نظرة في كتاب الفصل في الملل - الشيخ الأميني  ص 121 :

الرأي العام في ابن حزم الأندلسي المتوفى 456 ه‍


ما عساني أن أكتب عن شخصية أجمع فقهاء عصره على تضليله ، والتشنيع عليه ، ونهي العوام عن الاقتراب منه ، وحكموا بإحراق تآليفه ومدوناته مهما وجدوا الضلال في طياتها ، كما في لسان الميزان 4 : 200 .

ويعرفه الآلوسي عند ذكره بقوله : الضال المضل ، كما في تفسيره 21 : 76 .

ما عساني أن أقول في مؤلف لا يتحاشا عن الكذب على الله

- ص 122 -

ورسوله ، ولا يبالي بالجرأة على مقدسات الشرع النبوي ، وقذف المسلمين بكل فاحشة ، والأخذ بمخاريق القول وسقطات الرأي .

ما عساني أن أذكر عن بحاثة لا يعرف مبدؤه في أقواله ، ولا يستند على مصدر من الكتاب والسنة في آرائه ، غير أنه إذا أفتى تحكم ، وإذا حكم مان ، يعزو إلى الأمة الإسلامية ما هي بريئة منه ، ويضيف إلى الأئمة وحفاظ المذهب ما هم بعداء منه ، تعرب تآليفه عن حق القول من الرأي العام في ضلاله ، وإليك نماذج من آرائه :

قال في فقهه ( المحلى ) 10 : 482 ، مسألة : مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون ، اختلف الناس في هذا .

ثم نقل عن أبي حنيفة أنه يقول : إن للكبير أن يقتل ولا ينتظر الصغار ، وعن الشافعي : إن الكبير لا يستقيد حتى يبلغ الصغير .

ثم أورد على الشافعية بأن الحسن بن علي قد قتل عبد الرحمن بن ملجم ولعلي بنون صغار ، ثم قال : هذه القصة - يعني قتل ابن ملجم - عائدة على الحنفيين بمثل ما شنعوا على الشافعيين سواء سواء لأنهم والمالكيين لا يختلفون في أن من قتل آخر على تأويل فلا قود في ذلك ، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا ( رضي الله عنه ) إلا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه صواب ، وفي ذلك قول عمران بن حطان شاعر الصفرية :

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا  

- ص 123 -

إني لأذكره حينا فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا

أي لأفكر فيه ثم أحسبه ، فقد حصل الحنفيون في خلاف الحسن بن علي على مثل ما شنعوا به على الشافعيين ، وما ينقلون أبدا من رجوع سهامهم عليهم ، ومن الوقوع فيما حفروه ( 1 ) .


فهلم معي نسائل كل معتنق للإسلام أين هذه الفتوى المجردة من قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حديث صحيح لعلي ( عليه السلام ) : قاتلك أشقى الآخرين - وفي لفظ : أشقى الناس ، وفي الثالث : أشقى هذه الأمة - كما أن عاقر الناقة أشقى ثمود ؟ ! أخرجه الحفاظ الأثبات والأعلام الأئمة بغير طريق ، ويكاد أن يكون متواترا على ما حدد ابن حزم التواتر به ، منهم :

إمام الحنابلة أحمد في المسند 4 : 263 ، والنسائي في الخصائص : 39 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 135 ، والحاكم في المستدرك عن عمار 3 : 140 ، والذهبي في تلخيصه ، وصححاه ، ورواه الحاكم عن ابن سنان الدؤلي : 113 ، وصححه وذكره الذهبي في تلخيصه ، والخطيب في تأريخه عن جابر بن سمرة 1 : 135 ، وابن عبد البر في الإستيعاب ( هامش الإصابة ) 3 : 60 ذكره
 

 

( 1 ) حكاه عنه ابن حجر في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ، ط هند ، سنة 1303 ، ص 416 المؤلف . ( * )

 
 

- ص 124

عن النسائي ثم قال : وذكره الطبري وغيره أيضا ، وذكره ابن إسحاق في السير ، وهو معروف من رواية محمد بن كعب القرظي عن يزيد بن جشم ( 1 ) عن عمار بن ياسر ، وذكره ابن أبي خيثمة من طرق ، وأخرجه محب الدين الطبري في رياضه عن علي من طريق أحمد وابن الضحاك ، وعن صهيب من طريق أبي حاتم والملا .

ورواه ابن كثير في تأريخه 7 : 323 من طريق أبي يعلى ، و ص 325 من طريق الخطيب ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 411 عن ابن عساكر والحاكم والبيهقي ، و ص 412 بعدة طرق عن ابن عساكر ، و ص 413 من طريق ابن مردويه ، و ص 157 من طريق الدارقطني ، و ص 399 من طريق أحمد والبغوي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبي نعيم وابن عساكر وابن النجار .


وأين هذا من قوله الآخر ( صلى الله عليه وآله ) لعلي : ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة ؟ قال : أخبرني يا رسول الله ، قال : فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك ، رواه ابن عبد ربه في العقد الفريق 2 : 298 .

 

( 1 ) كذا في النسخ ، والصحيح عن أبي يزيد بن خثيم المؤلف . ( * )

 
 

- ص 125 -

وأين هذا من قوله الثالث ( صلى الله عليه وآله ) : قاتلك شبه اليهود وهو يهود ، أخرجه ابن عدي في الكامل ( 1 ) ، وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 6 : 412 .

وأين هذا مما ذكره ابن كثير في تأريخه 7 : 323 من أن عليا كان يكثر أن يقول : ما يحبس أشقاها ؟ وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 411 بطريقين عن أبي سعد وأبي نعيم وابن أبي شيبة ، و ص 413 من طريق ابن عساكر .

وأين من قول أمير المؤمنين الآخر لابن ملجم : لا أراك إلا من شر خلق الله رواه الطبري في تأريخه 6 : 85 ، وابن الأثير في الكامل 3 : 169 .

وقوله الآخر ( عليه السلام ) : ما ينظر بي إلا شقي أخرجه أحمد بإسناده كما في البداية والنهاية 7 : 324 .

وقوله الرابع لأهله : والله لوددت لو انبعث أشقاها أخرجه أبو حاتم والملا في سيرته كما في الرياض 2 : 248 .

وقوله الخامس : ما يمنع أشقاكم كما في الكامل 3 : 168 ، وفي كنز العمال 6 : 412 من طريق عبد الرزاق وابن سعد .

 

( 1 ) الكامل في ضعفاء الرجال 3 : 714 . ( * )

 
 

- ص 126 -

وقوله السادس : ما ينتظر أشقاها أخرجه المحاملي كما في الرياض 2 : 248 .

ليت شعري أي اجتهاد يؤدي إلى وجوب قتل الإمام المفترض طاعته ؟
أو أي اجتهاد يسوغ جعل قتله مهرا لنكاح امرأة خارجية عشقها أشقى مراد ( 1 ) ؟
أو أي مجال للاجتهاد في مقابل النص النبوي الأعز ؟

ولو فتح هذا الباب لتسرب الاجتهاد منه إلى قتلة الأنبياء والخلفاء جميعا ، لكن ابن حزم لا يرضى أن يكون قاتل عمر أو قتلة عثمان مجتهدين ، ونحن أيضا لا نقول به .

ثم ليتني أدري أي أمة من الأمم أطبقت على تعذير عبد الرحمن بن ملجم في ما ارتكبه ؟ ليته دلنا عليها ، فإن الأمة الإسلامية ليس عندها شئ من هذا النقل المائن ، اللهم إلا الخوارج المارقين عن الدين ، وقد اقتص الرجل أثرهم واحتج بشعر قائلهم عمران .

اللهم ما عمران بن حطان وحكمه في تبرير عمل ابن ملجم من إراقة دم ولي الله الإمام الطاهر أمير المؤمنين ؟ ما قيمة قوله حتى يستدل به ويركن إليه في أحكام الإسلام ؟ وما شأن فقيه ابن حزم من الدين يحذو حذو مثل عمران ويأخذ قوله في دين الله ،

 

( 1 ) راجع الإمامة والسياسة 1 : 134 ، تأريخ الطبري 6 : 83 ، مستدرك الصحيحين 3 : 143 ،
الكامل في التأريخ
3 : 168 ، البداية والنهاية 7 : 328
. ( * )

 
 

- ص 127 -

ويخالف به النبي الأعظم في نصوصه الصحيحة الثابتة ويردها ويقذف الأمة الإسلامية بسخب خارجي مارق ؟ وهذا معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي ( 1 ) يقول في عمران ومذهبه هذا :

إني لأبرأ مما أنت قائله * عن ابن ملجم الملعون بهتانا
يا ضربة من شقي ما أراد بها * إلا ليهدم للإسلام أركانا

إني لأذكره يوما فألعنه * دنيا وألعن عمرانا وحطانا
عليه ثم عليه الدهر متصلا * لعائن الله إسرارا وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به * نص ( الشريعة برهانا وتبيانا )
( 2 )

وقال بكر بن حسان الباهلي :

قل لابن ملجم والأقدار غالبة * هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم * وأول الناس إسلاما وإيمانا

 

( 1 ) من فقهاء الشافعية ، قال ابن خلكان في تخريخه 1 : 253 ، كان ثقة صادقا دينا ورعا ، عارفا بأصول الفقه وفروعه ، محققا في علمه ، سليم الصدر ، حسن الخلق ، صحيح المذهب ، يقول الشعر على طريقة الفقهاء ، ولد بآمل 348 ه‍ ، توفي ببغداد 450 ه‍ المؤلف .
( 2 ) مروج الذهب 2 : 43 المؤلف
. ( * )

 
 

- ص 128 -

وأعلم الناس بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبي ومولانا وناصره * أضحت مناقبه نورا وبرهانا

وكان منه على رغم الحسود له * مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا * ليثا إذا ما لقي الأقران أقرانا

ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت : سبحان رب الناس سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر * يخشى المعاد ولكن كان شيطانا

أشقى مراد إذا عدت قبائلها * وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت * على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها * قبل المنية أزمانا فأزمانا
 

- ص 129 -

فلا عفا الله عنه ما تحمله ( 1 ) * ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترما * ونال ما ناله ظلما وعدوانا

( يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا )
بل ضربة من غوي أورثته لظى
( 2 ) * وسوف يلقى به الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدا بضربته * إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
( 3 )

قال ابن حجر في الإصابة 3 : 179 : صاحب الأبيات بكر بن حماد التاهرتي ، وهو من أهل القيروان في عصر البخاري ، وأجازه عنها السيد الحميري الشاعر المشهور الشيعي وهو في ديوانه . انتهى .

وفي الاستيعاب 2 : 472 أبو بكر بن حماد التاهرتي ، وذكر له

 

( 1 ) في الكامل : فلا عفا الله عنه سوء فعلته المؤلف .
( 2 ) في الكامل : بل ضربة من غوي أوردته لظى المؤلف .
( 3 ) مروج الذهب 2 : 43 ، الاستيعاب في ترجمة أمير المؤمنين ، الكامل لابن الأثير 3 : 171 ، تمام المتون للصفدي : 15
2 المؤلف . وانظر الاستيعاب ( هامش الإصابة ) 3 : 58 . ( * )

 
 

- ص 130 -

أبياتا في رثاء مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أولها :

وهز علي بالعراقين لحية * مصيبتها جلت على كل مسلم

وقال محمد بن أحمد الطيب ( 1 ) ردا على عمران بن حطان :

يا ضربة من غدور صار ضاربها * أشقى البرية عند الله إنسانا
إذا تفكرت فيه ظلت ألعنه * وألعن الكلب عمران بن حطانا

على أن قتل الإمام المجتبى لابن ملجم وتقرير المسلمين له على ذلك صحابيهم وتابعيهم ، حتى أن كل أحد منهم كان يود أنه هو المباشر لقتله ، يدلنا على أن فعل اللعين لم يكن مما يتطرق إليه الاجتهاد ، فضلا عن أن يبرره ، ولو كان هناك اجتهاد فهو في مقابلة النصوص المتضافرة ، فكان من الصالح العام لكافة المسلمين اجتياح تلك الجرثومة الخبيثة ، وهو واجب أي أحد من الأمة الإسلامية ، غير أن إمام الوقت السيد المجتبى تقدم إلى تلك الفضيلة كتقدمه إلى غيرها من الفضائل .


فليس هو من المواضيع التي حررها ابن حزم فتحكم أو تهكم

 

( 1 ) يوجد البيتان في كامل المبرد 3 : 90 ط محمد بن علي صبيح وأولاده ، وليس من أصل الكتاب كما لا يخفى المؤلف . ( * )

 
 

- ص 131 -

على الشافعية والحنفية والمالكية ، وإنما هو من ضروريات الإسلام في قاتل كل إمام حق ، ولذلك ترى أن القائلين بإمامة عمر بن الخطاب لم يشكوا في وجوب قتل قاتله ، ولم ير أحد منهم للاجتهاد هناك مجالا ، كما سيأتي في كلام ابن حزم نفسه : أنه لم ير له مجالا لقتلة عثمان .


فشتان بين ابن حزم وبين ابن حجر ، هذا يبرر عمل عبد الرحمن ، وذاك يعتذر عن ذكر اسمه في كتابه لسان الميزان ( 1 ) ، ويصفه بالفتك وأنه من بقايا الخوارج في تهذيب التهذيب 7 : 338 .


وابن حجر في كلامه هذا اتبع أثر الحافظ أبي زرعة العراقي في قوله في طرح التثريب 1 : 86 : انتدب له لعلي قوم من الخوارج فقاتلهم فظفر بهم ، ثم انتدب له من بقاياهم أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي ، وكان فاتكا ملعونا فطعنه .

 

( 1 ) لسان الميزان 3 : 439 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب