من هو إمام المسلمين في هذا العصر ؟

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 212 :

من هو إمام المسلمين في هذا العصر ؟

تمهيد :
 

إن مسألة معرفة إمام العصر من المسائل المهمة التي تترتب عليها أعظم المصالح الدينية والدنيوية ، وتؤدى بها أهم الوظائف الشرعية ، وقد وردت فيها أحاديث صحيحة مشتملة على التحذير الشديد ، وتصف من مات جاهلا بها بأن ميتته جاهلية .

مضافا إلى أن علماء أهل السنة قد أكدوا في مصنفاتهم على أن نصب الإمام في كل عصر واجب على المسلمين كافة ، بل جعلوه من أعظم الواجبات الدينية التي لا يسع المسلمين تركها أو التهاون في المبادرة إليها .


قال الإيجي في المواقف : نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعا . . . وقال : إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على امتناع خلو الوقت عن إمام ، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته : ألا إن محمدا

قد مات ، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله ، وتركوا له أهم الأشياء ، وهو دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر . . . ( 1 ) .


وقال الماوردي : وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأمة واجب

  * هامش *  
  (1) المواقف ، ص 395 . والإيجي عاش بين سنة 700 ه‍ وسنة 756 ه‍ . ( * )  

 

- ص 213 -

بالإجماع ( 1 ) .

وقال ابن حجر : قال النووي : أجمعوا على أنه يجب نصب خليفة ، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل ( 2 ) .

وقال التفتازاني : نصب الإمام واجب على الخلق سمعا عندنا وعند عامة المعتزلة ( 3 ) .

وقال ابن حزم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على وجوب الإمامة ، وأنه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة ( 4 ) .

وقال : لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة ( 5 ) . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ( 6 ) .


ومع كل ذلك فإن أهل السنة بعد عصر الخلافة عندهم أطبقوا على ترك هذا الواجب ، بل تركوا الخوض في هذه المسألة وتجنبوا البحث فيها من قريب أو بعيد ، فلا نرى منهم اهتماما بالبحث في هذا الأمر مع عظم أهميته ، حتى تركه من تعرض لشرح تلك الأحاديث وقابله بالإعراض والإهمال الشديدين ( 7 ) .


ولعل السبب في ذلك خشية علماء أهل السنة من سخط حكام

  * هامش *  
  (1) الأحكام السلطانية ، ص 29 .
(2)
فتح الباري 13 / 176 .
(3)
شرح المقاصد 5 / 235 .
(4)
الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 169 .
(5)
المحلى 8 / 420 .
(6)
راجع إن شئت كلام ابن حزم في الفصل في الملل 4 / 149 ، والبغدادي في الفرق بين الفرق ، ص 349 .
(7)
خذ مثالا على ذلك الإمام النووي الذي شرح صحيح مسلم ، فإنه لم يعلق بحرف واحد على حديث ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) ، راجع صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 240 ، مع أن النووي توفي سنة 676 ه‍ بعد سقوط الخلافة العباسية وتشتت بلاد المسلمين إلى دويلات على كل دولة خليفة .  ( * )
 

 

- ص 214 -

عصرهم إذا نفوا عنهم أهليتهم لإمامة المسلمين ، وخوفهم من العامة ، وحذرهم من تخطئة كل أهل السنة في ترك أمر مهم واجب لا ينبغي تركه .

والأحاديث المروية في هذه المسألة كثيرة ، وإليك بعضا منها : حديث من مات وليس في عنقه بيعة : أخرج مسلم في صحيحه ، والبيهقي في السنن ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، والتبريزي في مشكاة المصابيح ، والألباني في السلسلة الصحيحة وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ( 1 ) .


وأخرج أحمد في المسند ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، وأبو داود الطيالسي في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، وأبو نعيم في حليته ، والمتقي الهندي في كنز العمال وغيرهم ، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية   ( 2 ) .

وفي رواية أخرجها الهيثمي وابن أبي عاصم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية  ( 3 ) .

  * هامش *  
  (1) صحيح مسلم 3 / 1478 كتاب الإمارة ، باب 13 ، ح 58 ، السنن الكبرى 8 / 156 ، مجمع الزوائد 5 / 218 ،
مشكاة المصابيح
2 / 1088 ح 3674 ، سلسلة الأحاديث الصحيحة 2 / 715 ح 984 .

