بدعة تثويب في الأذان

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 169 :

الطائفة السابعة : دلت على أن بعضهم أعال الفرائض ، ولم يكن هذا العول ثابتا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ، والبيهقي في السنن وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أول من أعال الفرائض عمر رضي الله عنه ، وأيم الله لو قدم من قدم الله ، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة ( 2 ) .


وقد نص غير واحد من علماء أهل السنة على أن أول من قال بالعول هو عمر : قال السيوطي : أول من قال بالعول في الفرائض عمر بن الخطاب ( 3 ) .


وقال أبو هلال العسكري : أول من أعال الفرائض عمر رضي الله عنه ( 4 ) .


والعول في الفرائض : هو زيادة فروض الورثة بحيث لا يتسع لها المال . مثل : امرأة ماتت ولها زوج وأختان لأبوين : فالزوج له النصف ، والأختان لهما الثلثان ، ولو جعلنا التركة ستة أسهم ، فالزوج له ثلاثة ، والأختان لهما أربعة ، وهي تساوي سبعة ، فتكون قد عالت على أصل المال .
 

  * هامش *  
  (2) المستدرك 4 / 340 قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . السنن الكبرى 6 / 253 . أحكام القرآن 2 / 90 . المغني 7 / 27 . المحلى 8 / 279 .
(3)
الوسائل في مسامرة الأوائل ، ص 48 . وذكر ذلك في أوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، ص 108 .
(4)
الأوائل 1 / 256 . ( * )
 

 

- ص 170 -

وذهب الجمهور تبعا لعمر بن الخطاب إلى أن النقص يرد على الجميع ، فتجعل التركة سبعة أسهم ، ويكون للزوج ثلاثة من سبعة ( ثلاثة أسباع ) التركة ، وللأختين أربعة من سبعة ( أربعة أسباع ) .


وذهب الشيعة الإمامية تبعا لأئمة أهل البيت عليهم السلام إلى تقديم أصحاب السهام المؤكدة الذين لا ينتقلون من فرض إلى فرض ، كالزوجين والأبوين على البنات والأخوات ، فيجعل الباقي لهن . ففي فرض المسألة يأخذ الزوج ثلاثة من ستة ، والباقي للأختين . وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنه ، وقد أوضحه في الحديث المذكور آنفا .


قال الزهري : وأيم الله ، لولا أنه تقدم ابن عباس إمام عدل ، فأمضى أمرا فمضى ، وكان أمرا ورعا ، ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم ( 1 ) .


الطائفة الثامنة : دلت على أن التثويب بدعة .

 منها : ما أخرجه الترمذي عن مجاهد قال : دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا ، وقد أذن فيه ، ونحن نريد أن نصلي فيه ، فثوب المؤذن ، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : أخرج بنا من عند هذا المبتدع . ولم يصل ( 2 ) .


ومنها : ما أخرجه أبو داود في سننه عن مجاهد ، قال : كنت مع ابن عمر ، فثوب رجل في الظهر أو العصر ، قال : أخرج بنا ، فإن هذه بدعة ( 3 ) .


والتثويب : هو قول : ( الصلاة خير من النوم ) أو غيره في أذان صلاة الفجر أو غيرها .
 

  * هامش *  
  (1) أحكام القرآن 2 / 90 . السنن الكبرى 6 / 253 . المحلى 8 / 281 .
(2)
سنن الترمذي 1 / 381 .
(3)
سنن أبي داود 1 / 148 ح 538 . أورده الألباني في صحيح سنن أبي داود 1 / 108 ح 504 وقال : حسن .
وكذلك في إرواء الغليل 1 / 254 . السنن الكبرى 1 / 424 . ( * )
 

 

- ص 171 -

وقسم بعضهم التثويب إلى قسمين : تثويب سنة ، وتثويب بدعة ، واختلفوا في البدعة من التثويب ، فقال أحمد بن حنبل وابن المبارك : هو قول ( الصلاة خير من النوم ) في أذان الفجر .


وقال إسحاق بن راهويه : هو أن المؤذن إذا استبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح . قال : وهو التثويب الذي كرهه أهل العلم ، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .


قال الترمذي : والذي فسر ابن المبارك وأحمد : أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر : ( الصلاة خير من النوم ) ، وهو قول صحيح . . . وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه .


وقال الصنعاني في سبل السلام : شرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر ، لأنه لإيقاظ النائم ، وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة ( 2 ) .


وقال الزيلعي في نصب الراية : أحاديث التثويب : وهو مخصوص عندنا بالفجر . . . وفيه حديثان ضعيفان : أحدهما للترمذي وابن ماجة . . . عن بلال قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أثوب في شئ من الصلاة إلا في صلاة الفجر. .

والحديث الثاني أخرجه البيهقي . . . ولكن اختلفوا في التثويب ، فقال أصحابنا - يعني الحنفية - هو أن يقول بين الأذان والإقامة : حي على الصلاة ، حي على الفلاح مرتين . وقال الباقون : هو قوله في الأذان : الصلاة خير من النوم ( 3 ) .


وحاصل كلامهم أن التثويب البدعة هو زيادة قول : ( الصلاة خير من النوم ) في أذان الفجر وفي غيرها من الصلوات ، أو زيادة غيرها بين الأذان

  * هامش *  
  (1) نقلنا كلا القولين عن سنن الترمذي 1 / 380 .
(2)
سبل السلام 1 / 250 .
(3)
نصب الراية 1 / 279 . ( * )
 

 

- ص 172 -

والإقامة في عامة الصلوات ، وأما زيادة ( الصلاة خير من النوم ) في الأذان الأول في الفجر فهو سنة عندهم . ومنه يتضح أن ما يفعله أهل السنة في هذه الأعصار من قول ( الصلاة خير من النوم ) في أذان الفجر فهو بدعة .


هذا إذا صحت الروايات الدالة على أن ( الصلاة خير من النوم ) جزء من الأذان الأول لصلاة الصبح ، والذي يظهر من بعض الروايات أن عمر بن الخطاب هو أول من وضعها في أذان صلاة الفجر ، فقد أخرج مالك في الموطأ أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر يؤذنه لصلاة الصبح ، فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم . فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح ( 1 ) .


وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ متقارب ( 2 ) .


وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن عمر ، عن عمر أنه قال لمؤذنه : إذا بلغت ( حي على الفلاح ) في الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ( 3 ) .


وقال الشوكاني في نيل الأوطار : قال في البحر : أحدثه عمر فقال ابنه : هذه بدعة . وعن علي عليه السلام حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه ( 4 ) .


وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة . يعني العشاء والفجر ( 5 ) .
 

  * هامش *  
  (1) الموطأ ، ص 42 ، ح 151 .
(2)
المصنف 1 / 189 ح 2159 .
(3)
سنن الدارقطني 1 / 243 .
(4)
نيل الأوطار 2 / 38 .
(5)
المصنف 1 / 190 ح 2170 . وهو حديث صحيح عندهم ، رواه ابن أبي شيبة عن وكيع ، عن سفيان ، عن ابن الأصبهاني ، وهو عبد الرحمن بن عبد الله ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكلهم ثقات عندهم . ( * )
 

 

- ص 173 -

فعلى ذلك تكون هذه الجملة بدعة في أي أذان قيلت . ولا يعتد بكلام السرخسي في المبسوط : أما المتأخرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات ، لأن الناس قد ازداد بهم الغفلة ، وقلما يقومون عند سماع الأذان ، فيستحسن التثويب للمبالغة في الإعلام ( 1 ) .


وذلك لأنه إذا كان بدعة كما نص عليه أعلام أهل السنة فلا يختلف الحال فيها في جميع الأزمان والأحوال ، فلا يصح أن يزاد في الأذان أو في غيره من العبادات أية زيادة بأي اعتبار من الاعتبارات .


هذا قليل من كثير ، وأمثاله لا يكاد يحصى ، وهو مبثوث في كتبهم ، ولو أردنا أن نستقصي أشباه هذه الطوائف لطال بنا المقام ، وفيما ذكرناه كفاية .
 

  * هامش *  
  (1) المبسوط 1 / 131 . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب