الصلاة لم تسلم من التحريف
:
لقد مر بنا بعض ما ابتدع في الصلاة ، كإحداث
صلاة التراويح ، والصلاة في منى تماما ، والتثويب في الأذان ، والأذان لصلاة
العيدين ، والأذان الثالث يوم الجمعة ، وجعل خطبة العيدين قبل الصلاة وغير ذلك
.
وأما ما ابتدع في الصلاة نفسها فسيأتي ذكر
بعضه قريبا ، وحسبك ما تجده من الاختلافات الكثيرة بين المذاهب الأربعة وغيرها
من مذاهبهم في كل أحكام الصلاة تقريبا : من التكبير إلى التسليم ، فراجع الكتب
المعدة لذلك ككتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، وكتاب بداية المجتهد ، وكتاب
رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وغيرها لتدرك صحة ما قلناه .
وللدلالة على كثرة تلكم الاختلافات انظر
الفرق بين الصلاة الصحيحة عند أبي حنيفة والصلاة الصحيحة عند غيره ، وسنذكرها
فيما يأتي من الكلام .
ولا بأس أن ننقل بعض فقرات مما قاله ابن رشد
في اختلافهم في الصلاة ، ليتبين للقارئ العزيز صحة ما قلناه : قال ابن رشد في
بيان اختلافهم في أقوال الصلاة فقط دون أفعالها :
اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب : فقوم قالوا : إن التكبير
كله واجب في الصلاة ، وقوم قالوا : إنه كله ليس بواجب . وهو شاذ ، وقوم أوجبوا
تكبيرة الإحرام فقط .
وقال مالك : لا يجزئ من
لفظ التكبير إلا : الله أكبر .
وقال الشافعي : ( الله
أكبر ) و ( الله الأكبر ) اللفظان كلاهما يجزئ .
وقال أبو حنيفة : يجزئ من
لفظ التكبير كل لفظ في معناه ، مثل : الله الأعظم والله الأجل .
وذهب قوم إلى أن التوجيه
في الصلاة واجب ، وهو أن يقول بعد التكبير :
( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) ، وهو مذهب الشافعي ،
وإما أن يسبح ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وإما أن يجمع بينهما ، وهو مذهب أبي يوسف
وصاحبه .
وقال مالك : ليس التوجيه بواجب ولا سنة .
وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة ، منها حين
يكبر ، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن ، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع ،
وممن قال بهذا الشافعي وأبو ثور والأوزاعي ، وأنكر ذلك مالك وأصحابه ، وأبو
حنيفة وأصحابه .
واختلفوا في قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في
افتتاح القراءة في الصلاة ، فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة ، جهرا كانت أو
سرا ، لا في استفتاح أم القرآن ولا في غيرها من السور ، وأجاز ذلك في النافلة .
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد : يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا .
وقال الشافعي : يقرؤها ، ولا بد في الجهر جهرا ، وفي السر سرا
، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب ، وبه قال أحمد وأبو ثور وأبو عبيد . واختلف
قول الشافعي ، هل هي آية من كل سورة ، أم إنما هي آية من سورة النمل فقط ، ومن
فاتحة الكتاب ؟ فروي عنه القولان جميعا .
واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة ، فرأى
بعضهم أن الواجب من ذلك أم الكتاب لمن حفظها ، وأن ما عداها ليس فيه توقيت ،
ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة ، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة ، ومنهم من
أوجبها في نصف الصلاة ، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة .
وبالأول قال الشافعي ، وهي أشهر الروايات عن مالك ، وقد روي عنه أنه من قرأها
في ركعتين من الرباعية أجزأته .
وأما من رأى أنها تجزئ في ركعة ، فمنهم الحسن البصري وكثير من
فقهاء البصرة .
وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو قراءة أي آية اتفقت أن
تقرأ ، وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة مثل آية الدين .
وهذا في الركعتين الأوليين ، وأما في الأخيرتين فيستحب عنده التسبيح فيهما دون
القراءة ، وبه قال الكوفيون ، والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها .
واتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود . . .
وبه أخذ فقهاء الأمصار ، وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك ، وهو مذهب البخاري
.
واختلفوا هل الركوع والسجود قول محدود يقوله المصلي أم
لا ؟
فقال مالك : ليس في ذلك قول محدود .
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة غيرهم إلى أن المصلي
يقول في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) ثلاثا ، وفي السجود : ( سبحان ربي الأعلى
) ثلاثا .
وكذلك اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم
على جواز الثناء على الله ، فكره ذلك مالك . . . وقالت طائفة : يجوز الدعاء في
الركوع . . . وأبو حنيفة لا يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن ، ومالك
والشافعي يجيزان ذلك .
واختلفوا في التشهد وفي المختار منه ، فذهب مالك
وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب ، وذهبت طائفة إلى وجوبه ، وبه قال
الشافعي وأحمد وداود .
وأما المختار من التشهد فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه . . .
الذي كان يعلمه الناس على المنبر . . . واختار أهل الكوفة وأبو حنيفة وغيره
تشهد عبد الله بن مسعود . . . وبه قال أحمد وأكثر أهل الحديث . . . واختار
الشافعي وأصحابه تشهد عبد الله بن عباس .
وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ، وقال :
إنها فرض . . . وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من
الأربع التي جاءت في الحديث من عذاب القبر ، ومن عذاب جهنم ، ومن فتنة المسيح
الدجال ، ومن فتنة المحيا والممات .
واختلفوا في التسليم من الصلاة ، فقال الجمهور
بوجوبه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : ليس بواجب ، والذين أوجبوه منهم من قال
الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة ، ومنهم من قال : اثنتان .