(2) مسند أحمد 4 / 96 ، مجمع الزوائد 5 / 218 ، مسند الطيالسي ، ص 259 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7 / 49 ،
حلية الأولياء
3 / 224 ، كنز العمال 1 / 103 ح 464 ، 6 / 65 ح 14863 .

(3) مجمع الزوائد 5 / 224 ، 225 ، كتاب السنة ، ص 489 ح 1057 ، قال الألباني : إسناده حسن ورجاله ثقات . . . ( * )

 

 

- ص 215 -

وفي رواية أخرى : من مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهلية ( 1 ) .


تأملات في الحديث :

قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات : فيه إشعار إلى أن بيعة إمام المسلمين الحق ينبغي المبادرة إليها وعدم إهمالها أو التهاون فيها خشية مباغتة الموت والوقوع في الهلاك .

قوله صلى الله : عليه وآله وسلم وليس في عنقه بيعة : أي ولم تكن بيعة ملازمة له لا تنفك عنه ، كما في قوله تعالى ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) . فلا يجوز نقض بيعة إمام الحق ولا النكث عنها . ولأجل الدلالة على اللزوم لم يعبر بـ‍

( من مات ولم يبايع إماما . . . ) . والبيعة : هي المعاقدة والمعاهدة على السمع والطاعة ، ولعلها مأخوذة من البيع ، فكأن من بايع الإمام قد باع نفسه للإمام ، وأعطاه طاعته وسمعه ونصرته . وعليه فلا تقع البيعة إلا مع الإمام الحاضر الحي ، دون

الإمام الغابر الميت ، لأن الميت لا تتحقق معه المعاهدة ، واعتقاد إمامة الأئمة الماضين لا يستلزم تحقق البيعة لهم . وقوله : لإمام : يدل على أنه لا يجوز مبايعة أكثر من إمام واحد في عصر واحد ، وهذا مما اتفقت عليه كلمة المسلمين ودلت عليه

الأحاديث الصحيحة عند الفريقين . فمما ورد من طرق أهل السنة ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  (1) مسند أحمد 3 / 446 ، كنز العمال 6 / 65 ح 14861 ، كتاب السنة ، ص 490 ح 1058 ، المطالب العالية 2 / 228 .
(2)
صحيح مسلم 3 / 1480 كتاب الإمارة ، باب 15 ح 61 ، السنن الكبرى 8 / 144 . ( * )
 

 

- ص 216 -

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : . . . وستكون خلفاء فتكثر . قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول ( 1 ) .

قال النووي : في هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا الحديث : إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها ، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول [ أم ]

جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو بلد ، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره ، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء . . . واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد ، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا ( 2 ) .


وقال البغدادي : وقالوا - أي أهل السنة - : لا تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام ( 3 ) . ونص على ذلك أيضا ابن حزم ( 4 ) والماوردي ( 5 ) والتفتازاني ( 6 ) وغيرهم . وقوله : مات ميتة جاهلية : ميتة على وزن فعلة ، وهو اسم هيئة ، والمعنى : مات كميتة أهل الجاهلية . قال النووي : أي على صفة موتهم من حيث هي فوضى لا إمام لهم ( 7 ) .


أقول: لعل تشبيه موت من ترك بيعة إمام الزمان بميتة أهل الجاهلية من حيث أن ترك تلك البيعة يستلزم ترك متابعة إمام الحق ويؤدي إلى متابعة أئمة الجور ، وهذا مسبب للوقوع في الضلال ، فتكون حاله حال أهل الجاهلية الذين يموتون على ضلال .

  * هامش *  
  (1) صحيح مسلم 3 / 1471 كتاب الإمارة ، باب 10 ح 44 .
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 231 .
(3)
الفرق بين الفرق ، ص 350 .
(4)
الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 150 . المحلى 8 / 422 .
(5)
الأحكام السلطانية ، ص 37 .
(6)
شرح المقاصد 5 / 233 .
(7)
المصدر السابق 12 / 238 . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب