الصلاة لم تسلم من التحريف

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 178 :

الصلاة لم تسلم من التحريف :


لقد مر بنا بعض ما ابتدع في الصلاة ، كإحداث صلاة التراويح ، والصلاة في منى تماما ، والتثويب في الأذان ، والأذان لصلاة العيدين ، والأذان الثالث يوم الجمعة ، وجعل خطبة العيدين قبل الصلاة وغير ذلك .


وأما ما ابتدع في الصلاة نفسها فسيأتي ذكر بعضه قريبا ، وحسبك ما تجده من الاختلافات الكثيرة بين المذاهب الأربعة وغيرها من مذاهبهم في كل أحكام الصلاة تقريبا : من التكبير إلى التسليم ، فراجع الكتب المعدة لذلك ككتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، وكتاب بداية المجتهد ، وكتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وغيرها لتدرك صحة ما قلناه .


وللدلالة على كثرة تلكم الاختلافات انظر الفرق بين الصلاة الصحيحة عند أبي حنيفة والصلاة الصحيحة عند غيره ، وسنذكرها فيما يأتي من الكلام .


ولا بأس أن ننقل بعض فقرات مما قاله ابن رشد في اختلافهم في الصلاة ، ليتبين للقارئ العزيز صحة ما قلناه : قال ابن رشد في بيان اختلافهم في أقوال الصلاة فقط دون أفعالها :

اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب : فقوم قالوا : إن التكبير كله واجب في الصلاة ، وقوم قالوا : إنه كله ليس بواجب . وهو شاذ ، وقوم أوجبوا تكبيرة الإحرام فقط .

وقال مالك : لا يجزئ من لفظ التكبير إلا : الله أكبر .

وقال الشافعي : ( الله أكبر ) و ( الله الأكبر ) اللفظان كلاهما يجزئ .

وقال أبو حنيفة : يجزئ من لفظ التكبير كل لفظ في معناه ، مثل : الله الأعظم والله الأجل .

وذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب ، وهو أن يقول بعد التكبير :

- ص 179 -

( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) ، وهو مذهب الشافعي ، وإما أن يسبح ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وإما أن يجمع بينهما ، وهو مذهب أبي يوسف وصاحبه .

وقال مالك : ليس التوجيه بواجب ولا سنة .

وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة ، منها حين يكبر ، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن ، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع ، وممن قال بهذا الشافعي وأبو ثور والأوزاعي ، وأنكر ذلك مالك وأصحابه ، وأبو حنيفة وأصحابه .


واختلفوا في قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في افتتاح القراءة في الصلاة ، فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة ، جهرا كانت أو سرا ، لا في استفتاح أم القرآن ولا في غيرها من السور ، وأجاز ذلك في النافلة .


وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد : يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا .

وقال الشافعي : يقرؤها ، ولا بد في الجهر جهرا ، وفي السر سرا ، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب ، وبه قال أحمد وأبو ثور وأبو عبيد . واختلف قول الشافعي ، هل هي آية من كل سورة ، أم إنما هي آية من سورة النمل فقط ، ومن فاتحة الكتاب ؟ فروي عنه القولان جميعا .


واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة ، فرأى بعضهم أن الواجب من ذلك أم الكتاب لمن حفظها ، وأن ما عداها ليس فيه توقيت ، ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة ، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة ، ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة ، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة .


وبالأول قال الشافعي ، وهي أشهر الروايات عن مالك ، وقد روي عنه أنه من قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته .

وأما من رأى أنها تجزئ في ركعة ، فمنهم الحسن البصري وكثير من فقهاء البصرة .

وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو قراءة أي آية اتفقت أن تقرأ ، وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة مثل آية الدين .


وهذا في الركعتين الأوليين ، وأما في الأخيرتين فيستحب عنده التسبيح فيهما دون القراءة ، وبه قال الكوفيون ، والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها .
 

- ص 180 -

واتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود . . . وبه أخذ فقهاء الأمصار ، وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك ، وهو مذهب البخاري .


واختلفوا هل الركوع والسجود قول محدود يقوله المصلي أم لا ؟

فقال مالك : ليس في ذلك قول محدود .

وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة غيرهم إلى أن المصلي يقول في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) ثلاثا ، وفي السجود : ( سبحان ربي الأعلى ) ثلاثا .


وكذلك اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله ، فكره ذلك مالك . . . وقالت طائفة : يجوز الدعاء في الركوع . . . وأبو حنيفة لا يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن ، ومالك والشافعي يجيزان ذلك .


واختلفوا في التشهد وفي المختار منه ، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب ، وذهبت طائفة إلى وجوبه ، وبه قال الشافعي وأحمد وداود .


وأما المختار من التشهد فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه . . . الذي كان يعلمه الناس على المنبر . . . واختار أهل الكوفة وأبو حنيفة وغيره تشهد عبد الله بن مسعود . . . وبه قال أحمد وأكثر أهل الحديث . . . واختار الشافعي وأصحابه تشهد عبد الله بن عباس .


وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ، وقال : إنها فرض . . . وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من الأربع التي جاءت في الحديث من عذاب القبر ، ومن عذاب جهنم ، ومن فتنة المسيح الدجال ، ومن فتنة المحيا والممات .


واختلفوا في التسليم من الصلاة ، فقال الجمهور بوجوبه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : ليس بواجب ، والذين أوجبوه منهم من قال الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة ، ومنهم من قال : اثنتان .
 

- ص 181 -

واختلفوا في القنوت ، فذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح مستحب .

وذهب الشافعي إلى أنه سنة .

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح ، وأن القنوت إنما موضعه الوتر ،

وقال قوم : بل يقنت في كل صلاة .

وقال قوم : لا قنوت إلا في رمضان .

وقال قوم : بل في النصف الأخير منه .

وقال قوم : بل في النصف الأول منه ( 1 ) .


هذا شئ مما ذكره في اختلافاتهم في أقوال الصلاة ، والاختلاف في أفعال الصلاة أكثر ، وما ذكرناه كاف في الدلالة على ما قلناه .


ومنه يتضح مدى ما وقع على الصلاة من جور التحريف والتبديل ، حتى ضاعت معالمها ، وتهدمت أركانها ،
وتغيرت هيئتها . فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


 

  * هامش *  
  (1) نقلنا مقتطفات من كلام ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ، ص 121 - 133 . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب