من هو إمام المسلمين في هذا العصر ؟
تمهيد :
إن مسألة معرفة إمام العصر من المسائل المهمة التي تترتب
عليها أعظم المصالح الدينية والدنيوية ، وتؤدى بها أهم الوظائف الشرعية ، وقد
وردت فيها أحاديث صحيحة مشتملة على التحذير الشديد ، وتصف من مات جاهلا بها بأن
ميتته جاهلية .
مضافا إلى أن علماء أهل السنة قد أكدوا في مصنفاتهم على أن
نصب الإمام في كل عصر واجب على المسلمين كافة ، بل جعلوه من أعظم الواجبات
الدينية التي لا يسع المسلمين تركها أو التهاون في المبادرة إليها .
قال الإيجي في المواقف : نصب الإمام عندنا واجب
علينا سمعا . . . وقال : إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة
النبي صلى الله عليه وسلم على امتناع خلو الوقت عن إمام ، حتى قال أبو بكر رضي
الله عنه في خطبته : ألا إن محمدا
قد مات ، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى
قبوله ، وتركوا له أهم الأشياء ، وهو دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم
يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر . . .
( 1 ) .
وقال الماوردي : وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأمة واجب
بالإجماع ( 1 ) .
وقال ابن حجر : قال النووي :
أجمعوا على أنه يجب نصب خليفة ، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل ( 2 ) .
وقال التفتازاني : نصب الإمام
واجب على الخلق سمعا عندنا وعند عامة المعتزلة ( 3 ) .
وقال ابن حزم : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نص على وجوب الإمامة ، وأنه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة ( 4
) .
وقال : لا يحل لمسلم أن يبيت
ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة ( 5 ) . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ( 6 ) .
ومع كل ذلك فإن أهل السنة بعد عصر الخلافة عندهم أطبقوا على ترك هذا الواجب ،
بل تركوا الخوض في هذه المسألة وتجنبوا البحث فيها من قريب أو بعيد ، فلا نرى
منهم اهتماما بالبحث في هذا الأمر مع عظم أهميته ، حتى تركه من تعرض لشرح تلك
الأحاديث وقابله بالإعراض والإهمال الشديدين ( 7 ) .
ولعل السبب في ذلك خشية علماء أهل السنة من سخط حكام
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الأحكام السلطانية ، ص 29 .
(2) فتح
الباري 13 / 176 .
(3) شرح
المقاصد 5 / 235 .
(4)
الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 169 .
(5)
المحلى 8 / 420 .
(6) راجع إن شئت كلام ابن حزم
في الفصل في الملل 4 / 149 ، والبغدادي
في الفرق بين الفرق ، ص 349 .
(7) خذ مثالا على ذلك الإمام
النووي الذي شرح صحيح مسلم ، فإنه لم
يعلق بحرف واحد على حديث ( من مات وليس في عنقه
بيعة مات ميتة جاهلية ) ، راجع صحيح مسلم
بشرح النووي 12 / 240 ، مع أن النووي توفي سنة 676 ه بعد سقوط
الخلافة العباسية وتشتت بلاد المسلمين إلى دويلات على كل دولة خليفة .
( * )
|
|
|
عصرهم إذا نفوا عنهم أهليتهم لإمامة المسلمين ، وخوفهم من
العامة ، وحذرهم من تخطئة كل أهل السنة في ترك أمر مهم واجب لا ينبغي تركه .
والأحاديث المروية في هذه المسألة كثيرة ،
وإليك بعضا منها : حديث من
مات وليس في عنقه بيعة : أخرج مسلم في صحيحه ، والبيهقي في السنن ،
والهيثمي في مجمع الزوائد ، والتبريزي في مشكاة المصابيح ، والألباني في
السلسلة الصحيحة وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مات وليس في
عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ( 1 ) .
وأخرج أحمد في المسند ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، وأبو داود الطيالسي في
مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، وأبو نعيم في حليته ، والمتقي الهندي في كنز
العمال وغيرهم ، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مات بغير إمام مات ميتة
جاهلية ( 2 ) .
وفي رواية أخرجها الهيثمي وابن أبي عاصم ، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح مسلم 3 / 1478 كتاب الإمارة ، باب
13 ، ح 58 ، السنن الكبرى 8 / 156 ،
مجمع الزوائد 5 / 218 ،
مشكاة المصابيح 2 / 1088 ح 3674 ، سلسلة
الأحاديث الصحيحة 2 / 715 ح 984 .
(2)
مسند أحمد 4 / 96 ،
مجمع الزوائد 5 / 218 ،
مسند الطيالسي ، ص 259 ،
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7 / 49 ،
حلية الأولياء 3 / 224 ، كنز العمال
1 / 103 ح 464 ، 6 / 65 ح 14863 .
(3)
مجمع الزوائد 5 / 224 ، 225 ،
كتاب السنة ، ص 489 ح 1057 ، قال
الألباني : إسناده حسن ورجاله ثقات . . . ( * )
|
|
|
وفي رواية أخرى : من مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهلية ( 1
) .
تأملات في الحديث :
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات : فيه إشعار إلى أن
بيعة إمام المسلمين الحق ينبغي المبادرة إليها وعدم إهمالها أو التهاون فيها
خشية مباغتة الموت والوقوع في الهلاك .
قوله صلى الله : عليه وآله وسلم وليس في عنقه بيعة : أي ولم
تكن بيعة ملازمة له لا تنفك عنه ، كما في قوله تعالى ( وكل إنسان ألزمناه طائره
في عنقه ) . فلا يجوز نقض بيعة إمام الحق ولا النكث عنها . ولأجل الدلالة على
اللزوم لم يعبر بـ
( من مات ولم يبايع إماما . . . ) . والبيعة : هي المعاقدة
والمعاهدة على السمع والطاعة ، ولعلها مأخوذة من البيع ، فكأن من بايع الإمام
قد باع نفسه للإمام ، وأعطاه طاعته وسمعه ونصرته . وعليه فلا تقع البيعة إلا مع
الإمام الحاضر الحي ، دون
الإمام الغابر الميت ، لأن الميت لا تتحقق معه المعاهدة ،
واعتقاد إمامة الأئمة الماضين لا يستلزم تحقق البيعة لهم . وقوله : لإمام : يدل
على أنه لا يجوز مبايعة أكثر من إمام واحد في عصر واحد ، وهذا مما اتفقت عليه
كلمة المسلمين ودلت عليه
الأحاديث الصحيحة عند الفريقين . فمما ورد من طرق أهل السنة
ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
مسند أحمد 3 / 446 ،
كنز العمال 6 / 65 ح 14861 ، كتاب السنة
، ص 490 ح 1058 ، المطالب العالية 2 /
228 .
(2) صحيح
مسلم 3 / 1480 كتاب الإمارة ، باب 15 ح 61 ،
السنن الكبرى 8 / 144 . ( * )
|
|
|
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : . . .
وستكون خلفاء فتكثر . قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول ( 1 )
.
قال النووي : في هذا الحديث
معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا الحديث : إذا بويع
لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم
الوفاء بها ، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول [ أم ]
جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو بلد ، أو أحدهما في بلد
الإمام المنفصل والآخر في غيره ، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير
العلماء . . . واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد ،
سواء اتسعت دار الإسلام أم لا ( 2 ) .
وقال البغدادي : وقالوا - أي أهل السنة - : لا
تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام ( 3 ) . ونص على ذلك أيضا ابن حزم (
4 ) والماوردي ( 5 ) والتفتازاني ( 6 ) وغيرهم . وقوله : مات ميتة جاهلية :
ميتة على وزن فعلة ، وهو اسم هيئة ، والمعنى : مات كميتة أهل الجاهلية . قال
النووي : أي على صفة موتهم من حيث هي فوضى لا إمام لهم ( 7 ) .
أقول: لعل تشبيه موت من ترك بيعة إمام الزمان
بميتة أهل الجاهلية من حيث أن ترك تلك البيعة يستلزم ترك متابعة إمام الحق
ويؤدي إلى متابعة أئمة الجور ، وهذا مسبب للوقوع في الضلال ، فتكون حاله حال
أهل الجاهلية الذين يموتون على ضلال .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح مسلم 3 / 1471 كتاب الإمارة ، باب
10 ح 44 .
(2) صحيح
مسلم بشرح النووي 12 / 231 .
(3)
الفرق بين الفرق ، ص 350 .
(4)
الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 150 .
المحلى 8 / 422 .
(5)
الأحكام السلطانية ، ص 37 .
(6) شرح
المقاصد 5 / 233 .
(7) المصدر السابق 12 / 238 . (
* )
|
|
|