لماذا هذه المذاهب الأربعة ؟

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 118 :

لماذا هذه المذاهب الأربعة ؟

 تمهيد :

لقد اختلف أهل السنة إلى مذاهب كثيرة في الفروع والأصول ، كمذهب سفيان بن عيينة بمكة ، ومذهب مالك بن أنس بالمدينة ، ومذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري بالكوفة ، ومذهب الأوزاعي بالشام ، ومذهب الشافعي والليث بن سعد بمصر ، ومذهب إسحاق بن راهويه بنيسابور ، ومذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور ببغداد . . . وغيرها .


إلا أن أكثر تلك المذاهب انقرض بين الناس ، وظلت آراء أصحابها مدونة في بطون الكتب عند أهل السنة ، وبقيت من تلك المذاهب : الأربعة المعروفة ، وهي مذهب أبي حنيفة النعمان ، ومذهب مالك بن أنس ، ومذهب محمد بن إدريس الشافعي ، ومذهب أحمد بن حنبل .


وهذه المذاهب صارت هي المذاهب التي عليها أهل السنة في كافة الأمصار منذ أن حصر التقليد فيها إلى عصرنا الحاضر .

وهنا نسأل : هل يجوز التعبد بهذه المذاهب الأربعة ، وهل تبرأ الذمة باتباع واحد منها أم لا ؟ هذا ما سنكشف عنه النقاب في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى :
 

- ص 119 -

نشأة المذاهب الأربعة :


كان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلجأون في معرفة أمور دينهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم وإلى من جعلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبله كأمراء أو رسل إلى البلاد الأخرى ، وبقي الحال على ذلك إلى أن قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم .


وأما بعد زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فكان الناس يسألون الخلفاء خاصة والصحابة عامة لما تفرقوا في سائر البلدان ، لأنهم كانوا أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعرفهم بأحكام دينه .


ولما جاء عصر التابعين وتابعي التابعين انقسم العلماء إلى قسمين : أهل الحديث ، وأهل الفتوى . وكثر المفتون في المدينة ومكة والشام ومصر والكوفة وبغداد وغيرها من بلاد الإسلام ، فكان العامة يسألون من يظهر لهم علمه ومعرفته ، دون أن يتمذهبوا بقول واحد بعينه .


إلا أن المهاترات التي وقعت بين أهل الحديث وأهل الفتوى وبالأخص أهل الرأي منهم من جهة ، مضافا إلى تقريب الخلفاء لبعض العلماء دون البعض الآخر من جهة أخرى ، ولد روح التعصب عند الناس لبعض الفقهاء ، والحرص على الالتزام بآرائه الفقهية وطرح آراء غيره .


ولما ظهر أبو حنيفة كفقيه له آراؤه الفقهية ، استطاع أن يستقطب له تلاميذ صار لهم الدور الكبير بعد ذلك في نشر تلك الآراء ، ولا سيما القاضي أبو يوسف ( 1 ) الذي نال الحظوة عند الخلفاء العباسيين ، فتولى منصب القضاء
 

  * هامش *  
  (1) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ، ولد في الكوفة سنة 113 ه‍ ، ونشأ فيها ، وكان فقيرا معدما ، اتصل بأبي حنيفة وتتلمذ على يديه ، وفأولاه أبو حنيفة عناية خاصة ، فكان ينفق عليه وعلى عياله ، إلى أن مات أبو حنيفة سنة 150 ه‍ ، فاستقل برئاسة المذهب ، وتولى القضاء ، وحظي بمكانة عظيمة عند هارون الرشيد ، وهو أول من لقب بقاضي القضاة ، ونشر مذهب أبي حنيفة في الآفاق ، توفي سنة 182 ه‍ ، وعمره 69 سنة . ( * )  

 

- ص 120 -

لثلاثة من الخلفاء : المهدي والهادي والرشيد ، فنشر مذهب أبي حنيفة بواسطة القضاة الذين كان يعينهم هو وأصحابه .

ولما بزغ نجم مالك بن أنس أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما في الموطأ ، وأمر من ينادي في الناس : ألا لا يفتين أحد ومالك بالمدينة .


وحظي مالك بمكانة عظيمة عنده وعند من جاء بعده من أبنائه الخلفاء ، كالمهدي والهادي والرشيد ، فسبب ذلك ظهور أتباع له يروجون مذهبه ، ويظهرون التعصب له .


ثم تألق الشافعي وبرز على علماء عصره ، وساعده على ذلك تتلمذه على مالك في المدينة ، ونزوله ضيفا لما ذهب إلى مصر عند محمد بن عبد الله بن الحكم الذي كانت له في مصر مكانة ومنزلة علمية ، وكان مقدما عند أهل مصر ، فقام هذا الأخير بنشر علم الشافعي وبث كتبه ، مضافا إلى ما لقيه الشافعي في بادئ الأمر من المالكية في مصر من الإقبال والحفاوة ، بسبب كثرة ثنائه على الإمام مالك ، وتسميته ب‍ ( الأستاذ ) .


ولما وقع الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن ، وضرب وحبس ، مع ما أظهر من الصبر والتجلد ، جعل له المكانة عند الناس ، ولا سيما بعد أن أدناه المتوكل العباسي وأكرمه وعظمه ، وعني به عناية فائقة .

هكذا نشأت هذه المذاهب وانتشرت دون غيرها .


ثم إن الأغراض السياسية والمآرب الدنيوية كانت وراء دعم الخلفاء لهذه المذاهب ، فإن خلفاء بني العباس أرادوا أن يلفتوا الناس إلى علماء من أهل السنة ، لتكون لهم المكانة السامية عند الناس ، باعتبارهم أئمة في الدين ، ليصرفوا الأنظار عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين كانت نقطة التوتر بينهم هي الأولوية بالخلافة .


ولهذا كان شعراء بني العباس يثيرون هذه المسألة في مناسبات كثيرة ، يعرضون فيها بأبناء علي وفاطمة عليهم السلام ، ويحتجون بأن الخلافة ميراث النبي
 

- ص 121 -

صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلي عليه السلام ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والعباس عمه ، وابن العم لا يرث مع وجود العم .

ومما أنشده مروان بن أبي الجنوب للمتوكل :

ملك الخليفة جعفر * للدين والدنيا سلامه
لكم تراث محمد * وبعدلكم تنفى الظلامه

يرجو التراث بنو البنا * ت وما لهم فيها قلامه
والصهر ليس بوارث * والبنت لا ترث الإمامه

ما للذين تنحلوا * ميراثكم إلا الندامه
أخذ الوراثة أهلها * فعلام لومكم علامه

لو كان حقكم لما * قامت على الناس القيامة
ليس التراث لغيركم * لا والإله ، ولا كرامه
أصبحت بين محبكم * والمبغضين لكم علامه


قال مروان : فعقد لي على البحرين واليمامة ، وخلع لي أربع خلع ، وخلع علي المنتصر ، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار ، فنثرت علي ( 1 ) .


قال ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام : وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة - نعني التقليد - إنما حدثت في الناس وابتدئ بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة ، وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عاما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا على هذه البدعة ، ولا وجد فيهم رجل يقلد عالما بعينه ، فيتبع أقواله في الفتيا ، فيأخذ بها ولا يخالف شيئا منها .


ثم ابتدأت هذه البدعة من حين ذكرنا في العصر الرابع في القرن المذموم ، ثم لم تزل تزيد حتى عمت بعد المائتين من الهجرة عموما طبق الأرض ، إلا من عصم الله عز وجل وتمسك بالأمر الأول الذي كان عليه الصحابة والتابعون
 

  * هامش *  
  (1) الكامل في التاريخ 7 / 101 . ( * )  

 

- ص 122 -

وتابعو التابعين بلا خلاف من أحد منهم .


نسأل الله تعالى أن يثبتنا عليه ، وأن لا يعدل بنا عنه ، وأن يتوب على من تورط في هذه الكبيرة من إخواننا المسلمين ، وأن يفئ بهم إلى منهاج سلفهم الصالح ( 1 ) .


وسواء كانت هذه المذاهب سبقت هذا الزمان قليلا أو كثيرا فهي على كل حال لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما استحدثت بعد أكثر من قرن من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم .
 

  * هامش *  
  (1) الإحكام في أصول الأحكام 6 / 126 . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب