|
نظرة في كتاب الفصل في الملل -
الشيخ الأميني ص 133 :
|
|
ومن نماذج آرائه
قوله في الفصل 4 :
161 في المجتهد المخطئ : وعمار ( رضي الله عنه ) قتله
أبو الغادية
يسار ابن سبع السلمي ، شهد
( عمار ) بيعة الرضوان ، فهو من
شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه
( رضي الله عنه ) ، فأبو الغادية رضي الله عنه متأول
مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا ، وليس هذا
كقتله عثمان ( رضي الله عنه ) لأنهم لا مجال للاجتهاد
في قتله ، لأنه لم يقتل أحدا ، ولا حارب ، ولا قاتل ،
ولا دافع ، ولا زنا بعد إحصان ، ولا ارتد ، فيسوغ
المحاربة تأويل ، بل هم فساق محاربون سافكون دما حراما
عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فساق
ملعونون . إنتهى .
لم أجد معنى لاجتهاد أبي الغادية ( بالمعجمة ) وهو من مجاهيل الدنيا ، وأفناء الناس ،
وحثالة العهد النبوي ، ولم يعرف بشئ غير أنه جهني ،
ولم يذكر في أي معجم بما يعرب عن اجتهاد ، ولم يرو منه
شئ من العلم الإلهي سوى قول النبي ( صلى الله عليه
وآله ) : دمائكم وأموالكم حرام ، وقوله : لا ترجعوا
بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
وكان أصحاب رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) يتعجبون من أنه سمع هذا
ويقتل عمارا ( 1 ) ولم يفه أي أحد من أعلام الدين إلى
يوم مجيئ ابن حزم باجتهاد مثل أبي الغادية .
ثم لم أدر
ما معنى هذا الاجتهاد في مقابل النصوص النبوية في عمار
، ولست أعني بها قوله ( صلى الله عليه وآله ) في
الصحيح الثابت المتواتر لعمار :
| |
( 1 )
الاستيعاب 2 : 680 ، والإصابة 4 : 150 المؤلف
. ( * ) |
|
|
تقتلك الفئة الباغية ( 1 ) ، وفي لفظ : الناكبة عن
الطريق ، وإن كان لا يدع مجالا للاجتهاد في تبرير قتله
، فإن قاتله مهما تأول فهو عاد عليه ناكب عن الطريق ،
ونحن لا نعرف اجتهادا يسوغ العدوان الذي استقل العقل
بقبحه ، وعاضده الدين الإلهي الأقدس .
وإن كان أوله
معاوية أو رده لما حدث به عبد الله بن عمرو وقال عمرو
بن العاص : يا معاوية ، أما تسمع ما يقول عبد الله ؟
بقوله : إنك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك ، أنحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه
جاؤا به حتى ألقوه بين رماحنا ( 2 ) .
وبقوله : أفسدت
علي أهل الشام ، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟
فقال عمرو : قلتها ولست أعلم الغيب ، ولا أدري أن صفين
تكون ، قلتها وعمار يومئذ لك ولي ، وقد رويت أنت فيه
مثل ما رويت ، ولهما في القضية معاتبة مشهورة وشعر
منقول ، منه قول عمرو :
| |
( 1 ) ذكر تواتره ابن حجر في
الإصابة 2 : 512 ، وتهذيب التهذيب 7 : 409 المؤلف .
(
2 ) تأريخ الطبري 6 : 23 ، وتأريخ ابن كثير 7 : 369
المؤلف . ( * )
|
|
|
تعاتبني إن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله
قبلي
أنعلك فيما قلت نعل ثبيته * وتزلق بي في مثل ما
قلته نعلي !
وما كان لي علم بصفين أنها * تكون وعمار
يحث على قتلي
ولو كان لي بالغيب علم كتمتها * وكابدت
أقواما مراجلهم تغلي
أبى الله إلا أن صدرك واغر * علي
بلا ذنب جنيت ولا دخل
سوى أنني والراقصات عشية * بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل
وأجابه معاوية بأبيات منها :
فيا قبح الله العتاب وأهله * ألم تر ما أصبحت فيه من
الشغل ؟
فدع ذا ولكن هل لك اليوم حيلة * ترد بها قوما
مراجلهم تغلي ؟
دعاهم علي فاستجابوا لدعوة * أحب إليهم من ثرى المال
والأهل ( 1 )
كما لست أعني ما أخرجه الطبراني عن ابن
مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إذا اختلف
الناس كان ابن سمية مع الحق ( 2 ) .
وإن كان قاطعا للححاج فإن المناوئ لابن سمية ( عمار ) على الباطل لا
محالة ، ولا تجد اجتهادا يبرر مناصرة المبطل على المحق
بعد ذلك النص الجلي . وإنما أعني ما أخرجه الحاكم في
المستدرك 3 : 387 وصححه ، وكذلك الذهبي في تلخيصه ،
بالإسناد عن عمرو بن العاص : إني سمعت رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) يقول : اللهم أولعت قريش بعمار ، إن
قاتل عمار وسالبه في النار .
وأخرجه السيوطي من طريق
الطبراني في الجامع الصغير 2 : 193 ، وابن حجر في
الإصابة 4 : 151 .
وأخرج السيوطي في جمع الجوامع كما
في ترتيبه 7 : 73 قوله ( صلى الله عليه وآله ) لعمار :
يدخل سالبك وقاتلك في النار من طريق ابن عساكر ، و ج 6
: 184 من طريق الطبراني في الأوسط ، و ص 184
| |
( 1 )
شرح نهج البلاغة 2 : 274 المؤلف . وانظر
الطبعة المحققة من شرح نهج البلاغة 8 :
27 - 28 .
( 2 ) جمع الجوامع للسيوطي ، كما في
ترتيبه 6 : 184 المؤلف
. ( * ) |
|
|
من
طريق الحاكم .
وأخرج الحافظ أبو نعيم وابن عساكر - كما
في ترتيب جمع الجوامع 7 : 72 عن زيد بن وهب قال : كان
عمار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به فغدوا عليه فضربوه
، فجلس في بيته ، فجاء عثمان بن عفان يعوده فخرج عثمان
وصعد المنبر فقال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) يقول : تقتلك الفئة الباغية ، قاتل عمار في
النار .
وأخرج الحافظ أبو يعلى وابن عساكر كما في
ترتيب جمع الجوامع 7 : 74 عن عبد الله بن عمر قال :
سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعمار :
تقتلك الفئة الباغية ، بشر قاتل عمار بالنار .
وفي جمع
الجوامع كما في ترتيبه 7 : 75 ، و ج 6 : 184 من طريق
الحافظ ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال : قال النبي (
صلى الله عليه وآله ) : ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى
الجنة ويدعونه إلى النار ؟ قاتله وسالبه في النار ،
أخرجه ابن كثير في تأريخه 7 : 268 .
وفي ترتيب الجمع 7
: 75 من طريق ابن عساكر عن مسند علي : إن عمارا مع
الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار ، وقاتل
عمار في النار . وأخرج أحمد وابن عساكر عن عثمان ،
وابن عساكر عن أم سلمة عن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) لعمار : تقتلك الفئة الباغية ، قاتلك في
النار كنز العمال 6 : 184 ( 1 ) .
وأخرجه عن أم سلمة
ابن كثير في تأريخه 7 : 270 من طريق أبي بكر بن أبي
شيبة .
وأخرج أحمد في مسنده 4 : 89 عن خالد بن الوليد
قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من عادى
عمارا عاداه الله ، ومن أبغض عمارا أبغضه الله .
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 391 بطريقين صححهما هو
والذهبي ، والخطيب في تأريخه 1 : 152 ، وابن الأثير في
أسد الغابة 4 : 45 ، وابن كثير في تأريخه 7 : 311 ،
وابن حجر في الإصابة 2 : 512 ، والسيوطي في جمع
الجوامع كما في ترتيبه 7 : 73 من طريق ابن أبي شيبة
وأحمد ، وفي 6 : 184 من طرق أحمد وابن حبان والحاكم .
وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 390 بإسناد صححه هو
والذهبي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بلفظ :
من يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله ،
ومن يسفه عمارا يسفهه الله ورواه السيوطي في الجمع
كما في ترتيبه 7 : 73 من
طريق ابن النجار والطبراني بلفظ : من سب عمارا سبه
الله ، ومن حقر عمارا حقره الله ، ومن سفه عمارا سفهه
الله .
وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 391 بإسناده بلفظ
: من يحقر عمارا يحقره الله ، ومن يسب عمارا يسبه الله
، ومن يبغض عمارا
| |
( 1 ) أنظر الطبعة
المحققة من كنز العمال 13 : 539 / 37411
. ( * ) |
|
|
يبغضه الله وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في
ترتيبه 7 : 73 من طريق أبي يعلى وابن عساكر ، وفي 6 :
185 عن أبي يعلى وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي
في المختارة .
وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 389
بإسناد صححه هو والذهبي في تلخيصه بلفظ : من يسب عمارا
يسبه الله ، ومن يعاد عمارا يعاده الله .
وأخرج أحمد
في المسند 4 : 90 بإسناده بلفظ : من يعاد عمارا يعاده
الله عز وجل ، ومن يبغضه يبغضه الله عز وجل ، ومن يسبه
يسبه الله عز وجل .
فأين هذه النصوص الصحيحة المتواترة
( 1 ) من اجتهاد أبي الغادية ؟
أو أين هو من تبرير ابن
حزم عمل أبي الغادية ؟
أو أين هو من رأيه في اجتهاده
ومحاباته له بالأجر الواحد ؟
وهو في النار لا محالة
بالنص النبوي الشريف ، وهل تجد بغضا أو تحقيرا أعظم من
القتل ؟
وهناك دروس في هذه كلها يقرأها علينا التأريخ
، قال ابن الأثير في الكامل 3 : 134
: إن أبا الغادية قتل عمارا
، وعاش إلى زمن الحجاج ، ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال
له : أنت قتلت
| |
( 1 ) على ما
اختاره ابن حزم من حد التواتر في سائر الأحاديث المؤلف
. ( * ) |
|
|
ابن
سمية ؟ يعني عمارا ، قال : نعم ، فقال : من سره أن
ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي
قتل ابن سمية ، ثم سأله أبو الغادية حاجته فلم يجبه
إليها ، فقال : نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم
أني عظيم الباع يوم القيامة ، فقال الحجاج : أجل والله
من كان ضرسه مثل أحد ، وفخذه مثل جبل ورقان ، ومجلسه
مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباغ يوم القيامة ،
والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا كلهم
النار ، وذكره ابن حجر في الإصابة 4 : 151 .
وفي
الاستيعاب ( هامش الإصابة ) 4 : 151 : أبو الغادية كان
محبا في عثمان وهو قاتل عمار ، وكان إذا استأذن على
معاوية وغيره يقول : قاتل عمار بالباب ، وكان يصف قتله
له إذا سئل عنه لا يباليه ، وفي قصته عجب عند أهل
العلم روى عن النبي قوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
بعضكم رقاب بعض ، وسمعه منه ثم قتل عمارا
.
وهذه كلها تنم عن غايته
المتوخاة في قتل عمار واطلاعه ووقوفه على ما أخبر به
النبي الأقدس في قاتل عمار ، وعدم ارتداعه ومبالاته
بقتله بعدهما ، غير أنه كان بطبع الحال على رأي إمامه
معاوية ويقول لمحدثي قول النبي بمقاله المذكور : إنك
شيخ أخرق ، ولا تزال تحدث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك
.
وأنت أعرف مني بمغزى هذا الكلام ومقدار أخذ صاحبه
بالسنة النبوية واتباعه لما يروى عن مصدر الوحي الإلهي
، وبأمثال هذه كان اجتهاد أبي الغادية فيما ارتكبه أو
ارتبك فيه .
وغاية ما عند ابن حزم في قتلة عثمان : أن
اجتهادهم في مقابلة النص : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد
أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلث :
الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق
للجماعة ( 1 ) .
لكنه لا يقول ذلك في قاتل علي ( عليه
السلام ) ومقاتليه وقاتل عمار ، وقد عرفت أن الحالة
فيهم عين ما حسبه في قتلة عثمان .
ثم إن ذلك على ما
أصله هو في مورد لا يأدي إلا خطأ القوم في اجتهادهم ،
فلم لم يحابهم الأجر الواحد كما حابى عبد الرحمن بن
ملجم ونظرائه ؟ نعم له أن يعتذر بأن هذا قاتل علي
وأولئك قتلة عثمان .
| |
( 1 ) أخرجه
البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود والترمذي والنسائي وابن
ماجة والدارمي في السنن ،
وابن سعد في الطبقات ، وأحمد والطيالسي في المسندين ،
وابن هشام في السيرة ، والواقدي في المغازي 430 : 432
المؤلف .
انظر صحيح البخاري 9 : 6 ،
صحيح مسلم 3 :
1302 / 1676 ، سنن أبي داود 4 : 26 / 4353 ،
سنن
الترمذي 4 : 19 / 1402 ، سنن النسائي 8 : 6 ،
سنن ابن
ماجة 2 : 847 / 3534 ، الطبقات الكبرى 7 : 142 ،
مسند
أحمد بن حنبل 1 : 382 ، مسند الطيالسي 2 : 413 ،
السيرة النبوية 2 : 318 ،
سنن البيهقي 8 : 213 و 284
. ( * ) |
|
|
على أن نفيه المجال للاجتهاد هناك إنما يصح
على مزعمته في الاجتهاد المصيب ، وأما المخطي منه فهو
جار في المورد كأمثاله من مجاريه عنده .
ثم إن الرجل
في تدعيم ما ارتأه من النظريات الفاسدة وقع في ورطة لا
تروقه ، ألا وهي سب الصحابة بقوله : فهم فساق ملعونون
.
وذهب جمهور أصحابه على تضليل من سبهم بين مكفر ومفسق
، وأنه موجب للتعزير عند كثير من الأئمة بقول مطلق من
غير تفكيك بين فرقة وأخرى أو استثناء أحد منهم ، وهو
إجماعهم على عدالة الصحابة أجمعين ( 1 ) ، وهو بنفسه
يقول في الفصل 3 : 257 .
وأما من سب أحدا من الصحابة (
رضي الله عنهم ) : فإن كان جاهلا فمعذور ، وإن قامت
عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنا وسرق ،
وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله ( صلى الله عليه
وآله ) فهو كافر ، وقد قال عمر ( رضي الله عنه ) بحضرة
النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن حاطب - وحاطب مهاجر
بدري - : دعني أضرب عنق هذا المنافق .
فما كان عمر
بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا متأولا ، وقد قال
رسول
| |
( 1 ) راجع
الصارم المسلول على شاتم الرسول : 572 -
592 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 631
،
والشرف المؤبد للشيرازي : 112 - 119
المؤلف
. ( * ) |
|
|
الله ( صلى الله عليه وآله ) : آية النفاق بغض الأنصار
، وقال لعلي : لا يبغضك إلا منافق . انتهى .
وكم عند
ابن حزم من المجتهدين نظراء عبد الرحمن بن ملجم وأبي
الغادية ، حكم في الفصل بأنهم مجتهدون وهم مأجورون
فيما أخطئوا ، قال في 4 : 161 : قطعنا أن معاوية ( رضي
الله عنه ) ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا واحدا
، وعد في ص 160 معاوية وعمرو بن العاصي من المجتهدين ،
ثم قال : إنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها
المفتون ، وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا
يراه ، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد وفيهم من لا يراه
، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر وفيهم من لا يراه ،
فأي فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو
وغيرهما ؟ لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم .
انتهى .
وشتان بين المفتين الذين التبست عليهم الأدلة
في الفتيا ، أو اختلفت عندهم بالنصوصية والظهور ولو
بمبلغ فهم ذلك المفتي ، أو أنه وجد إحدى الطائفتين من
الأدلة أقوى من الأخرى لصحة الطريق عنده ، أو تضافر
الإسناد ، فجنح إلى جانب القوة ، وارتأى مقابله بضرب
من الاستنباط تقوية الجانب الآخر ، فأفتى كل على مذهبه
، كل ذلك إخباتا إلى الدليل من الكتاب والسنة
.
فشتان بين هؤلاء وبين محاربي علي ( عليه السلام ) ،
وبمرأى الملأ الإسلامي ومسمعهم كتاب الله العزيز وفيه
آية التطهير الناطقة بعصمة النبي وصنوه وصفيته وسبطيه
، وفيه آية المباهلة النازلة فيهم وعلي فيها نفس النبي
، وغيرهما مما يناهز ثلاثمائة آية ( 1 ) النازلة في
الإمام أمير المؤمنين .
وهذه نصوص الحفاظ الأثبات ،
والأعلام الأئمة ، وبين يديهم الصحاح والمسانيد وفيها
حديث التطهير ، وحديث المنزلة ، وحديث البراءة ، ذلك
الهتاف النبوي المبين المتواتر ، كل ذلك كانت تلوكه
أشداق الصحابة وانهي إلى المتابعين .
أفترى من الممكن
أن يهتف المولى سبحانه في المجتمع بطهارة ذات وقدسه من
الدنس ، وعصمته من كل رجس ؟
أو ينزله منزلة نفس النبي
الأعظم ويسمع به عباده ؟
أو يوجب بنص كتابه المقدس على
أمة نبيه الأقدس مودة ذي قرباه ؟
( وأمير المؤمنين
سيدهم ) ، ويجعل ولائهم أجر ذلك العب الفادح الرسالة
الخاتمة العظمى ؟
ويخبر بلسان نبيه أمته بأن طاعة علي
طاعته ومعصيته معصيته ؟ ( 2 )
ويكون مع ذلك كله هناك
مجال للاجتهاد بأن
| |
( 1 ) راجع
تأريخي الخطيب 6 : 221 ، وابن
عساكر ، وكفاية الكنجي : 108 ،
والصواعق : 76 ، وتأريخ الخلفاء للسيوطي : 115 ،
والفتوحات الإسلامية 2 : 342 ، ونور الأبصار : 81 ،
وهناك مصادر كثيرة أخرى المؤلف .
( 2 ) أخرجه الحاكم
في المستدرك 3 : 121 و 128 ، والذهبي في تلخيصه وصححاه
المؤلف . ( * )
|
|
|
يقاتل ؟ أو يقتل ؟ أو ينفى من الأرض ؟ أو يسب على رؤوس
الأشهاد ؟ أو يلعن على المنابر ؟ أو تعلن عليه
الدعايات ؟ وهل يحكم شعورك الحر بأن الاجتهاد في كل
ذلك كاجتهاد المفتين واختلافهم في تقل الساحر وأمثاله
؟
وابن حزم نفسه يقول في الفصل 3 : 258 : ومن تأول من
أهل الإسلام فأخطأ ، فإن كان لم تقم عليه الحجة ولا
تبين له الحق فهو معذور مأجور أجرا واحدا لطلبه الحق
وقصده إليه ، مغفور له خطؤه إذ لم يتعمد ، لقول الله
تعالى : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) ( 1 ) .
وإن كان مصيبا فله أجران : أجر
لإصابته ، وأجر آخر لطلبه إياه . وإن كان قد قامت
الحجة عليه ، وتبين له الحق ، فعند عن الحق غير معارض
له تعالى ولا لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) فهو فاسق
لجرأته على الله تعالى بإصراره على الأمر الحرام .
فإن
عد عن الحق معارضا لله ولرسوله ( صلى الله عليه
وآله ) فهو كافر مرتد حلال
الدم والمال ، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في
الاعتقاد في أي شئ كان من الشريعة وبين الخطأ في
الفتيا في أي شئ كان . إنتهى .
فهل من الممكن إنكار
حجية كتاب الله العزيز ؟ أو نفي ما تلوناه
| |
( 1 )
الأحزاب : 5 . ( * )
|
|
|
منه
؟ أو احتمال خفاء هذه الحجج الدامغة كلها على أهل
الخطأ من أولئك المجتهدين ؟ وعدم تبين الحق لهم ؟ وعدم
قيام الحجة عليهم ؟ أو تسرب الاجتهاد والتأويل في تلك
النصوص أيضا ؟ .
على أن هناك نصوص نبوية حول حربه
وسلمه ، منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 149
عن زيد بن أرقم عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه
قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : أنا حرب لمن حاربتم
وسلم لمن سالمتم .
وذكره الذهبي في تلخيصه ، وأخرجه الكنجي في الكفاية ص 189 من طريق الطبراني ،
والخوارزمي في المناقب ص 90 ، والسيوطي في جمع الجوامع
كما في ترتيبه 6 : 216 من طريق الترمذي وابن ماجة وابن
حبان والحاكم .
وأخرجه الخطيب بإسناده عن زيد في
تأريخه 7 : 137 بلفظ : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن
سالمكم ، والحافظ بن عساكر في تأريخه 4 : 316 ، ورواه الكنجي في كفايته : 189 من طريق الترمذي ، وابن حجر
في الصواعق ص 112 من طريق
الترمذي وابن حبان والحاكم ، وابن الصباغ المالكي في
فصوله ص 11 ، ومحب الدين في الرياض 2 : 189 ، والسيوطي
في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 102 من طريق ابن أبي
شيبة والترمذي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي في
المختارة .
وأخرجه ابن كثير في تاريخه 8 : 36 باللفظ
الأول عن أبي
هريرة من طريق النسائي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين
، وابن ماجة من حديث وكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري .
وأخرج أحمد في مسنده 2 : 442 عن أبي هريرة بلفظ : أنا
حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ، والحاكم في المستدرك
3 : 149 ، والخطيب في تأريخه 4 : 208 ، والكنجي في
الكفاية ص 189 من طريق أحمد وقال : حديث حسن صحيح ،
والمتقي في الكنز 6 : 216 ( 1 ) من طريق أحمد
والطبراني والحاكم .
وأخرج محب الدين الطبري في الرياض
2 : 189 عن أبي بكر الصديق : رأيت رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية وفي
الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : معشر
المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن
حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب
المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة .
وأخرج
الحاكم في المستدرك 3 : 129 عن جابر بن عبد الله قال
: سمعت رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو
يقول : هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور من نصره
، مخذول من خذله ، ثم مد بها صوته .
| |
( 1 ) أنظر الطبعة
المحققة من كنز العمال 12 : 96 / 34159
. ( * ) |
|
|
وأخرجه ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل ص 31 عن أبي
ذر بلفظ : قائد البررة ، وقاتل الكفرة إلخ .
ورواه ابن
حجر في الصواعق ص 75 عن الحاكم ، وأحمد زيني دحلان في
الفتوحات الإسلامية 2 : 338 . إلى أحاديث كثيرة لو
جمعت لتأتي مجلدات ضخمة ، على أن رسول الله ( صلى الله
عليه وآله ) كان يبث الدعاية بين أصحابه حول تلك
المقاتلة التي زعم ابن حجر فيها اجتهاد معاوية وعمرو
بن العاص ومن كان معهما ، وكان ( صلى الله عليه وآله )
يأمرهم ويأمر أميرهم ولي الله الطاهر بحربهم وقتالهم ،
وبطبع الحال ما كان ذلك يخفى على أي أحد من أصحابه ،
وإليك نماذج من تلك الدعاية النبوية ( 1 ) .
أخرج
الحاكم في المستدرك 3 : 139 والذهبي في تلخيصه عن أبي
أيوب الأنصاري : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أمر علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين
والمارقين ، ورواه الكنجي في كفايته ص 70 .
وأخرج
الحاكم في المستدرك 3 : 140
عن أبي أيوب قال : سمعت رسول الله يقول لعلي : تقاتل
الناكثين والقاسطين والمارقين .
| |
( 1 ) لم نذكرها
بجميع طرقها التي وقفنا عليها روما للاختصار المؤلف . ( * )
|
|
|
وأخرج الخطيب في تأريخه 8 : 340 و 13 : 187 وابن عساكر
عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : أمرني رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) بقتال الناكثين والمارقين
والقاسطين ، وأخرجه الحمويني في فرائد السمطين في
الباب الثالث والخمسين ( 1 ) ، والسيوطي في جمع
الجوامع كما في ترتيبه 6 : 392 .
وأخرج الحاكم وابن
عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 6 : 391 عن ابن مسعود
قال : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأتى منزل
أم سلمة فجاء علي فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) : يا أم سلمة ؟ هذا والله قاتل القاسطين والناكثين
والمارقين من بعدي .
وأخرج الحمويني في فرائد السمطين
في الباب الرابع والخمسين بطريقين عن سعد بن عبادة عن
علي قال : أمرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين (
2 ) .
وأخرج البيهقي في المحاسن والمساوئ 1 : 31 ،
والخوارزمي في المناقب ص 52 و 58 عن ابن عباس
قال : قال رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) لأم سلمة : هذا علي بن أبي طالب لحمه
من لحمي ودمه من دمي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى
إلا أنه لا نبي بعدي ، يا أم سلمة هذا
| |
( 1 )
فرائد السمطين 1 : 274 . |
( 2 )
فرائد السمطين 1 : 285
. ( * )
|
|
|
أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، ووعاء علمي ، ووصيي ،
وبابي الذي أؤتى منه ، أخي في الدنيا والآخرة ، ومعي
في المقام الأعلى ، علي يقتل القاسطين والناكثين
والمارقين .
ورواه الحمويني في الفرائد في الباب
السابع والعشرين والتاسع والعشرين بطرق ثلاث ، وفيه :
وعيبة علمي مكان وعاء علمي ( 1 ) ، والكنجي في الكفاية
ص 69 ، والمتقي في الكنز 6 : 154 من طريق الحافظ
العقيلي ( 2 ) .
وأخرج شيخ الإسلام الحمويني في فرائده
عن أبي أيوب قال : أمرني رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) بقتال الناكثين والقاسطين . من طريق الحاكم ،
ومن طريقه الآخر عن غياث بن ثعلبة عن أبي أيوب قال (
غياث ) : قاله أبو أيوب في خلافة عمر ابن الخطاب ( 3 )
.
وأخرج في الفرائد في الباب الثالث والخمسين عن أبي
سعيد الخدري قال : أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، قلنا
: يا رسول الله ؟ أمرتنا
بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : مع علي بن أبي طالب ( 4 )
.
| |
( 1 )
فرائد السمطين 1 : 145 .
( 2 )
أنظر الطبعة المحققة من كنز العمال 13 : 138 / 36434 . |
( 3 )
فرائد السمطين 1 : 282 .
( 4 ) فرائد السمطين 1
: 281 . ( * )
|
|
|
وقال ابن عبد البر في الإستيعاب 3 : 53 ( هامش الإصابة
) : وروي من حديث علي ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث
أبي أيوب الأنصاري : إنه أمر بقتال الناكثين والقاسطين
والمارقين . فلعلك باخع بما ظهرت عليه من الحق الجلي
غير أنك باحث عن القول الفصل في معاوية وعمرو بن
العاصي ، فعليك بما في طيات كتب التأريخ من كلماتهما ،
وسنوقفك على ما يبين الرشد من الغي في ترجمة عمرو بن
العاصي وعند البحث عن معاوية في الجزء العاشر .
هذا
مجمل القول في آراء ابن حزم وضلالاته وتحكماته ، فأنت
- كما يقول هو : لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم
- تجد الرأي العام في ضلاله قد صدر من أهله في محله ،
وليس هناك مجال نسبة الحسد والحنق إلى من حكم بذلك من
المالكيين أو غيرهم ، ممن عاصره أو تأخر عنه ، وكتابه
الفصل أقوى دليل على حق القول وصواب الرأي .
قال ابن
خلكان في تأريخه 1 : 370 : كان كثير
الوقوع في العلماء
المتقدمين ، لا يكاد أحد يسلم من لسانه : قال ابن
العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين . قاله
لكثرة وقوعه في الأئمة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف
لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردوا قوله ،
واجتمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا
سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامهم من الدنو إليه ،
والأخذ عنه ، فأقصته الملوك ، وشردته عن بلاده ، حتى
إنتهى إلى بادية لبلة ( 1 ) ، فتوفي بها في آخر نهار
الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة
( 2 ) .
ولقد حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في
النار ؟
| |
( 1 ) بفتح اللامين
من بلاد الأندلس المؤلف .
( 2 ) أنظر وفيات الأعيان ، الطبعة
المحققة 3 : 327 - 328 . ( * )
|
|
|
الآن حصحص الحق الآن حق علينا أن نميط الستر عن خبيئة
أسرارنا ، ونعرب عن غايتنا المتوخاة من هذا البحث
الضافي حول الكتب .
الآن آن لنا أن ننوه بأن ضالتنا
المنشودة هي إيقاظ شعور الأمة الإسلامية إلى جانب مهم
فيه الصالح العام والوئام والسلام والوحدة الاجتماعية
، وحفظ ثغور الإسلام عن تهجم سيل الفساد الجارف
|