الطائفة السابعة : دلت على أن
بعضهم أعال الفرائض ، ولم يكن هذا العول ثابتا في زمان النبي صلى الله عليه
وسلم .
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ، والبيهقي في
السنن وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أول من أعال الفرائض عمر
رضي الله عنه ، وأيم الله لو قدم من قدم الله ، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة
( 2 ) .
وقد نص غير واحد من علماء أهل السنة على أن أول من قال بالعول هو عمر : قال
السيوطي : أول من قال بالعول في الفرائض عمر بن الخطاب ( 3 ) .
وقال أبو هلال العسكري : أول من أعال الفرائض عمر
رضي الله عنه ( 4 ) .
والعول في الفرائض : هو زيادة فروض الورثة بحيث
لا يتسع لها المال . مثل : امرأة ماتت ولها زوج وأختان لأبوين : فالزوج له
النصف ، والأختان لهما الثلثان ، ولو جعلنا التركة ستة أسهم ، فالزوج له ثلاثة
، والأختان لهما أربعة ، وهي تساوي سبعة ، فتكون قد عالت على أصل المال .
وذهب الجمهور تبعا لعمر بن الخطاب إلى أن النقص يرد على
الجميع ، فتجعل التركة سبعة أسهم ، ويكون للزوج ثلاثة من سبعة ( ثلاثة أسباع )
التركة ، وللأختين أربعة من سبعة ( أربعة أسباع ) .
وذهب الشيعة الإمامية تبعا لأئمة أهل البيت عليهم السلام إلى تقديم أصحاب
السهام المؤكدة الذين لا ينتقلون من فرض إلى فرض ، كالزوجين والأبوين على
البنات والأخوات ، فيجعل الباقي لهن . ففي فرض المسألة يأخذ الزوج ثلاثة من ستة
، والباقي للأختين . وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنه ، وقد أوضحه في الحديث
المذكور آنفا .
قال الزهري : وأيم الله ، لولا أنه تقدم ابن عباس
إمام عدل ، فأمضى أمرا فمضى ، وكان أمرا ورعا ، ما اختلف على ابن عباس اثنان من
أهل العلم ( 1 ) .
الطائفة الثامنة : دلت على أن التثويب بدعة .
منها : ما أخرجه الترمذي
عن مجاهد قال : دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا ، وقد أذن فيه ، ونحن نريد أن
نصلي فيه ، فثوب المؤذن ، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : أخرج بنا من
عند هذا المبتدع . ولم يصل ( 2 ) .
ومنها : ما أخرجه أبو داود في سننه عن مجاهد ،
قال : كنت مع ابن عمر ، فثوب رجل في الظهر أو العصر ، قال : أخرج بنا ، فإن هذه
بدعة ( 3 ) .
والتثويب : هو قول : ( الصلاة خير من النوم ) أو
غيره في أذان صلاة الفجر أو غيرها .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
أحكام القرآن 2 / 90 . السنن الكبرى
6 / 253 . المحلى 8 / 281 .
(2) سنن
الترمذي 1 / 381 .
(3) سنن
أبي داود 1 / 148 ح 538 . أورده الألباني في
صحيح سنن أبي داود 1 / 108 ح 504 وقال :
حسن .
وكذلك في إرواء الغليل 1 / 254 .
السنن الكبرى 1 / 424 . ( * )
|
|
|
وقسم بعضهم التثويب إلى قسمين : تثويب سنة ، وتثويب بدعة ،
واختلفوا في البدعة من التثويب ، فقال أحمد بن حنبل وابن المبارك : هو قول (
الصلاة خير من النوم ) في أذان الفجر .
وقال إسحاق بن راهويه : هو أن المؤذن إذا استبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة
: قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح . قال : وهو التثويب الذي
كرهه أهل العلم ، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
قال الترمذي : والذي فسر ابن المبارك وأحمد : أن التثويب أن يقول المؤذن في
أذان الفجر : ( الصلاة خير من النوم ) ، وهو قول صحيح . . . وهو الذي اختاره
أهل العلم ورأوه .
وقال الصنعاني في سبل السلام : شرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر ،
لأنه لإيقاظ النائم ، وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى
الصلاة ( 2 ) .
وقال الزيلعي في نصب الراية : أحاديث التثويب : وهو مخصوص عندنا بالفجر . . .
وفيه حديثان ضعيفان : أحدهما للترمذي وابن ماجة . . . عن بلال قال : أمرني رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن لا أثوب في شئ من الصلاة إلا في صلاة الفجر. .
والحديث الثاني أخرجه البيهقي . . . ولكن اختلفوا في التثويب
، فقال أصحابنا - يعني الحنفية - هو أن يقول بين الأذان والإقامة : حي على
الصلاة ، حي على الفلاح مرتين . وقال الباقون : هو قوله في الأذان : الصلاة خير
من النوم ( 3 ) .
وحاصل كلامهم أن التثويب البدعة هو زيادة قول : ( الصلاة خير من النوم ) في
أذان الفجر وفي غيرها من الصلوات ، أو زيادة غيرها بين الأذان
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
نقلنا كلا القولين عن سنن الترمذي 1 /
380 .
(2) سبل
السلام 1 / 250 .
(3) نصب
الراية 1 / 279 . ( * )
|
|
|
والإقامة في عامة الصلوات ، وأما زيادة ( الصلاة خير من النوم
) في الأذان الأول في الفجر فهو سنة عندهم . ومنه يتضح أن ما يفعله أهل السنة
في هذه الأعصار من قول ( الصلاة خير من النوم ) في أذان الفجر فهو بدعة .
هذا إذا صحت الروايات الدالة على أن ( الصلاة خير من النوم ) جزء من الأذان
الأول لصلاة الصبح ، والذي يظهر من بعض الروايات أن عمر بن الخطاب هو أول من
وضعها في أذان صلاة الفجر ، فقد أخرج مالك في الموطأ أنه بلغه أن المؤذن جاء
إلى عمر يؤذنه لصلاة الصبح ، فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم . فأمره
عمر أن يجعلها في نداء الصبح ( 1 ) .
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ متقارب ( 2 ) .
وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن عمر ، عن عمر أنه قال لمؤذنه : إذا بلغت ( حي
على الفلاح ) في الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ( 3
) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : قال في البحر : أحدثه عمر فقال ابنه : هذه بدعة
. وعن علي عليه السلام حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه ( 4 ) .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : ما ابتدعوا
بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة . يعني العشاء والفجر ( 5 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الموطأ ، ص 42 ، ح 151 .
(2)
المصنف 1 / 189 ح 2159 .
(3) سنن
الدارقطني 1 / 243 .
(4) نيل
الأوطار 2 / 38 .
(5)
المصنف 1 / 190 ح 2170 . وهو حديث صحيح عندهم ، رواه ابن أبي
شيبة عن وكيع ، عن سفيان ، عن ابن الأصبهاني ، وهو عبد الرحمن بن عبد
الله ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكلهم ثقات عندهم . ( * )
|
|
|
فعلى ذلك تكون هذه الجملة بدعة في أي أذان قيلت . ولا يعتد
بكلام السرخسي في المبسوط : أما المتأخرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات ،
لأن الناس قد ازداد بهم الغفلة ، وقلما يقومون عند سماع الأذان ، فيستحسن
التثويب للمبالغة في الإعلام ( 1 ) .
وذلك لأنه إذا كان بدعة كما نص عليه أعلام أهل السنة فلا يختلف الحال فيها في
جميع الأزمان والأحوال ، فلا يصح أن يزاد في الأذان أو في غيره من العبادات أية
زيادة بأي اعتبار من الاعتبارات .
هذا قليل من كثير ، وأمثاله لا يكاد يحصى ، وهو مبثوث في كتبهم ، ولو أردنا أن
نستقصي أشباه هذه الطوائف لطال بنا المقام ، وفيما ذكرناه كفاية .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
المبسوط 1 / 131 . ( * )
|
|
|