تعصب أهل السنة لمذاهبهم

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 144 :

 تعصب أهل السنة لمذاهبهم :


إن المتتبع لما كتبه أهل السنة - علماؤهم وغيرهم - يجد أن التعصب للمذاهب كان قويا جدا ، ولم يسلم منه حتى من كان يتوقع منه التنزه عنه لجلالته وعلمه ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، ويمكن أن نقول : إن التعصب قد وقع على أنحاء مختلفة : منه : ما نتج عنه رد الأحاديث والآثار النبوية ، والعمل بفتوى إمام المذهب ، وإن كان فيها مخالفة صريحة للنص الثابت .


وقال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) : قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله

- ص 145 -

عنهم : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء ، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل ، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات ، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها ، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب ، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا ( 1 ) .


وقال السيد سابق في فقه السنة : وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي - وهو حنفي - : كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ ؟ ! ( 2 )


وقال ابن حزم : قال بعض من قوي جهله وضعف عقله ورق دينه : إذا اختلف العالمان وتعلق أحدهما بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو آية ، وأتى الآخر بقول يخالف ذلك الحديث وتلك الآية ، فواجب اتباع من خالف الحديث ، لأننا مأمورون بتوقيرهم ( 3 ) .


وعن إبراهيم النخعي قال : لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاوزتهما وأنا أقرؤها ( إلى المرافق ) ( 4 ) .


ومن تعصبهم : ما جرهم إلى أمور منكرة ومهاترات عجيبة . ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في ترجمة محمد بن موسى بن عبد الله الحنفي ، فقال : ولي قضاء دمشق ، وكان غاليا في مذهب أبي حنيفة . . . وكان يقول : لو كانت لي الولاية لأخذت من أصحاب الشافعي الجزية . وكان مبغضا لأصحاب مالك أيضا ( 5 ) .
 

  * هامش *  
  (1) التفسير الكبير 16 / 37 .
(2)
فقه السنة 1 / 10 .
(3)
الإحكام في أصول الأحكام 6 / 260 .
(4)
المصدر السابق 6 / 263 .
(5)
البداية والنهاية 12 / 187 . لسان الميزان 5 / 402 . ( * )
 

 

- ص 146 -

وذكر الذهبي في العبر أن الفقيه الشافعي أبا حامد محمد بن محمد البروي الطوسي صاحب التعليقة المشهورة في الخلاف كان بارعا في معرفة مذهب الأشعري ، قدم بغداد وشغب على الحنابلة ، وأثار الفتنة ، ووعظ بالنظامية ، فأصبح ميتا ، فيقال : إن الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلوى مسمومة. وقيل: إن البروي قال : لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية ( 1 )


ومن تعصبهم : ما جرهم إلى فتاوى غريبة وأحكام عجيبة . فقد أفتى بعض الأحناف بعدم جواز تزويج الحنفي بالشافعية ، باعتبار أن الشافعية تشك في إيمانها ، لأن الشافعي يقول : أنا مؤمن إن شاء الله . إلا أن بعضهم قال : يجوز ذلك ، قياسا على الذمية ، أي فكما يجوز زواج الحنفي بالذمية كذلك يجوز زواج الحنفي بالشافعية .


ومن تعصبهم : ما أحدث الفتن فيما بينهم . قال ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 323 ه‍ في بغداد: وفيها عظم أمر الحنابلة ، وقويت شوكتهم ، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة ، وإن وجدوا نبيذا أراقوه ، وإن وجدوا مغنية ضربوها ،

وكسروا آلة الغناء ، واعترضوا في البيع والشراء ، ومشي الرجال مع النساء والصبيان ، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو ؟ [ فإذا ] أخبرهم ، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة ، وشهدوا عليه بالفاحشة ، فأرهجوا بغداد . . . وزاد

شرهم وفتنتهم ، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد ، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان ، فيضربونه بعصيهم حتى يكاد يموت ( 2 ) .


ومن تعصبهم : ما سبب إغلاق باب الاجتهاد عند أهل السنة . قال السيد سابق : وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية
 

  * هامش *  
  (1) العبر في خبر من غبر 3 / 52 . شذرات الذهب 4 / 224 .
(2)
الكامل في التاريخ 8 / 307 - 308 . ( * )
 

 

- ص 147 -

بالكتاب والسنة ، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد ، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء ، وأقوال الفقهاء هي الشريعة ، واعتبر كل من يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعا لا يوثق بأقواله ، ولا يعتد بفتاويه ( 1 ) .


وقال أبو شامة : وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى، وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين : الكتاب والسنة . . . ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة ، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة ،

وهجر غيرها ، فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم ، فقلدوا بعدما كان التقليد حراما لغير الرسل ، بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين : الكتاب والسنة ، وذلك معنى قوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) فعدم المجتهدون ،

وغلب المتقلدون ، وكثر التعصب ، وكفروا بالرسول حيث قال : يبعث الله في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وحجروا على رب العالمين مثل اليهود أن لا يبعث بعد أئمتهم وليا مجتهدا، حتى آل بهم إلى التعصب إلى أحدهم إذا أورد عليه شئ من الكتاب والسنة على خلافه ، يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة ، نصرة لمذهبه ولقوله ( 2 ).


ومن تعصبهم : غلو كل طائفة في إمامها . قال البيهقي : إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك أنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقى بها ، وكان يقال لهم : ( قال رسول الله ) . فيقولون : ( قال مالك ) . فقال الشافعي : إن مالكا بشر يخطئ . فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه ( 3 ) .
 

  * هامش *  
  (1) فقه السنة 1 / 10 .
(2)
المختصر المؤمل للردل إلى الأول ، ص 14 - 15 . ( عن كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 2 / 145 ) .
(3)
توالي التأسيس ، ص 147 . ( * )
 

 

- ص 148 -

وأخرج الخطيب عن علي بن جرير ، قال : كنت في الكوفة فقدمت البصرة وبها ابن المبارك ، فقال لي : كيف تركت الناس ؟ قال : قلت : تركت بالكوفة قوما يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : كفر . قلت : اتخذوك

في الكفر إماما . قال : فبكى حتى ابتلت لحيته ، يعني أنه حدث عنه . وعنه أيضا قال : قدمت على ابن المبارك ، فقال له رجل : إن رجلين تماريا عندنا في مسألة ، فقال أحدهما : قال أبو حنيفة . وقال الآخر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء ( 1 ) .


هذا غيض من فيض من الآثار المذمومة للتعصب للمذاهب ، نسأل الله أن يأخذ بيد جميع المسلمين إلى رضاه ، إنه قريب مجيب .

  * هامش *  
  (1) تاريخ بغداد 13 / 441 - 442 . ( * )  

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب