وقال : شبه الدنيا بما فيها من الكفر والضلالات والبدع
والجهالات والأهواء الزائغة ببحر لجي يغشاه موج ، من فوقه موج ، من فوقه سحاب ،
ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد أحاط بأكنافه وأطراف الأرض كلها ، وليس منه خلاص ولا
مناص إلا تلك السفينة ، وهي محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
أقول : لا خلاص ولا مناص إلا تلك السفينة ، وهي اتباع أهل البيت عليهم السلام
لا محبتهم المجردة عن الاتباع التي لا تعصم عن الوقوع في الهلاك ، وسيأتي لهذا
مزيد بيان قريبا إن شاء الله تعالى .
والحاصل أنه قد اتضح من كل ما تقدم بما لا يدع مجالا للشك أن الواجب على كل
مؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتمسك بكتاب الله العزيز
وبالعترة النبوية الطاهرة ليسلك سبيل الهدى ، وينجو من سبل الغي والردى .
وهنا لا بد من بيان أمرين مهمين :
الأمر الأول : أن النجاة من
الضلال لا تتحقق إلا بالتمسك بكتاب الله وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
دون غيرهما ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في مقام البيان ، ولو
كان أمر ثالث في البين لنص عليه .
فمن زعم أنه متمسك بالصحابة أو التابعين أو أئمة المذاهب من غير أئمة أهل البيت
عليهم السلام وأنه صار بسبب ذلك على الهدى والحق ، فقد رد على رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قوله ، ونقض حكمه ، كما هو واضح .
الأمر الثاني : أن الواجب هو التمسك بالثقلين معا ، والتمسك بأحدهما دون الأخر
لا ينفع في الوصول إلى الحق ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نص في
حديث الثقلين المتقدم باختلاف ألفاظه على أن التمسك بهما معا هو
المنجي من الوقوع في الضلال .
فمن زعم أنه متمسك بالقرآن ، وأنه ناج من الضلال بسبب ذلك ،
فهو متوهم غافل ، وذلك لأن القرآن فيه المحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ،
والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمبين والمجمل ، وتمييز بعض ذلك عن بعضه
الآخر من الأمور
المشكلة التي خفيت معرفتها على علماء أكثر الطوائف ، مما سبب
وقوع الناس في مزيد من التحير والاختلاف ، فلا مناص حينئذ من اتباع العلامة
الأخرى التي يكون اتباعها رافعا للتحير والاختلاف ، وهم أهل البيت عليهم السلام
.
والحاصل : أن الأحاديث المتقدمة دلت بما لا يدع مجالا للريب على أن الناجين من
كل فئات هذه الأمة هم أتباع أهل البيت عليهم السلام ، السائرين على نهجهم ،
والآخذين بهديهم ، والمقتفين لآثارهم ، دون غيرهم من الناس ، وذلك لأنه قد ثبت
في
الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة أن الأمة تفترق إلى ثلاث
وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، فإذا كانت الفرقة الناجية هي التي
تمسكت بالكتاب والعترة النبوية فغيرها لا بد أن يكون على ضلال . . .
( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) .