فتاوى غريبة عند أهل السنة :
لقد صدرت من
أعلام أهل السنة وأئمة مذاهبهم فتاوى غريبة ، وأحكام عجيبة ، صارت محل تندر
وتفكه من غيرهم ، حتى نظمها الشعراء في أشعار ساخرة ، وقصائد لاذعة .
فقال ابن
الحجاج :
الشافعي من الأئمة قائل * اللعب بالشطرنج غير حرام
وأبو حنيفة قال وهو
مصدق * فيما يبلغه من الأحكام
شرب المثلث والمنصف جائز * فاشرب على طرب من
الأيام
وأباح مالك الفقاع تطرقا * وبه قوام الدين والإسلام ( 3
والحبر أحمد حل
جلد عميرة ( 2 * وبذاك يستغنى عن الأرحام
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج * في كل
مسألة بقول إمام
وقال الزمخشري :
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به * وأكتمه كتمانه
لي أسلم
فإن حنفيا قلت قالوا بأنني * أبيح الطلا وهو الشراب المحرم
وإن مالكيا
قلت قالوا بأنني * أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم
وإن شافعيا قلت قالوا بأنني *
أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
| |
* هامش * |
|
| |
(2)
جلد عميرة هو الاستمناء .
(3) رواه بعضهم هكذا : وأباح مالك اللواط
تكرما * في ظهر جارية وظهر غلام ( * ) |
|
|
وإن حنبليا قلت قالوا
بأنني * ثقيل حلولي بغيض مجسم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدري ويفهم ( 1
والفتاوى الغريبة عندهم كثيرة جدا ، إلا أنا نذكر اليسير ، ومن
أراد المزيد فلينظر في أقوالهم ، وليتتبع فتاواهم فسيجد الكثير . وهي عدة طوائف
: 1 - بعض فتاوى أبي حنيفة :
1 - صلاة أبي
حنيفة : قال ابن خلكان في وفيات الأعيان : ذكر إمام الحرمين أبو المعالي
عبد الملك الجويني في كتابه الذي سماه ( مغيث الخلق في اختيار الأحق ) أن
السلطان محمود [ بن سبكتكين ] كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ،
وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون
الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها
موافقا لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في خلده حكة ، فجمع الفقهاء من
الفريقين في مرو ، والتمس منهم الكلام في
ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق
على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وعلى
مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، لينظر فيه السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما
، فصلى القفال المروزي بطهارة
مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة
واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه
الكمال والتمام ، وقال : هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي رضي الله عنه دونها ،
ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة
رضي الله عنه ، فلبس جلد كلب مدبوغا ، ولطخ
ربعه بالنجاسة ، وتوضأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع
عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوؤه منكسا منعكسا ، ثم استقبل القبلة ، وأحرم
للصلاة من غير نية في الوضوء ، وكبر بالفارسية : دو برك سبز ( 2 ) ، ثم
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
تفسير الكشاف 4 / 310 .
(2) هنا سقط ، وقد ذكر في بعض الطبعات الأخرى : ثم قرأ آية
بالفارسية : ( دو برك سبز ) . ومعناه : ( مدهامتان ) . ( * ) |
|
|
نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير
ركوع ، وتشهد ، وضرط في آخره من غير نية السلام .
وقال : أيها السلطان ، هذه صلاة أبي حنيفة .
فقال السلطان : لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأن مثل هذه
الصلاة لا يجوزها ذو دين . فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر
القفال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر
السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ،
فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن مذهب
أبي حنيفة ، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله عنه ( 1 ) .
2 - أفتى بجواز شرب المثلث
، وهو أن يطبخ عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى الثلث ويشتد ، ويسكر كثيره لا
قليله ، ويسمى ( الطلا ) ( 2 ) .
قال ابن حزم : ولا خلاف عن أبي حنيفة في أن نقيع الدوشات عنده
حلال وإن أسكر ، وكذلك نقيع الرب وإن أسكر . والدوشات من التمر ، والرب من
العنب ( 3 ) .
3 - وأفتى بأن رجلا لو تزوج امرأة
في مجلس ، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر
من حين العقد ، لحقه الولد ، وكذا لو تزوج رجل في المشرق بامرأة في المغرب ، ثم
مضت ستة أشهر ، وأتت بولد ، فإنه يلحق به ، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومضي
مدة الحمل ، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
وفيات الأعيان 5 / 180 . وذكر ابن القيم
في أعلام الموقعين 2 / 222 هذه الصلاة
ولم يذكر من قال بإجزائها .
(2)
أوضحه السرخسي في المبسوط 23 / 2 - 15 .
الفقه على المذاهب الأربعة 2 / 7 .
(3)
المحلى 6 / 194 .
(4)
المغني لابن قدامة 9 / 55 . وذكر الفخر الرازي في
مناقب الإمام الشافعي ، ص 532 أن
ذلك هو قول أبي حنيفة ( * ) |
|
|
4 - وأفتى بأنه
لو تزوج رجلان امرأتين ، فغلط بهما عند الدخول ، فزفت كل واحدة إلى زوج
الأخرى ، فوطأها وحملت منه ، لحق الولد بالزوج لا بالواطئ ، لأن الولد للفراش (
1 ) .
5 - وأفتى بأنه لو ادعى مسلم وذمي
ولدا ، وأقام كل منهما بينة ، فإن الولد يلحق بالمسلم وإن كان شهود
الذمي مسلمين ، وشهود المسلم من أهل الذمة . معللا بأن ذلك موجب لإسلام الولد (
2 ) .
6 - قال ابن تيمية : إذا
آجر الرجل الدار لأجل بيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة ، لم يجز قولا واحدا ،
وبه قال الشافعي ، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور . وقال أبو حنيفة :
يجوز أن يؤاجرها لذلك ( 3 ) .
7 - وأفتى أبو حنيفة بأن
الرجل إذا استأجر المرأة للوطء ، ولم يكن بينهما عقد نكاح ، فليس ذلك بزنا ،
ولا حد فيه . والزنا عنده ما كان مطارفة ( 4 ) ، وأما ما فيه عطاء فليس بزنا (
5 ) .
هذا وقد عقد ابن أبي شيبة في كتابه ( المصنف ) بابا لمخالفات
أبي حنيفة للأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أسماه : كتاب
الرد على أبي حنيفة . وقال : هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم . وذكر فيه 125 موردا ، فراجعه ( 6 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
المغني لابن قدامة 9 / 58 - 59 .
(2) المبسوط للسرخسي 17 / 132 .
(3) اقتضاء الصراط المستقيم ، ص
236 .
(4) المطروفة من النساء هي التي لا تغض طرفها عن الرجال ، وتشرف
لكل من أشرف لها ، وتصرف بصرها عن بعلها إلى سواه .
(5) المحلى 12 / 196 .
(6) المصنف 7 / 276 - 326 . ( * ) |
|
|
وروى ابن عبد البر في كتاب الانتقاء ، والخطيب
في تاريخ بغداد عن وكيع بن الجراح قال : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
وروى الخطيب عن يوسف بن أسباط أنه قال : رد
أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر ( 2 ) .
2 - بعض فتاوى مالك بن أنس :
1 - أفتى بطهارة
الكلاب والخنازير ، وسؤرهما ( 3 ) طاهر يتوضأ به ويشرب ، وإن ولغا في
طعام لم يحرم أكله ، وعنده أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه مجرد تعبد (
4 ) .
2 - وأفتى بجواز أكل الحشرات
كالديدان والصراصير والخنافس والفئران والجراذين والحرباء والعضاء ، والحية
حلال إذا ذكيت ( 5 ) .
3 - وأفتى بحلية الزواج من بنته من
الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه وأخته من الزنا ،
مستدلا بأنها أجنبية منه ، ولا تنتسب إليه شرعا ، ولا يجري التوارث بينهما ،
ولا تعتق عليه إذا ملكها ، ولا تلزمه نفقتها ، فلا يحرم عليه نكاحها كسائر
الأجانب ( 6 ) . وسيأتي قريبا هذا القول للشافعي أيضا .
4 - وذهب الإمام مالك إلى
أن أقصى مدة الحمل سبع سنين ، فلو طلق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح
زوجا آخر ، ثم جاءت بولد بعد سبع
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء
، ص 151 . تاريخ بغداد 13 / 407 .
(2) تاريخ بغداد 13 / 407 .
(3) السؤر : هو فضلة الشراب .
(4) المغني لابن قدامة 1 / 70 .
(5) المغني لابن قدامة 11 / 65 .
رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، ص 251 .
(6) المغني لابن قدامة 7 / 485 .
( * ) |
|
|
سنين من الوفاة أو الطلاق ، لحقه الولد ،
وانقضت العدة به ( 1 ) .
3 - بعض فتاوى الشافعي :
1 - أفتى الشافعي
بحلية الزواج من بنته من الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت
أخيه وأخته من الزنا ، مستدلا بنفس دليل الإمام مالك في هذه المسألة كما مر
آنفا ( 2 ) . وهذه المسألة ذكرها الفخر الرازي في مناقب الشافعي مسلما بها
ومدافعا فيها عنه ( 3 ) . وإليها أشار الزمخشري في الأبيات المتقدمة بقوله :
فإن شافعيا قلت قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
2 - وأفتى بحلية الذبيحة التي لم
يذكر اسم الله عليها ، لأن التسمية مستحبة عنده غير واجبة ، لا في عمد
ولا في سهو ( 4 ) وهذا القول مروي أيضا عن أحمد بن حنبل ، مع أن الله تعالى
يقول ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق
) ( 5 ).
4 - بعض فتاوى أحمد بن حنبل :
1 - إذا ادعى
اثنان ولدا فإن لم يكن لأحدهما بينة ، أو كان لكل منهما بينة تعارض
الأخرى ، فهنا يعرض على القافة ( 6 ) ، فإن ألحقه القافة بأحدهما
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
المحلى 10 / 132 .
(2) المغني لابن قدامة 7 / 485 .
(3) مناقب الإمام الشافعي ، ص 532
.
(4) المغني لابن قدامة 11 / 34 .
المحلى 6 / 87 . وذكر الفخر الرازي هذا
المسألة في مناقب الإمام الشافعي ، ص 535
وانتصر للشافعي فيها .
(5) سورة الأنعام ، الآية 121 .
(6) القافة : جمع قائف ، وهو من يزعم فيه أنه يعرف النسب
بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود . ( * ) |
|
|
لحق به ، وإن ألحقوه بالاثنين لحق بهما ،
فيرثانه جميعا ميراث أب واحد ، ويرثهما ميراث ابن ( 1 ) . وكذا لو ادعاه أكثر
من اثنين ، فألحقه القافة بهم ( 2 ) .
قلت : بهذه الفتوى يكون له أبوان أو ثلاثة آباء أو أكثر ، مع أن
المقطوع به أنه ابن لواحد فقط ، ثم إن مسألة الميراث الأمر فيها سهل ، ولكن إلى
من ينتسب هذا المولود ، فإن الانتساب إلى أكثر من واحد لا يتأتى . قال ابن حزم
: لا يجوز أن يكون ولد واحد ابن رجلين ، ولا ابن امرأتين ( 3 ) .
2 - ذهب الإمام أحمد إلى أن
أقصى مدة الحمل أربع سنين ، فلو طلق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح زوجا
آخر ، ثم جاءت بولد بعد أربع سنين من الوفاة أو الطلاق ، لحقه الولد ، وانقضت
العدة به ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
المغني لابن قدامة 6 / 430 .
(2) المصدر السابق 6 / 432 .
(3) المحلى 9 / 339 .
(4) المغني لابن قدامة 9 / 117 .
( * ) |
|
|