نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم :
إن أئمة
المذاهب الأربعة نهوا الناس عن تقليدهم واتباعهم ، وقد نقل ذلك عنهم ، وهو
محفوظ من أقوالهم وكلماتهم :
قال ابن القيم في أعلام الموقعين : وقد نهى الأئمة
الأربعة عن تقليدهم ، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة ( 2 ) .
وقال ابن حزم :
وقد ذكرنا أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي لم يقلدوا ، ولا أجازوا لأحد أن يقلدهم
، ولا أن يقلد غيرهم ( 3 ) .
وقال أبو حنيفة : لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى
يعلم من أين قلناه ( 4 ) . وقال : لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من
أين قلت ( 5 ) .
وروى ابن حزم بسنده عن المازني ، عن الشافعي أنه نهى الناس عن
تقليده وتقليد غيره ( 6 ) .
ونقل السيوطي عن الإمام أبي شامة أنه قال : نهى
إمامنا الشافعي عن تقليده وتقليد غيره ( 7 ) .
وذكر المزني صاحب الشافعي ذلك في
مقدمة مختصره ( 8 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(2)
أعلام الموقعين 2 / 200 .
(3) الإحكام في أصول الأحكام 6 /
314 .
(4) أعلام الموقعين 2 / 200 .
(5) الانتقاء ، ص 145 .
(6) الإحكام في أصول الأحكام 6 /
174 .
(7) الرد على من أخلد إلى الأرض ،
ص 141 .
(8) مختصر المزني ، ص 1 . ونقل
ذلك عنه السيوطي في المصدر السابق ، ص 142 . ( * ) |
|
|
وقال أحمد بن حنبل : لا تقلدني ولا تقلد مالكا
ولا الثوري ولا الأوزاعي ، خذ من حيث أخذوا . وقال : من قلة فقه الرجل أن يقلد
في دينه الرجال . وقال : لا تقلد دينك أحدا ( 1 ) .
قال ابن القيم : ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتابا في الفقه
، وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك . ثم إن كل واحد
من الأئمة الأربعة نهى أن يؤخذ بقوله إذا كان مخالفا لما هو مروي عن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم .
فالمعتمد هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أقوالهم :
قال أبو حنيفة : إذا جاء عن النبي صلى الله
عليه وسلم فعلى العين والرأس ، وإذا جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
نختار من قولهم ، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم . . . ( 2 )
وقال الشافعي : كل ما قلت وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم
خلاف قولي مما يصح ، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، فلا تقلدوني ( 3 )
.
وقال مالك بن أنس : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي
، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه (
4 ) .
وبعد هذا كله هل يجوز لمؤمن أن يتبع إماما نهى عن تقليده
واتباعه ، وأمر الناس بعرض أقواله على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله
وسلم ، وأمر بطرح كل ما
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
أعلام الموقعين 2 / 211 .
(2) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة
الفقهاء ، ص 144 ، 145 .
(3) آداب الشافعي ومناقبه ، ص 68
. حلية الأولياء 9 / 106 ، 107 .
توالي التأسيس ، ص 107 .
مناقب الإمام الشافعي ، ص 359 .
أعلام الموقعين 2 / 285 .
البداية والنهاية 10 / 265 .
تذكرة الحفاظ 1 / 362 .
سير أعلام النبلاء 10 / 33 ، 34 ، 35 .
(4) الإحكام في أصول الأحكام 6 /
294 . تهذيب التهذيب 10 / 8 . ( * ) |
|
|
خالفهما ، وعلى ذلك يكون كل من لم يفعل ذلك
فهو مخالفا لهم وهو يزعم أنه يتبعهم ، ولعلهم يتبرؤون من كل أولئك الذين
اتبعوهم يوم العرض على الله . ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من
الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب *
وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله
أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) ( 1 ) .
قال ابن حزم : هكذا والله يقول هؤلاء الفضلاء الذين قلدهم أقوام
قد نهوهم عن تقليدهم ، فإنهم رحمهم الله قد تبرأوا في الدنيا والآخرة من كل من
قلدهم ، وفاز أولئك الأفاضل الأخيار ، وهلك المقلدون لهم ، بعدما سمعوا من
الوعيد الشديد ، والنهي عن التقليد ( 2 ) .
وقال : ووالله لو أن هؤلاء [ الأئمة ] وردوا عرصة القيامة بمل ء
ء السماوات والأرض حسنات ، ما رحموه - يعني من قلدهم - بواحدة ، ولو أنه
المغرور ورد ذلك الموقف بمل ء ء السماوات والأرض سيئات ، ما حطوا منها واحدة ،
ولا عرجوا عليه ، ولا التفتوا إليه ، ولا نفعوه بنافعة ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة البقرة ، الآيتان 166 ، 167 .
(2) الإحكام في أصول الأحكام 6 /
276 .
(3) المصدر السابق 6 / 281 . ( * ) |
|
|