فتاوى غريبة عند أهل السنة

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 196 :

 فتاوى غريبة عند أهل السنة :


لقد صدرت من أعلام أهل السنة وأئمة مذاهبهم فتاوى غريبة ، وأحكام عجيبة ، صارت محل تندر وتفكه من غيرهم ، حتى نظمها الشعراء في أشعار ساخرة ، وقصائد لاذعة .

فقال ابن الحجاج :

الشافعي من الأئمة قائل * اللعب بالشطرنج غير حرام
وأبو حنيفة قال وهو مصدق * فيما يبلغه من الأحكام

شرب المثلث والمنصف جائز * فاشرب على طرب من الأيام
وأباح مالك الفقاع تطرقا * وبه قوام الدين والإسلام
( 3

والحبر أحمد حل جلد عميرة ( 2 * وبذاك يستغنى عن الأرحام
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج * في كل مسألة بقول إمام


وقال الزمخشري :

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به * وأكتمه كتمانه لي أسلم
فإن حنفيا قلت قالوا بأنني * أبيح الطلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكيا قلت قالوا بأنني * أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم
وإن شافعيا قلت قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

 

  * هامش *  
  (2) جلد عميرة هو الاستمناء .
(3)
رواه بعضهم هكذا : وأباح مالك اللواط تكرما * في ظهر جارية وظهر غلام ( * )
 

 

- ص 197 -

وإن حنبليا قلت قالوا بأنني * ثقيل حلولي بغيض مجسم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدري ويفهم
( 1


والفتاوى الغريبة عندهم كثيرة جدا ، إلا أنا نذكر اليسير ، ومن أراد المزيد فلينظر في أقوالهم ، وليتتبع فتاواهم فسيجد الكثير . وهي عدة طوائف : 1 - بعض فتاوى أبي حنيفة :

 1 - صلاة أبي حنيفة : قال ابن خلكان في وفيات الأعيان : ذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سماه ( مغيث الخلق في اختيار الأحق ) أن السلطان محمود [ بن سبكتكين ] كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ،

وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في خلده حكة ، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو ، والتمس منهم الكلام في

ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وعلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، لينظر فيه السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلى القفال المروزي بطهارة

مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وقال : هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي رضي الله عنه دونها ، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة

رضي الله عنه ، فلبس جلد كلب مدبوغا ، ولطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوؤه منكسا منعكسا ، ثم استقبل القبلة ، وأحرم للصلاة من غير نية في الوضوء ، وكبر بالفارسية : دو برك سبز ( 2 ) ، ثم

  * هامش *  
  (1) تفسير الكشاف 4 / 310 .
(2)
هنا سقط ، وقد ذكر في بعض الطبعات الأخرى : ثم قرأ آية بالفارسية : ( دو برك سبز ) . ومعناه : ( مدهامتان ) .  ( * )
 

 

- ص 198 -

نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهد ، وضرط في آخره من غير نية السلام .

وقال : أيها السلطان ، هذه صلاة أبي حنيفة . فقال السلطان : لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين . فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر

السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله عنه ( 1 ) .


 2 - أفتى بجواز شرب المثلث ، وهو أن يطبخ عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى الثلث ويشتد ، ويسكر كثيره لا قليله ، ويسمى ( الطلا ) ( 2 ) .


قال ابن حزم : ولا خلاف عن أبي حنيفة في أن نقيع الدوشات عنده حلال وإن أسكر ، وكذلك نقيع الرب وإن أسكر . والدوشات من التمر ، والرب من العنب ( 3 ) .


 3 - وأفتى بأن رجلا لو تزوج امرأة في مجلس ، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد ، لحقه الولد ، وكذا لو تزوج رجل في المشرق بامرأة في المغرب ، ثم مضت ستة أشهر ، وأتت بولد ، فإنه يلحق به ، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومضي مدة الحمل ، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء ( 4 ) .
 

  * هامش *  
  (1) وفيات الأعيان 5 / 180 . وذكر ابن القيم في أعلام الموقعين 2 / 222 هذه الصلاة ولم يذكر من قال بإجزائها .
(2)
أوضحه السرخسي في المبسوط 23 / 2 - 15 . الفقه على المذاهب الأربعة 2 / 7 .
(3)
المحلى 6 / 194 .
(4)
المغني لابن قدامة 9 / 55 . وذكر الفخر الرازي في مناقب الإمام الشافعي ، ص 532  أن ذلك هو قول أبي حنيفة ( * )
 

 

- ص 199 -

 4 - وأفتى بأنه لو تزوج رجلان امرأتين ، فغلط بهما عند الدخول ، فزفت كل واحدة إلى زوج الأخرى ، فوطأها وحملت منه ، لحق الولد بالزوج لا بالواطئ ، لأن الولد للفراش ( 1 ) .


 5 - وأفتى بأنه لو ادعى مسلم وذمي ولدا ، وأقام كل منهما بينة ، فإن الولد يلحق بالمسلم وإن كان شهود الذمي مسلمين ، وشهود المسلم من أهل الذمة . معللا بأن ذلك موجب لإسلام الولد ( 2 ) .


 6 - قال ابن تيمية : إذا آجر الرجل الدار لأجل بيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة ، لم يجز قولا واحدا ، وبه قال الشافعي ، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور . وقال أبو حنيفة : يجوز أن يؤاجرها لذلك ( 3 ) .


 7 - وأفتى أبو حنيفة بأن الرجل إذا استأجر المرأة للوطء ، ولم يكن بينهما عقد نكاح ، فليس ذلك بزنا ، ولا حد فيه . والزنا عنده ما كان مطارفة ( 4 ) ، وأما ما فيه عطاء فليس بزنا ( 5 ) .


هذا وقد عقد ابن أبي شيبة في كتابه ( المصنف ) بابا لمخالفات أبي حنيفة للأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أسماه : كتاب الرد على أبي حنيفة . وقال : هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر فيه 125 موردا ، فراجعه ( 6 ) .

  * هامش *  
  (1) المغني لابن قدامة 9 / 58 - 59 .
(2)
المبسوط للسرخسي 17 / 132 .
(3)
اقتضاء الصراط المستقيم ، ص 236 .
(4)
المطروفة من النساء هي التي لا تغض طرفها عن الرجال ، وتشرف لكل من أشرف لها ، وتصرف بصرها عن بعلها إلى سواه .
(5)
المحلى 12 / 196 .
(6)
المصنف 7 / 276 - 326 . ( * )
 

 

- ص 200 -

وروى ابن عبد البر في كتاب الانتقاء ، والخطيب في تاريخ بغداد عن وكيع بن الجراح قال : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .

وروى الخطيب عن يوسف بن أسباط أنه قال : رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر ( 2 ) .


 2 - بعض فتاوى مالك بن أنس :

 1 - أفتى بطهارة الكلاب والخنازير ، وسؤرهما ( 3 ) طاهر يتوضأ به ويشرب ، وإن ولغا في طعام لم يحرم أكله ، وعنده أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه مجرد تعبد ( 4 ) .


 2 - وأفتى بجواز أكل الحشرات كالديدان والصراصير والخنافس والفئران والجراذين والحرباء والعضاء ، والحية حلال إذا ذكيت ( 5 ) .


 3 - وأفتى بحلية الزواج من بنته من الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه وأخته من الزنا ، مستدلا بأنها أجنبية منه ، ولا تنتسب إليه شرعا ، ولا يجري التوارث بينهما ، ولا تعتق عليه إذا ملكها ، ولا تلزمه نفقتها ، فلا يحرم عليه نكاحها كسائر الأجانب ( 6 ) . وسيأتي قريبا هذا القول للشافعي أيضا .


 4 - وذهب الإمام مالك إلى أن أقصى مدة الحمل سبع سنين ، فلو طلق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح زوجا آخر ، ثم جاءت بولد بعد سبع

  * هامش *  
  (1) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ، ص 151 . تاريخ بغداد 13 / 407 .
(2)
تاريخ بغداد 13 / 407 .
(3)
السؤر : هو فضلة الشراب .
(4)
المغني لابن قدامة 1 / 70 .
(5)
المغني لابن قدامة 11 / 65 . رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، ص 251 .
(6)
المغني لابن قدامة 7 / 485 . ( * )
 

 

- ص 201 -

سنين من الوفاة أو الطلاق ، لحقه الولد ، وانقضت العدة به ( 1 ) .


 3 - بعض فتاوى الشافعي :

 1 - أفتى الشافعي بحلية الزواج من بنته من الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه وأخته من الزنا ، مستدلا بنفس دليل الإمام مالك في هذه المسألة كما مر آنفا ( 2 ) . وهذه المسألة ذكرها الفخر الرازي في مناقب الشافعي مسلما بها ومدافعا فيها عنه ( 3 ) . وإليها أشار الزمخشري في الأبيات المتقدمة بقوله : فإن شافعيا قلت قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنت تحرم


 2 - وأفتى بحلية الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها ، لأن التسمية مستحبة عنده غير واجبة ، لا في عمد ولا في سهو ( 4 ) وهذا القول مروي أيضا عن أحمد بن حنبل ، مع أن الله تعالى يقول ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) ( 5 ).


 4 - بعض فتاوى أحمد بن حنبل :

 1 - إذا ادعى اثنان ولدا فإن لم يكن لأحدهما بينة ، أو كان لكل منهما بينة تعارض الأخرى ، فهنا يعرض على القافة ( 6 ) ، فإن ألحقه القافة بأحدهما

  * هامش *  
  (1) المحلى 10 / 132 .
(2)
المغني لابن قدامة 7 / 485 .
(3)
مناقب الإمام الشافعي ، ص 532 .
(4)
المغني لابن قدامة 11 / 34 . المحلى 6 / 87 . وذكر الفخر الرازي هذا المسألة في مناقب الإمام الشافعي ، ص 535 وانتصر للشافعي فيها .
(5)
سورة الأنعام ، الآية 121 .
(6)
القافة : جمع قائف ، وهو من يزعم فيه أنه يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود . ( * )
 

 

- ص 202 -

لحق به ، وإن ألحقوه بالاثنين لحق بهما ، فيرثانه جميعا ميراث أب واحد ، ويرثهما ميراث ابن ( 1 ) . وكذا لو ادعاه أكثر من اثنين ، فألحقه القافة بهم ( 2 ) .


قلت : بهذه الفتوى يكون له أبوان أو ثلاثة آباء أو أكثر ، مع أن المقطوع به أنه ابن لواحد فقط ، ثم إن مسألة الميراث الأمر فيها سهل ، ولكن إلى من ينتسب هذا المولود ، فإن الانتساب إلى أكثر من واحد لا يتأتى . قال ابن حزم : لا يجوز أن يكون ولد واحد ابن رجلين ، ولا ابن امرأتين ( 3 ) .


 2 - ذهب الإمام أحمد إلى أن أقصى مدة الحمل أربع سنين ، فلو طلق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح زوجا آخر ، ثم جاءت بولد بعد أربع سنين من الوفاة أو الطلاق ، لحقه الولد ، وانقضت العدة به ( 4 ) .
 

  * هامش *  
  (1) المغني لابن قدامة 6 / 430 .
(2)
المصدر السابق 6 / 432 .
(3)
المحلى 9 / 339 .
(4)
المغني لابن قدامة 9 / 117 .  ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب