نظرة في كتاب الفصل في الملل - الشيخ الأميني  ص 6 :

نظرة في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل
تأليف : العلامة الشيخ الأميني

إعداد : الشيخ محمد الحسون

- ص 7  -

كتاب الغدير :

كتاب يتجدد أثره ويتعاظم كلما ازداد به الناس معرفة ، ويمتد في الآفاق صيته كلما غاص الباحثون في أعماقه وجلوا أسراره وثوروا كامن كنوزه . . . إنه العمل الموسوعي الكبير الذي يعد بحق موسوعة جامعة لجواهر البحوث في شتى ميادين العلوم : من تفسير ، وحديث ، وتاريخ ، وأدب ، وعقيدة ، وكلام ، وفرق ، ومذاهب . . .

جمع ذلك كله بمستوى التخصص العلمي الرفيع وفي صياغة الأديب الذي خاطب جميع القراء ، فلم يبخس قارئا حظه ولا انحدر بمستوى البحث العلمي عن حقه .


ونظرا لما انطوت عليه أجزاؤه الأحد عشر من ذخائر هامة ، لا غنى لطالب المعرفة عنها ، وتيسيرا لاغتنام فوائدها ، فقد تبنينا استلال جملة من المباحث الاعتقادية وما لها صلة برد الشبهات المثارة ضد مذهب أهل البيت عليهم السلام ، لطباعتها ونشرها مستقلة ، وذلك بعد تحقيقها وتخريج مصادرها وفقا للمناهج الحديثة في التحقيق .

 

- ص 9 -

مقدمة الأعداد :

الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى ، وآله الأئمة الشرفاء .

وبعد ، بين يديك عزيزي القارئ دراسة نقدية لبعض ما احتواه كتاب ( الفصل ( 1 ) في الملل والأهواء والنحل ) من افتراءات وأكاذيب نسبها مؤلفه ابن حزم الظاهري الأندلسي إلى الشيعة الإمامية
 

 

( 1 ) الفصل ، جمع فصلة : وهي النخلة المنقولة المحولة وقد افتصلها عن موضعها ، لسان العرب 11 : 523 فصل . ( * )

 
 

- ص 10 -

أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد قام بهذه الدراسة النقدية العلامة الكبير والبحاثة المتبحر آية الله الشيخ عبد الحسين الأميني ( رحمه الله ) ، وأدرجها في المجلد الثالث من موسوعته الكبيرة الغدير .

وفي المجلد الأول منه أيضا بين الشيخ الأميني ( رحمه الله ) بعض الآراء الشاذة لابن حزم تحت عنوان ( الرأي العام في ابن حزم الأندلسي ) .

فقمت بمراجعتهما وتصحيحهما ، واستخراج ما لم يستخرجه العلامة الأميني من المصادر لعدم توفرها لديه آنذاك ، وحولت بعض الاستخراجات من طبعاتها القديمة الحجرية إلى الحروفية الحديثة ، وأدرجت بعض التعليقات - في الهامش - التي أشار إليها الأميني إشارة عابرة لأنه ذكرها في موضع آخر من كتابه .


ولا يخفى على العلماء الأعلام وذوي الاطلاع في التأريخ ، حال ابن حزم وتعصبه ، وهجومه على علماء المسلمين الذين يختلفون معه في الرأي .


مال ابن حزم في ابتداء أمره إلى المذهب الشافعي وناضل عنه حتى نسب إلى الشذوذ واستهدف كثيرا من فقهاء عصره بالنقد والجرح ، ثم انتقل إلى المذهب الظاهري وتعصب له وصنف فيه ورد على مخالفيه ، ثم خلع الكل واستقل وزعم أنه إمام الأئمة يضع ويرفع ويحكم ويشرع ، وأنشأ مذهبا خاصا له يدعى ( الحزمية )

 

- ص 11 -

تبعه فيه خلق كثير من أهالي الأندلس . وقد أجمع المؤرخون على صدور أخطاء وأوهام من ابن حزم ، وأثبتوا مناظرة أبي الوليد الباجي له .

قال ابن حجر العسقلاني : وقع له أوهام شنيعة ، تتبع كثيرا منها الحافظ قطب الدين الحلبي ثم المصري من المحلى خاصة .

وقال الحميدي : وقد تتبع أغلاطه في الاستدلال والنظر عبد الحق بن عبد الله الأنصاري في كتاب سماه ( الرد على المحلى ) .

وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان بن حبان : لا يخلو - ابن حزم - في فنونه من غلط .

وذكر عز الدين بن عبد السلام نبذة من أغلاطه في وصف الرواة ، أثبت بعضها ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان

وفي هامش كتاب ( الأعلام ) للزركلي : إن ابن حبان يحط من ابن حزم ، وينال من علمه ومكانته .

وأخذ المؤرخون على ابن حزم أيضا انتقاده لكثير من العلماء والفقهاء ، ورده لأهل كل دين ، ووقوعه في الأئمة الكبار بأقبح عبارة وأشنع رد ، حتى لا يكاد يسلم أحد من لسانه ، مما حدا بأبي العباس ابن العريف الصالح الزاهد أن يقول كلمته المشهورة التي بقيت ليومنا هذا تطارد ابن حزم الأندلسي ، وهي ( لسان ابن حزم

 

- ص 12 -

وسيف الحجاج شقيقان ) .

ولم يكن ابن حزم في نقاشه ومحاوراته هادئا لينا ، قال ابن حجر العسقلاني : ولم يكن يلطف في صدعه بما عنده بتعريض ولا تدريج ، بل يصك معارضا صك الجندل ، وينسفه في أنفه إنساف الخردل . فتمالأ عليه فقهاء عصره ، وأجمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا أكابرهم من قبيله ، ونهوا عوامهم عن الاقتراب منه . فطفقوا يعصونه وهو مصر على طريقته ، حتى كمل له من تصانيفه وقر بعير ، لم يتجاوز أكثرها بابه لزهد العلماء فيها .


وفي مكان آخر من كتابه قال ابن حجر : تعصب عليه فقهاء المالكية بأمراء تلك الديار ، فمقتوه وآذوه وطردوه وحرقوا كتبه علانية .

ونتيجة لذلك كله هاجر ابن حزم إلى بادية لبلة من بلاد الأندلس وتوفي فيها سنة 456 ه‍ .

ومما يؤاخذ به ابن حزم أيضا اعتقاده في أحقية عدالة دولة بني أمية : قال ابن حجر : ومما يزيد في بغض الناس له اعتقاده بصحة إمامتهم - بني أمية حتى نسب إلى النصب .

وقال التلمساني في ( نفح الطيب ) : قال ابن حزم : إن دولة بني

 

- ص 13 -

أمية بالأندلس أنبل دول الإسلام ، وأنكاها في العدو ، وقد بلغت في العز والنصر ما لا مزيد عليه . فلا عجب أن يصدر من هذا الرجل انتقاد لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولعقائد محبيهم والسائرين على نهجهم ، فإن هجم عليهم هو ببنانه في هذا الكتاب فقد سل مواليه بنو أمية بالأمس السيوف عليهم وذبحوا أبناء الرسول في كربلاء وغيرها ، علما بأن جده يزيد كان مولى ليزيد بن أبي سفيان وهو أول من أسلم من أجداده ، كما ذكره ابن خلكان في الوفيات ( 1 ) .


والذي يطلع على حياة ابن حزم لا يستبعد هجومه وتشنيعه على أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كيف وقد كان نصيب كبار علماء إخواننا أبناء السنة مقدارا كبيرا من النقد والتشنيع منه ، حتى قالوا : لا يكاد يسلم أحد من لسانه ، وقالوا : لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان ، كما أوضحناه قبل عدة أسطر في ترجمته . فنراه في كتابه هذا يلصق بأتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) أكاذيب
 

 

( 1 ) أنظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان 3 : 325 - 330 ، لسان الميزان لابن حجر العسقلاني 4 : 198 - 203 ،
نفح الطيب
للتلمساني 1 : 313 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 3 : 299 - 300 ،
هدية العارفين
لإسماعيل باشا البغدادي 5 : 690 - 691 ، الأعلام لخير الدين الزركلي 4 : 254 -
255 ( * ) .

 
 

- ص 7  -

وافتراءات لا تجد لها في كتبهم عينا ولا أثر ، كقولهم بتحريف القرآن ، وأنهم يجيزون نكاح تسعة نساء ، وإمامة المرأة والحمل في بطن أمه ، وأن مذهبهم مأخوذ من عبد الله بن سبأ الذي أحرقه الإمام علي ( عليه السلام ) ، بل أكثر من ذلك كله يدعي أن الروافض ليسوا من المسلمين ! ! ! ويقصد بهم أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


والعجب من هذا الرجل الذي تصفه المصادر بالفقيه والحافظ ، أن يناقش في أمور متسالم عليها عند جميع المسلمين ، وهي مسطورة في كتبهم القديمة والحديثة ، فنراه ينكر حديث المواخاة التي جرت بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) والإمام علي ( عليه السلام ) وحديث رد الشمس لعلي ( عليه السلام ) ونزول سورة ( هل أتى ) في علي وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، بل ينكر أن عليا ( عليه السلام ) أكثر الصحابة علما ! ! ! .


لذلك تصدى للرد عليه العلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه ، وأثبت بطلان مدعاه مستدلا بالمصادر الرئيسية لإخواننا أبناء السنة .

علما بأن العلامة الأميني ليس أول من رد على ابن حزم ، فقد رده كثير من علماء العامة كالأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه الإمام علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) ، والأستاذ محمد كرد علي في خطط الشام .

وألف عدد كبير من علماء العامة كتبا ورسائل مستقلة في إثبات ما أنكره ابن حزم كحديث المؤاخاة ورد الشمس وسورة ( هل أتى ) وأعلمية الإمام علي ( عليه السلام ) .

- ص 15 -

وغيرها ، هذا كله إضافة إلى الذين ردوا على أخطائه وانحرافاته في الفقه والحديث ، وقد أشرنا إلى بعضها سابقا . والحمد لله أولا وآخرا ، والصلاة والسلام على نبينا محمد المصطفى .
 


محمد الحسون 29 رمضان 1416 ه‍

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

فهرس الكتاب