قول ابن الجوزي والخطابي في الخلفاء الاثنى عشر

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 25 :

 5 - قول ابن الجوزي والخطابي ( 1 ) :

وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ما يكون بعده وبعد أصحابه ، وأن حكم أصحابه مرتبط بحكمه ، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم ، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية ، وكأن قوله : لا يزال الدين أي الولاية إلى أن يلي اثنا عشر خليفة ، ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشد من الأولى ، وأول بني

 

  * هامش *  
  (1) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 17 / 23 : الإمام العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف ، ولد سنة بضع وعشرة وثلاثمائة .

أخذ الفقه على مذهب الشافعي عن القفال الشاشي وغيره ، وحدث عنه الحاكم النيسابوري والإمام والإسفراييني وغيرهما . قال السلفي : وأما أبو سليمان الشارح لكتاب أبي داود فإذا وقف منصف على مصنفاته واطلع على بديع تصرفاته في مؤلفاته تحقق إمامته وديانته فيما يورده وأمانته ، وكان قد رحل في الحديث وقراءة العلوم وطوف ، وألف في فنون العلم وصنف . . توفي ببست سنة 388 ه‍ ( بتصرف ) . ( * )

 

 

- ص 26 -

أمية يزيد بن معاوية ، وآخرهم مروان الحمار ، وعدتهم ثلاثة عشر ، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير ، لكونهم صحابة ، فإذا أسقطنا مروان بن الحكم للاختلاف في صحبته ، أو لأنه كان متغلبا بعد أن اجتمع الناس على ابن الزبير صحت

العدة ، وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة حتى استقرت دولة بني العباس ، فتغيرت الأحوال عما كانت عليه تغيرا بينا . . . ( 1 )


أقول : لا يخفى ضعف هذا القول وركاكته ، فإن أحاديث الخلفاء الاثني عشر وردت بلسان المدح لهم والبشارة بهم ، ووصفتهم بأن الإسلام بهم يكون عزيزا منيعا قائما ، وقد تقدم مفصلا أن حال هؤلاء ليس كذلك ، ومنه يتضح أن هذه الأحاديث أجنبية عن أولئك الخلفاء وبعيدة كل البعد عنهم .


وقوله : ( إن حكم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتبط بحكمه في هذا الأمر ) لا تدل عليه هذه الأحاديث ولا غيرها .

والعجيب في المقام أن الخطابي جعل أحاديث الخلفاء الاثني عشر مقصورة على بني أمية خاصة ، مع أنها جاءت مادحة للاثني عشر مبشرة بهم ، وغفل عن الأحاديث الصحيحة الأخرى التي دلت على ذم بني أمية وبني أبي العاص بأشد ما يكون الذم ، وهي كثيرة جدا . منها : ما دل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساءه ملك بني أمية .


فقد أخرج الترمذي في السنن والسيوطي في الدر المنثور وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك ، فنزلت ( إنا أعطيناك الكوثر ) . . .


ونزلت ( إنا أنزلناه في ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر ) يملكها بنو أمية يا محمد . قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  (1) فتح الباري 13 / 181 .
(2)
سنن الترمذي 5 / 445 . الدر المنثور 8 / 596 . البداية والنهاية 6 / 248 . ( * )
 

 

- ص 27 -

وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد ، والحاكم في المستدرك وصححه ، وابن حجر في المطالب العالية والبوصيري في مختصر الإتحاف وابن كثير في البداية والنهاية ، وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه كأن بني الحكم ( 1 ) ينزون على منبره وينزلون ، فأصبح كالمتغيظ ، فقال : ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة ؟ قال : فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .


وأخرج السيوطي عن ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك ، فأوحى الله إليه : ( إنما هي دنيا أعطوها ) . فقرت عينه ، وهي قوله ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) يعني بلاء ( 3 ) .


ومنها : ما دل على أن بني أمية أبغض الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فقد أخرج الهيثمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، والبوصيري وحسنه ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف ( 4 ) .
 

  * هامش *  
  (1) الحكم هو الحكم بن أبي العاص الأموي والد مروان بن الحكم وعم عثمان بن عفان ، طرده رسول الله صلى الله عليه وآله ونفاه من المدينة إلى الطائف ، ولعنة رسول الله صلى الله عليه وآله ولعن من في صلبه ، توفي في خلافة عثمان .

(2) مجمع الزوائد 5 / 243 ، قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة .
المستدرك
4 / 480 وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ورمز له الذهبي ب‍ ( م ) أي على شرط مسلم .
المطالب العالية
4 / 332 . مختصر إتحاف السادة المتقين 10 / 505 وقال : رواه أبو يعلى ورواته ثقات . البداية والنهاية 6 / 248 .

(3) الدر المنثور 5 / 310 . البداية والنهاية 6 / 248 . وراجع إن شئت تاريخ بغداد 9 / 44 ، معجم الطبراني الكبير 2 / 92 .

(4) المستدرك 4 / 481 قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه = ( * )

 

 

- ص 28 -

ومنها : ما دل على سوء فعلهم وعظم ضررهم إذا كثر عددهم . فقد أخرج الحاكم والبوصيري وحسنه والهيثمي والبيهقي وابن حجر عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا بلغ بنو أبي العاص ( 1 ) ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ( 2 ) ، ودين الله دغلا ( 3 ) ، وعباد الله خولا ( 4 ) ( 5 ) .

وفي رواية أخرجها الحاكم قال : إذا بلغت بنو أمية أربعين . . . ( 6 )


ومنها : ما دل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن بعض هؤلاء الخلفاء وهم في الأصلاب . ومن ذلك ما أخرج الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن الحكم وولده ( 7 ) .
 

  * هامش *  
   = ووافقه الذهبي . وأخرجه البويصري في مختصر إتحاف السادة المتقين 9 - 10 / 202 ، وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( وشر قبائل العرب بنو أمية ) ، قال البويصري : رواه أبو يعلى الموصلي بإسناد حسن . مجمع الزوائد 10 / 71 وقال : رواه أحمد وأبو يعلى . . . وكذلك الطبراني ، ورجالهم رجال الصحيح غير عبد الله بن مطرف بن الشخير وهو ثقة .

(1) هم الحكم وابنه مروان وأولادهما .
(2)
أي يتداولونه فيما بينهم .
(3)
قال ابن الأثير في النهاية 2 / 123 : أي يخدعون به الناس ، وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه . . .
(4)
أي خدم وعبيد .
(5)
المستدرك 4 / 480 . مجمع الزوائد 5 / 243 إلا أنه قال : بنو أبي الحكم . وقال : رواه الطبراني ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف ، وحديثه حسن . دلائل النبوة 6 / 507 . مختصر إتحاف السادة المتقين 10 / 505 وقال : رواه أبو يعلى بسند صحيح . المطالب العالية 4 / 332 . البداية والنهاية 6 / 248 .
(6)
المستدرك 4 / 379 .
(7)
المصدر السابق 4 / 481 وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . ( * )

 

 

- ص 29 -

وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن مرة الجهني وكانت له صحبة أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوته وكلامه ، فقال : ايذنوا له ، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم ، وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ، ويضعون في الآخرة ، ذو مكر وخديعة ، يعطون في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خلاق ( 1 ) .


ومنها : ما دل على أن بعضهم أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه ، وهو الوليد بن عبد الملك ، أو الوليد بن يزيد . فقد أخرج أحمد في المسند ، والهيثمي في مجمع الزوائد عن عمر ، قال : ولد لأخي أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام فسموه الوليد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سميتموه بأسماء فراعنتكم ؟ ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد ، لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه ( 2 ) .


قال ابن كثير : قال أبو عمر الأوزاعي : كان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك ، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد ، لفتنة الناس به ، حتى خرجوا عليه فقتلوه ، وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج ( 3 ) .


أقول : سواء أكان هذا أم ذاك فكلاهما من الخلفاء الاثني عشر عندهم ، فيكون واحد من هؤلاء الخلفاء أشر على هذه الأمة من فرعون .


ومنها : ما دل على أن بعضهم جبابرة . ومن ذلك ما أخرجه الهيثمي وابن كثير وغيرهما عن ابن وهب - في حديث - قال : وذكر مروان حاجة له - أي لمعاوية - فرد مروان عبد الملك إلى
 

  * هامش *  
  (1) المستدرك 4 / 481 وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
(2)
مسند أحمد بن حنبل 1 / 18 ، مجمع الزوائد 5 / 240 وقال : رواه أحمد وإسناده حسن .
(3)
البداية والنهاية 6 / 247 . ( * )
 

 

- ص 30 -

معاوية ، فكلمه فيها ، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية [ لابن عباس وكان جالسا معه على سريره ] : أنشدك بالله يا ابن عباس ، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال : أبو الجبابرة الأربعة ؟ فقال ابن عباس : اللهم نعم ( 1 ) .


أقول : الجبابرة الأربعة هم أولاد عبد الملك ، وهم : الوليد وسليمان ويزيد وهشام ، وهم من الخلفاء الاثني عشر عندهم ، فتدبر .

فهل يصح بعد النظر في هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر بهؤلاء الملوك من بني أمية ، وأخبر أن الدين بهم يكون عزيزا منيعا صالحا . . . ثم إن الخطابي أخرج مروان بن الحكم من عداد هؤلاء الاثني عشر للاختلاف في صحبته ، مع أن أقوال علماء أهل السنة تنص على عدم صحبته .


قال البخاري : لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .

وقال ابن حجر : روى عن النبي ، ولا يصح له منه سماع ( 3 ) . وقال أيضا : لم أر من جزم بصحبته ( 4 ) .

وقال الذهبي : لم ير النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج مع أبيه وهو طفل ( 5 ) .

وقال النووي : لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ولا رآه ، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل حين نفى النبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم ، فكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف
 

  * هامش *  
  (1) مجمع الزوائد 5 / 243 . وقال : رواه الطبراني ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف ، وحديثه حسن . البداية والنهاية 6 / 247 .
(2)
ميزان الاعتدال 4 / 89 .
(3)
تهذيب التهذيب 10 / 83 .
(4)
الإصابة 3 / 477 .
(5)
التجريد 2 / 69 . ( * )
 

 

- ص 31 -

عثمان فردهما ( 1 ) .

وكذلك قال ابن الأثير في أسد الغابة وابن عبد البر في الإستيعاب وغيرهما ( 2 ) .


ثم إن لازم إخراج مروان من عدة هؤلاء الخلفاء لتغلبه إخراج كل خلفاء بني أمية معه ، لأن خلافتهم كانت بالتغلب والقهر أيضا كما هو معلوم . على أنا إذا أخرجنا مروان من العدة فلا بد أن ندخل إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ليتم العدد ، مع أن إبراهيم هذا تولى الملك سبعين ليلة ، ثم خلع نفسه ، وسلم الأمر إلى مروان بن محمد ، وبايعه طائعا ( 3 ) .


وقوله : ( وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة . . . ) إلى آخر ما قاله ، يفسده أن ما وقع من الحوادث والفتن في زمن هؤلاء الخلفاء من بني أمية أعظم وأشنع من الفتن الواقعة في زمن جملة من خلفاء بني العباس ، كالمنصور والمهدي والهادي وهارون والمأمون والمعتصم ، وهذا ظاهر معلوم .
 

  * هامش *  
  (1) تهذيب الأسماء اللغات 2 / 87 .
(2)
أسد الغابة 4 / 348 ، الإستيعاب 3 / 425 .
(3)
تاريخ الخلفاء ، ص 204 .
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب