المسلم غير ملزم باتباع أحد المذاهب الأربعة

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 148 :

 المسلم غير ملزم باتباع أحد المذاهب الأربعة :


هذا وقد ذكر بعض علماء أهل السنة في كتبهم ما يضئ الدرب أمام من التزم باتباع مذهب معين ، فشددوا في الإرشاد ، وأبلغوا في النصح ، لعل شيئا منها يجد أذنا صاغية أو قلبا واعيا . وإليك بعض كلماتهم :


قال ابن عبد البر : يقال لمن قال بالتقليد : لم قلت به وخالفت السلف في ذلك ، فإنهم لم يقلدوا ؟ فإن قال : قلدت لأن كتاب الله جل وعز لا علم لي بتأويله ، وسنة رسوله لم أحصها ، والذي قلدته قد علم ذلك ، فقلدت من هو أعلم مني . قيل له : أما

العلماء إذا اجتمعوا على شئ من تأويل الكتاب ، أو حكاية سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو اجتمع رأيهم على شئ فهو الحق ، لا شك فيه ، ولكن اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض ، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض ، وكلهم عالم ، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من
 

- ص 149 -

الذي ذهبت إلى مذهبه . فإن قال : قلدته لأني علمت أنه صواب . قيل له : علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ، فقد أبطل التقليد ، وطولب بما ادعاه من الدليل . وإن قال : قلدته لأنه أعلم مني . قيل له : فقلد كل من هو أعلم منك ، فإنك تجد

خلقا كثيرا ، ولا تخص من قلدته ، إذ علتك فيه أنه أعلم منك . فإن قال : قلدته لأنه أعلم الناس . قيل له : فهو إذن أعلم من الصحابة . وكفى بقول مثل هذا قبحا . وإن قال : إنما أقلد بعض الصحابة . قيل له : فما حجتك في ترك من لم يقلد منهم ، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله. على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه ( 1 ).


وقال ابن حزم : إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عز وجل معجزة ، ولا ظهرت عليه آية ، ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ، ولا بالولاية .


وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم ، ممن لا يقطع على غيب إسلامه ( 2 ) ، ولا بيد مقلده أكثر من حسن الظن به ، وأنه في ظاهر أمره فاضل من أفاضل المسلمين ، لا يقطع له على غيره من الناس بفضل ، ولا يشهد له على نظرائه بسبق ، إن هو إلا الضلال المبين ( 3 ) .


ثم قال : ثم ننحط في سؤالهم درجة فنقول : ما الذي دعاكم إلى التهالك على قول مالك وابن القاسم ؟ فهلا تبعتم قول عمر بن الخطاب وابنه فتهالكتم عليها ؟ فهما أعلم وأفضل من مالك وابن القاسم عند الله عز وجل بلا شك .


ونقول للحنفيين : ما الذي حملكم على التماوت على قول أبي حنيفة

  * هامش *  
  (1) جامع بيان العلم وفضله 2 / 117 .
(2)
يعني كيف نقلد من لا نقطع بأنه مسلم ، غاية ما في الأمر أننا نحسن الظن به باعتبار أنه في الظاهر من أفاضل المسلمين ، أما العلم بحقيقة حاله فلا سبيل لنا إليه .
(3)
الإحكام في أصول الأحكام 6 / 280 . ( * )
 

 

- ص 150 -

وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ؟ فهلا طلبتم أقوال عبد الله بن مسعود وعلي فتماوتم عليها ؟ فهما أفضل وأعلم من أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن عند الله تعالى بلا شك .


ونقول لمن قلد الشافعي رحمه الله : ألم ينهكم عن تقليده وأمركم باتباع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث صح ؟ فهلا اتبعتموه في هذه القولة الصادقة التي لا يحل خلافها لأحد ؟ ( 1 )


وقال ابن القيم : نقول : أخذتم بقول فلان لأن فلانا قاله ؟ أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ؟ فإن قلتم : ( لأن فلانا قاله ) جعلتم قول فلان حجة ، وهذا عين الباطل .
 

وإن قلتم : ( لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ) كان هذا أعظم وأقبح ، فإنه مع تضمنه للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقويلكم عليه ما لم يقله ، هو أيضا كذب على المتبوع ، فإنه لم يقل : هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد دار قولكم بين أمرين لا ثالث لهما : إما جعل قول غير المعصوم حجة ، وإما تقويل المعصوم ما لم يقله ، ولا بد من واحد من الأمرين .


فإن قلتم : بل منهما بد ، وبقي قسم ثالث ، وهو أنا قلنا كذا ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا ، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم ، ونرد ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم ، فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا . قيل :

وهل ندندن إلا حول اتباع أمره صلى الله عليه وسلم ، فحيهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتم الإيمان والإسلام إلا به ، فنناشدكم بالذي أرسله : إذا جاء أمره وجاء أمر من قلدتموه ، هل تتركون قوله لأمره صلى الله عليه وسلم ، وتضربون به

الحائط ، وتحرمون الأخذ به والحالة هذه ، حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم ، أم تأخذون بقوله ، وتفوضون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله ، وتقولون : هو أعلم
 

  * هامش *  
  (1) المصدر السابق 6 / 281 . ( * )  

 

- ص 151 -

برسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارض بما هو أقوى منه ، أو غير صحيح عنده . فتجعلون قول المتبوع محكما ، وقول الرسول متشابها ، فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله ، لقدمتم قول الرسول أين كان .


وقال : إن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم ، فإن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر ، والذكر هو القرآن والحديث . . . فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه ، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله ، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر

الذي أنزله الله على رسوله ليخبروه به ، فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه ، وهذا كان شأن أئمة أهل العلم ، لم يكن فيهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال ، فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله

أو سنه ، لا يسألهم عن غير ذلك ، وكذلك الصحابة . . . وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط ، وكذلك أئمة الفقه . . . ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه، فيأخذ به وحده ، ويخالف له ما سواه ( 1 )


وقال الشيخ محمد حياة السندي : من تعصب لواحد معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو : ضال جاهل ، بل قد يكون كافرا يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد معين من الأئمة رضي الله عنهم دون الآخرين ، فقد جعله بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك كفر ( 2 ) .


هذا قليل من كثير قالوه في مسألة عدم جواز اتباع واحد من المذاهب المعروفة ، الأربعة وغيرها ، ولو شئنا استقصاءه لخرجنا عن موضوع الكتاب ، ولكن فيما ذكرناه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، والحمد لله رب العالمين .
 

  * هامش *  
  (1) أعلام الموقعين 2 / 233 - 234 .
(2)
رسالة إرشاد النقاد إلى أدلة الاجتهاد ضمن المجموعة المنيرية 1 / 26 - 28 ( عن كتاب السجود على التربة الحسينية للسيد محمد مهدي الخرسان ) . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب