الطائفة الرابعة : دلت على أن
قيام الليل في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يؤدى فرادى ، فصار جماعة
، وهو ما يسمى بصلاة التراويح ( 2 ) .
منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . قال ابن
شهاب : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على
ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما .
ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه ، ومالك في الموطأ ، وغيرهما عن عبد الرحمن
بن عبد القاري أنه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى
المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي
الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء
على قارئ واحد لكان أمثل . ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة
أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة
هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد آخر الليل ، وكان
الناس يقومون أوله ( 1 ) . هذا وقد اعترف جمع من العلماء بأن
عمر بن الخطاب هو أول من سن صلاة التراويح جماعة .
قال ابن سعد في الطبقات : وهو - يعني عمر - أول
من سن قيام شهر رمضان ، وجمع الناس على ذلك ، وكتب به إلى البلدان ، وذلك في
شهر رمضان سنة أربع عشرة ، وجعل للناس قارئين : قارئا يصلي بالرجال ، وقارئا
يصلي بالنساء ( 2 ) .
وذكر ذلك في أوليات عمر : أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل ( 3 ) ، والسيوطي
في تاريخ الخلفاء ( 4 ) ، وكتاب الوسائل ( 5 ) .
والغريب في هذه المسألة أن أهل السنة يلتزمون
بصلاة التراويح في شهر رمضان في المساجد ، ويحرصون عليها ، مع أن أحاديثهم نطقت
بأن صلاة النافلة في البيت أفضل .
ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما
والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي في سننهم ، ومالك في الموطأ ، وأحمد في
المسند وغيرهم ، عن زيد بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة -
قال : حسبت أنه قال : من
حصير - في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من
أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم فقال : قد عرفت الذي رأيت من
صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري
2 / 595 صلاة التراويح ، ب 1 ( ط مرقمة ) .
الموطأ ، ص 59 ح 247 . الجمع بين
الصحيحين 1 / 131 .
(2)
الطبقات الكبرى 3 / 281 .
(3)
الأوائل 1 / 229 .
(4)
تاريخ الخلفاء ، ص 108 .
(5)
الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص 33 . ( * )
|
|
|
المرء في بيته إلا المكتوبة ( 1 ) . وقوله : ( يصلون بصلاته )
لا يدل على أنهم كانوا يصلون معه جماعة ، بل كانوا يصلون مع صلاته ، فهم يصلون
فرادى ، فالباء في ( بصلاته ) بمعنى مع ، مثل قولهم : بعتك الدار بأثاثها . أي
مع أثاثها . لأن صلاة الجماعة لا تتم والإمام داخل الحجرة ، والمأمومون خارجها
.
قال ابن حجر : مقتضاه أنهم
كانوا يصلون بصلاته وهو داخل الحجرة ، وهم خارجها ( 2 ) .
الطائفة الخامسة : دلت على أن جلد شارب الخمر
ثمانين جلدة استحدث بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
منها : ما أخرجه البخاري في
صحيحه عن السائب بن يزيد قال : كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا
وأرديتنا ، حتى كان آخر إمرة عمر ، فجلد أربعين ، حتى عتوا وفسقوا جلد ثمانين (
3 ) .
وأخرج مسلم في الصحيح ، وأبو داود في سننه عن أنس
بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر ، فجلده بجريدتين
نحو أربعين . قال : وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري 1 / 228 الأذان ، ب 81 ح
731 . صحيح مسلم 1 / 539 صلاة المسافرين
، ب 29 ح 781 . سنن الترمذي 2 / 312 ح
450 . سنن أبي داود 1 / 274 ح 1044 ، 2 /
69 ح 1447 . الموطأ ، ص 66 ح 288 .
سنن الدارمي 1 / 317 . مسند
أحمد بن حنبل 31 / 262 ، 274 ، 282 ح 21665 ، 21686 ، 21709 (
تتمة ط شاكر ) .
(2) فتح
الباري 2 / 170 .
(3) صحيح
البخاري 4 / 2116 الحدود ، ب 4 ( ط مرقمة ) . ( * )
|
|
|
عبد الرحمن : أخف الحدود ثمانين . فأمر به عمر ( 1 ) .
وأخرج أبو داود والترمذي والدارمي في سننهم عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله
عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين ،
فلما ولي عمر دعا الناس فقال لهم : إن الناس قد دنوا من الريف ، فما ترون في حد
الخمر ؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف : نرى أن تجعله كأخف الحدود . فجلد فيه
ثمانين ( 2 ) .
وقد اعترف بأن عمر هو أول من ضرب في الخمر ثمانين ابن سعد في الطبقات ( 3 ) ،
والسيوطي في تاريخ الخلفاء ( 4 ) ، وكتاب الوسائل ( 5 ) ، وأبو هلال العسكري في
كتاب الأوائل ( 6 ) وغيرهم .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح مسلم
3 / 1330 ، الحدود ، ب 8 . سنن أبي داود
4 / 163 .
(2) سنن
أبي داود 4 / 163 ، وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود 3 / 847 . سنن الترمذي
4 / 48 قال الترمذي : حديث أنس حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل
العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرهم أن حد السكران
ثمانون .
سنن الدارمي 2 / 175 .
(3)
الطبقات الكبرى 3 / 281 - 282 .
(4)
تاريخ الخلفاء ، ص 108 .
(5)
الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص 55 .
(6)
الأوائل 1 / 238 .
|
|
|