- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 158 :

بعض الصحابة أحدثوا في الدين ما ليس منه :


لقد دلت الروايات الكثيرة على أن وقوع التحريف في أحكام الدين قد وقع من بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته .

منها : ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، والترمذي في سننه وصححه ، والنسائي في سننه ، وأحمد في المسند عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث - قال : ألا وإنه يجاء برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات

الشمال ، فأقول : يا رب أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) ( 3 ) .


ومنها : ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي ،
 

  * هامش *  
  (3) صحيح البخاري 6 / 69 كتاب التفسير ، باب سورة المائدة ، 6 / 122 سورة الأنبياء ، 8 / 136 كتاب الرقاق ، باب 45 .
صحيح مسلم
4 / 2195 كتاب الجنة . . . باب 14 ، سنن الترمذي 5 / 321 - 322 قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
سنن النسائي
4 / 117 وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2 / 449 . مسند أحمد 1 / 235 ، 253 . ( * )
 

 

- ص 159 -

فيحلون ( 1 ) عن الحوض ، فأقول : يا رب أصحابي . فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ( 2 ) .


وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال : يرد علي الحوض رجال من أصحابي ، فيحلؤون عنه ، فأقول : يا رب أصحابي . فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ( 3 ) .


ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه ، وأحمد بن حنبل في المسند وغيرهما عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا فرطكم ( 4 ) على الحوض ، ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم ( 5 ) ، فأقول : يا رب ، أصحابي أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ( 6 ) .


ومنها : ما أخرجه البخاري - واللفظ له - ومسلم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله : إني فرطكم على الحوض ، من مر علي شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبدا ، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم .


قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش ، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم . فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول : إنهم مني . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي ( 7 ) .

  * هامش *  
  (1) أي يطردون ويبعدون .
(2)
صحيح البخاري 8 / 150 كتاب الرقاق ، باب في الحوض .
(3)
المصدر السابق 8 / 150 .
(4)
أي سابقكم ومتقدمكم .
(5)
أي سأجادل عن أقوام رغبة في خلاصهم فلا ينفعهم ذلك .
(6)
صحيح مسلم 4 / 1796 كتاب الفضائل ، باب رقم 9 . مسند أحمد بن حنبل 1 / 384 ، 406 ، 407 ، 425 ، 453 .
(7)
صحيح البخاري 8 / 150 . صحيح مسلم 4 / 1793 . ( * )
 

 

- ص 160 -

ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وأحمد في المسند وغيرهم ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليردن علي ناس من أصحابي الحوض ، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : أصحابي . فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ( 1 ) . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي رواها حفاظ الحديث من أهل السنة بطرق كثيرة جدا وبألفاظ متقاربة ، وفيما ذكرناه كفاية ( 2 ) .


تأملات في هذه الأحاديث : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : أقوام يدل على كثرة من بدل وأحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنه يستفاد كثرة ما حرف في الدين وبدل ، لأنه إذا كان الذين بدلوا أقواما فلا ريب في أن الذي بدل يكون كثيرا ، لأن ما بدله بعضهم لا يصح نسبته إلى غيره .


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : من أصحابي ظاهر في أن أولئك المبدلين في الدين والمحدثين فيه هم ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالطه .


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ارتدوا على أدبارهم القهقرى : الارتداد : هو الرجوع ، أعم من أن يكون من الدين أو من غيره ، وإن غلب إطلاقه على الرجوع عن الدين ، وهو محتمل في هذه الأحاديث ، إلا أن قوله : أحدثوا ظاهر في أنهم كانوا باقين على الإسلام ، لأن المرتد عن
 

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري 8 / 149 . صحيح مسلم 4 / 1800 . مسند أحمد بن حنبل 3 / 281 ، 5 / 48 ، 50 .
(2)
راجع إن شئت صحيح البخاري 8 / 148 - 150 ، وصحيح مسلم 1 / 217 ، 4 / 1794 - 1796 ، سنن الترمذي 4 / 615 - 616 .
سنن ابن ماجة 2 / 1016 . مسند أحمد 1 / 254 ، 402 ، 439 ، 455 ، 3 / 28 ، 102 ، 5 / 388 ، 393 ، 400 ، 412 .

صحيح ابن خزيمة 1 / 7 . مجمع الزوائد 10 / 364 - 365 . صحيح سنن ابن ماجة 2 / 182 . الموطأ ، ص 23 .
مختصر إتحاف السادة المهرة
10 / 594 . مسند ابن أبي شيبة 1 / 86 ، 94 . ( * )

 

 

- ص 161 -

الدين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكنه أن يحدث في الإسلام شيئا ، اللهم إلا إذا كان يبطن خلاف ما يظهر ، ولعل المراد بالارتداد هو الرجوع عن بعض الواجبات الدينية المهمة ، والتنصل منها بعد توكيدها ، كبيعة أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة كما سيتضح في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى .


وعلى هذا يكون المراد في هذه الأحاديث : أنهم أحدثوا في الدين ما أحدثوا ، وبدلوا في أحكام الله ما بدلوا . وبما أن هذا المعنى يثير سؤالا ، وهو : أنهم إذا كانوا قد اتبعوا الخليفة الحق المنصوص عليه من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تأتي لهم أن يحدثوا في الدين ما شاءوا ؟ أجاب بقوله : إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى أي رجعوا عن ما وقع منهم أو أمروا به من البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب