الدليل
السابع : أن الشيعة اتبعوا أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهم مضافا إلى دلالة الأحاديث الصحيحة على لزوم اتباعهم ، فقد وقع
الاتفاق على صلاحهم ونجاتهم ، وحسن سيرتهم ، وطيب سريرتهم ، وأما أهل السنة
فاتبعوا أئمتهم الذين لم يرد في جواز اتباعهم نص ، ولم يتفق على نجاتهم وصلاحهم
، بل إنهم رووا الأحاديث الصريحة في الطعن فيهم ( 1 ) .
ولا ريب في أن الواجب
هو اتباع المتفق على صلاحه ، دون المختلف فيه الذي قدح فيه أولياؤه وأعداؤه .
فحينئذ يكون الشيعة الإمامية هم الناجين دون غيرهم ، لأنهم اتبعوا من يجب
اتباعه دون أهل السنة وغيرهم .
الدليل الثامن :
أن أئمة أهل السنة غير مستيقنين بإيمانهم وبنجاتهم ، وأما أئمة أهل
البيت عليهم السلام فهم جازمون بذلك غير شاكين فيه . ولا شك في أن اتباع الجازم
بذلك هو المتعين ، دون اتباع غيره . وبذلك يكون الشيعة الإمامية هم الناجين دون
غيرهم ، لاتباعهم من يتعين اتباعه .
أما أن أئمة أهل السنة غير
جازمين بنجاتهم فيدل عليه كثير من الآثار المروية عنهم في ذلك : ومن ذلك ما
رووه في احتضار أبي بكر أنه قال : وددت أني خضرة
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
لا يسعنا أن نذكر الطعون والمثالب التي ذكرها القوم في أئمتهم ، وهي
كثيرة ومبثوثة في مطاوي الكتب ، ومن أراد الاطلاع على شئ منها فليراجع
كتاب ( منهاج الكرامة في معرفة الإمامة )
للعلامة الحلي ، وكتاب ( الغدير )
للأميني ج 6 ، وكتاب ( الإستغاثة ) لعلي
بن أحمد الكوفي ، وكتاب شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد ، وكتاب ( الشافي في الإمامة
) 4 / 57 - 293 : لسيد المرتضى ، وكتاب ( النص
والاجتهاد ) للسيد شرف الدين ، وكتاب ما روته العامة من مناقب
أهل البيت عليهم السلام ، ص 307 - 474 . ( * ) |
|
|
تأكلني الدواب ( 1 ) .
وقال عمر في احتضاره : لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت بها
من النار وإن لم أرها ( 2 ) .
وقال أيضا حينئذ : لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من
هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر ( 3 ) .
وفي بعضها : لافتديت به من هول المطلع ( 4 ) .
وقال وقد أخذ تبنة من الأرض : ليتني كنت هذه التبنة ، ليتني
لم أخلق ، ليت أمي لم تلدني ، ليتني لم أك شيئا ، ليتني كنت نسيا منسيا ( 5 ) .
وما قاله عمر وقت احتضاره غير هذا كثير ، فراجعه في مظانه ( 6 ) .
بينما رووا أن عليا عليه السلام لما ضربه ابن ملجم قال : فزت
ورب الكعبة ( 7 ) .
ثم إن عمر كان يسأل حذيفة بن اليمان هل ذكر في المنافقين أم
لا ( 8 ) .
قال الغزالي بعد أن ساق جملة من الأخبار الواردة في النفاق :
فهذه
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الطبقات الكبرى 3 / 198 .
(2) كتاب
المحتضرين ، ص 56 .
(3)
الطبقات الكبرى 3 / 353 . كتاب المحتضرين
، ص 56 .
(4)
المستدرك 3 / 92 . تاريخ الإسلام
: عهد الخلفاء الراشدين ، ص 278 . مجمع الزوائد
9 / 75 ،
وقال : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده
حسن . 9 / 77 وقال : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح .
تاريخ الخلفاء ، ص 106 .
(5)
الطبقات الكبرى 3 / 360 ، 361 .
(6) راجع
الطبقات الكبرى 3 / 351 - 361 ، تاريخ
الإسلام : عهد الخلفاء الراشدين ، ص 278 - 282 .
كتاب المحتضرين ، ص 55 - 56 .
(7) كتاب
المحتضرين ، ص 60 - 61 . إحياء علوم
الدين 4 / 479 .
(8) سير
أعلام النبلاء 2 / 364 . تاريخ الإسلام
: عهد الخلفاء الراشدين ، ص 494 . جامع البيان
( تفسير الطبري ) 11 / 9 .
البداية والنهاية 5 / 18 ، كنز العمال
13 / 344 . ( * )
|
|
|
الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك
الخفي ، وأنه لا يؤمن منه ، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن
نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين ( 1 ) .
وأخرج أحمد في المسند ، والهيثمي في مجمع الزوائد عن أم سلمة قالت : قال النبي
صلى الله عليه وسلم : من أصحابي من لا أراه ولا يراني بعد أن أموت أبدا . قال :
فبلغ ذلك عمر فأتاها يشتد أو يسرع ، فقال : أنشدك الله ، أنا منهم ؟ قالت : لا
، ولا أبرئ بعدك أحدا أبدا ( 2 ) .
ثم إن أئمتهم اتفقوا على أن الرجل إذا سئل : هل أنت مؤمن ؟ فلا يجوز له أن يقول
: نعم ، بل يقول : أنا مؤمن إن شاء الله . أو يقول : ما أدري أنا عند الله عز
وجل شقي أم سعيد ، أمقبول العمل أم لا . أو يقول : أرجو إن شاء الله ( 3 ) .
وعن قتادة أن عمر بن الخطاب قال : من زعم أنه مؤمن فهو كافر ، ومن زعم أنه في
الجنة فهو في النار ( 4 ) .
قال ابن بطة الحنبلي : فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل : أنا مؤمن إن
شاء الله ( 5 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
إحياء علوم الدين 1 / 124 .
(2) مسند
أحمد بن حنبل 6 / 290 ، 298 ، 307 ، 312 ، 317 .
مجمع الزوائد 1 / 112 . 9 / 72 قال
الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات . المعجم
الكبير للطبراني 23 / 317 - 318 ح 719 - 721 .
(3) راجع
كتاب الشريعة للآجري ، ص 148 باب فيمن كره من العلماء لمن سأل
غيره فيقول له : أنت مؤمن ؟ هذا عندهم مبتدع رجل سوء . وكتاب
الإبانة عن شريعة الفرق الناجية 2 / 862
- 883 .
(4)
الإبانة عن شريعة الفرق الناجية 2 / 869 ح 1180 .
(5) المصدر السابق 2 / 864 . (
* )
|
|
|
وأخرج ابن بطة عن أحمد بن حنبل قال : حدثني علي بن بحر ، قال
: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول : كان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث وعطاء بن
السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع ، والعلاء بن المسيب ، وابن
شبرمة ، وسفيان الثوري، وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات، يقولون : نحن
مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني ( 1 ).
وهذا كله ناشئ من شكهم في أنهم مؤمنون كما لا يخفى ، مع أن
الإيمان لا بد أن يكون عن جزم ويقين ، ولا يكون بالشك والظن والتخمين .
وقال ابن بطة : ولكن الاستثناء يصح من وجهين : أحدهما : نفي التزكية ، لئلا
يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله . . . ويصح الاستثناء من وجه آخر
يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال ، وعلى الخاتمة ، وبقية الأعمال ،
ويريد أني
مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين ، وإن كنت عند الله
مثبتا في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرا يدوم
لي ويبقى علي حتى ألقى الله ، ولا أدري هل أصبح وأمسي على الإيمان أم لا . . .
فأنت لا يجوز لك إن كنت
ممن يؤمن بالله وتعلم أن قلبك بيده ، يصرفه كيف شاء ، أن تقول
قولا جزما حتما : إني أصبح غدا كافرا ولا منافقا . إلا أن تصل كلامك بالاستثناء
، فتقول : إن شاء الله . فهكذا أوصاف العقلاء من المؤمنين ( 2 ) .
أقول : هذا عين الشك في الإيمان ، لأن مورد
النزاع هو هل أنا الآن متصف بالإيمان أم لا ، وهذا أمر وجداني يشعر به كل مؤمن
، ويدرك في نفسه أنه معتقد بالحق جازم به ، وأما ما يكون في مستقبل الأيام فلا
علم لنا به ، فلا ينبغي لمؤمن أن
يقول : أنا سأبقى مؤمنا إلى ما بعد سنة ، لأن هذا أمر غيبي لا
نجزم به ، ولا طريق لنا إلى معرفته ، فلا يصح هذا القول من هذه الجهة
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
المصدر السابق 2 / 871 .
(2) المصدر السابق 2 / 865 -
866 . ( * )
|
|
|
إلا بالاستثناء ، وليس هذا موضع نزاعنا .
وقولي : إني مؤمن لا تزكية فيه للنفس ، بل هو إخبار عن واقع
صحيح باعتقادي ، وإنما يكون تزكية إذا ادعيت أني كامل الإيمان وفي أعلى مراتبه
، لأن الإيمان مراتب ودرجات .
ولم لا يكون قولي ذلك من باب التحدث بنعمة الله تعالى إذ أنعم
علينا بنعمة الإيمان ، وربما يكون عدم جزمي بذلك نوعا من الجحود .
ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام ذلك ، فقال عز من قائل
( وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول
المؤمنين ) ( 1 ) .
وحكاه عن السحرة الذين آمنوا بموسى فقال جل شأنه ( قال
آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن
أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا
لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر
لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ) ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة الأعراف ، الآية 143 .
(2) سورة
الشعراء ، الآيات 49 - 51 . ( * )
|
|
|