عن النصوص
المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة الخلافة ، وصدرت منهم
اجتهادات خالفوا بها النصوص الثابتة ، ثم التمسوا لهم الأعذار فيها ، والتمس من
جاء بعدهم لهم ما يصحح اجتهاداتهم تلك .
ويدل على ذلك أن الأنصار اجتمعوا في السقيفة وهم كثرة ، ليختاروا منهم خليفة
للمسلمين ، مع أنهم يعلمون - كما في حديث السقيفة - أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : الأئمة من قريش ، فتجاوزوا هذا النص الصريح الواضح في هذه
المسألة
حرصا منهم على الإمارة ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فيما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
أنه قال : إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعة
، وبئس الفاطمة ( 2 ) . وكان ذلك مصداقا لما أخبر به النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
تاريخ الطبري 2 / 459 .
(2)
صحيح البخاري 4 / 2234 الأحكام ، ب 7 ح
7148 . سنن النسائي 7 / 181 ح 4222 ، 8 /
617 ح 5400 .
صحيح سنن النسائي 2 / 457 ، 1090 . مسند
أحمد بن حنبل 2 / 448 ، 476 . الإحسان
بترتيب صحيح ابن حبان 7 / 8 .
السنن الكبرى 3 / 129 ، 10 / 95 .
الترغيب والترهيب 3 / 98 . مشكاة
المصابيح 2 / 1089 . حلية الأولياء
7 / 93 .
شرح السنة 1 / 57 ، 14 / 58 . الجامع
الصغير 1 / 388 ح 2538 . صحيح الجامع
الصغير 1 / 388 ح 2304 .
سلسلة الأحاديث الصحيحة 6 : 1 / 70 ح 2530 . ( * )
|
|
|
وغيرهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : وإني والله ما
أخاف أن تشركوا بعدي ، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ( 1 ) . وفي رواية أخرى
، قال : ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها ( 2 ) .
وبالجملة فإن قلنا : إنه يشترط في الخليفة أن
يكون قرشيا فلا يجوز للأنصار أن يبايعوا رجلا منهم ، وإن قلنا : إن اختيار
الخليفة لا بد أن يكون بالشورى ، فحينئذ لا يحق لمن حضر في السقيفة أن يختاروا
خليفة منهم دون مشورة باقي المسلمين ، ولا سيما أنه لم يحضر من المهاجرين إلا
ثلاثة نفر : أبو بكر وعمر وأبو عبيدة .
ثم إن احتجاج أبي بكر وعمر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم وهم عشيرته
، ولا يصلح لخلافته رجل من غيرهم ( 3 ) ، يستلزم أن يكون الخليفة من بني هاشم ،
ومن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخصوص .
ولذلك احتج أمير المؤمنين عليهم بما احتجوا به على غيرهم ، فقال فيما نسب إليه
: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري 1 / 399 الجنائز ، ب 72 ح
1344 ، 3 / 1110 المناقب ، ب 25 ح 3596 ، 4 / 2059 الرقاق ، ب 53 ح
6590 . صحيح مسلم 4 / 1795 الفضائل ، ب 9
ح 2296 . (2)
صحيح البخاري 3 / 1234 المغازي ، ب 17 ح
4043 .
(3)
ذكر الطبري في تاريخه 2 / 457 ، وابن
الأثير في الكامل في التاريخ 2 / 329
خطبة أبي بكر يوم السقيفة ، فذكر المهاجرين وبين فضلهم على غيرهم ،
فكان مما قال : فهم أول من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله والرسول ،
وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك إلا
ظالم . وكان مما قاله عمر : من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ، ونحن
أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة
. وقال أبو عبيدة : ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش ، وقومه
أولى به . ( * )
|
|
|
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك
أولى بالنبي وأقرب ( 1 )
وأما إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نص على الخليفة من بعده
كما هو الصحيح ، فالمخالفة حينئذ تكون أوضح.
ومن ذلك كله يتضح أن أهل السقيفة - المهاجرين منهم والأنصار -
خالفوا النصوص الصحيحة الواردة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة
الخلافة .
وهذا يستلزم ألا يكون شئ مما قرروه في السقيفة ملزما لغيرهم ،
أو حجة عليهم ، بل لا يمكن أن يصحح بحال .
وأما اجتهاد باقي الصحابة ورغبتهم في ترك الخلاف ببيعة أبي بكر من أجل رأب
الصدع وعدم إحداث الفرقة ، فهذا اجتهاد منهم لا يلزم غيرهم أيضا ، ولا يصحح
بيعة أبي بكر مع ثبوت النصوص الصحيحة الدالة على خلافة علي عليه السلام التي
سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
ديوان أمير المؤمنين عليه السلام ، ص 12
. وراجع احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بذلك في (
الإمامة والسياسة ) ، ص 11 . |
|
|
|