نظرة في كتاب الفصل في الملل - الشيخ الأميني  ص 133 :

ومن نماذج آرائه

قوله في الفصل 4 : 161 في المجتهد المخطئ : وعمار ( رضي الله عنه ) قتله أبو الغادية يسار ابن سبع السلمي ، شهد ( عمار ) بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ( رضي الله عنه ) ، فأبو الغادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا ، وليس هذا كقتله عثمان ( رضي الله عنه ) لأنهم لا مجال للاجتهاد في قتله ، لأنه لم يقتل أحدا ، ولا حارب ، ولا قاتل ، ولا دافع ، ولا زنا بعد إحصان ، ولا ارتد ، فيسوغ المحاربة تأويل ، بل هم فساق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فساق ملعونون . إنتهى .


لم أجد معنى لاجتهاد أبي الغادية ( بالمعجمة ) وهو من مجاهيل الدنيا ، وأفناء الناس ، وحثالة العهد النبوي ، ولم يعرف بشئ غير أنه جهني ، ولم يذكر في أي معجم بما يعرب عن اجتهاد ، ولم يرو منه شئ من العلم الإلهي سوى قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : دمائكم وأموالكم حرام ، وقوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .

وكان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يتعجبون من أنه سمع هذا ويقتل عمارا ( 1 ) ولم يفه أي أحد من أعلام الدين إلى يوم مجيئ ابن حزم باجتهاد مثل أبي الغادية .

 ثم لم أدر ما معنى هذا الاجتهاد في مقابل النصوص النبوية في عمار ، ولست أعني بها قوله ( صلى الله عليه وآله ) في الصحيح الثابت المتواتر لعمار :

 

( 1 ) الاستيعاب 2 : 680 ، والإصابة 4 : 150 المؤلف . ( * )

 
 

- ص 33 -

تقتلك الفئة الباغية ( 1 ) ، وفي لفظ : الناكبة عن الطريق ، وإن كان لا يدع مجالا للاجتهاد في تبرير قتله ، فإن قاتله مهما تأول فهو عاد عليه ناكب عن الطريق ، ونحن لا نعرف اجتهادا يسوغ العدوان الذي استقل العقل بقبحه ، وعاضده الدين الإلهي الأقدس .

وإن كان أوله معاوية أو رده لما حدث به عبد الله بن عمرو وقال عمرو بن العاص : يا معاوية ، أما تسمع ما يقول عبد الله ؟ بقوله : إنك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك ، أنحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه جاؤا به حتى ألقوه بين رماحنا ( 2 ) .

وبقوله : أفسدت علي أهل الشام ، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها ولست أعلم الغيب ، ولا أدري أن صفين تكون ، قلتها وعمار يومئذ لك ولي ، وقد رويت أنت فيه مثل ما رويت ، ولهما في القضية معاتبة مشهورة وشعر منقول ، منه قول عمرو :

 

( 1 ) ذكر تواتره ابن حجر في الإصابة 2 : 512 ، وتهذيب التهذيب 7 : 409 المؤلف .
( 2 ) تأريخ الطبري 6 : 23 ، وتأريخ ابن كثير 7 : 369 المؤلف
. ( * )

 
 

- ص 134 -

تعاتبني إن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلي
أنعلك فيما قلت نعل ثبيته * وتزلق بي في مثل ما قلته نعلي !

وما كان لي علم بصفين أنها * تكون وعمار يحث على قتلي

ولو كان لي بالغيب علم كتمتها * وكابدت أقواما مراجلهم تغلي
أبى الله إلا أن صدرك واغر * علي بلا ذنب جنيت ولا دخل
سوى أنني والراقصات عشية * بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل

وأجابه معاوية بأبيات منها :

فيا قبح الله العتاب وأهله * ألم تر ما أصبحت فيه من الشغل ؟
فدع ذا ولكن هل لك اليوم حيلة * ترد بها قوما مراجلهم تغلي ؟
 

- ص 135 -

دعاهم علي فاستجابوا لدعوة * أحب إليهم من ثرى المال والأهل ( 1 )

كما لست أعني ما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق ( 2 ) .

وإن كان قاطعا للححاج فإن المناوئ لابن سمية ( عمار ) على الباطل لا محالة ، ولا تجد اجتهادا يبرر مناصرة المبطل على المحق بعد ذلك النص الجلي . وإنما أعني ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 387 وصححه ، وكذلك الذهبي في تلخيصه ، بالإسناد عن عمرو بن العاص : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : اللهم أولعت قريش بعمار ، إن قاتل عمار وسالبه في النار .

وأخرجه السيوطي من طريق الطبراني في الجامع الصغير 2 : 193 ، وابن حجر في الإصابة 4 : 151 .

وأخرج السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 73 قوله ( صلى الله عليه وآله ) لعمار : يدخل سالبك وقاتلك في النار من طريق ابن عساكر ، و ج 6 : 184 من طريق الطبراني في الأوسط ، و ص 184

 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 2 : 274 المؤلف . وانظر الطبعة المحققة من شرح نهج البلاغة 8 : 27 - 28 .
( 2 ) جمع الجوامع للسيوطي ، كما في ترتيبه 6 : 184 المؤلف
. ( * )

 
 

- ص 136 -

من طريق الحاكم .

وأخرج الحافظ أبو نعيم وابن عساكر - كما في ترتيب جمع الجوامع 7 : 72 عن زيد بن وهب قال : كان عمار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به فغدوا عليه فضربوه ، فجلس في بيته ، فجاء عثمان بن عفان يعوده فخرج عثمان وصعد المنبر فقال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : تقتلك الفئة الباغية ، قاتل عمار في النار .

وأخرج الحافظ أبو يعلى وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 7 : 74 عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعمار : تقتلك الفئة الباغية ، بشر قاتل عمار بالنار .

وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 75 ، و ج 6 : 184 من طريق الحافظ ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ؟ قاتله وسالبه في النار ، أخرجه ابن كثير في تأريخه 7 : 268 .

وفي ترتيب الجمع 7 : 75 من طريق ابن عساكر عن مسند علي : إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار ، وقاتل عمار في النار . وأخرج أحمد وابن عساكر عن عثمان ، وابن عساكر عن أم سلمة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعمار : تقتلك الفئة الباغية ، قاتلك في

- ص 137 -

النار كنز العمال 6 : 184 ( 1 ) .

وأخرجه عن أم سلمة ابن كثير في تأريخه 7 : 270 من طريق أبي بكر بن أبي شيبة .

وأخرج أحمد في مسنده 4 : 89 عن خالد بن الوليد قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من عادى عمارا عاداه الله ، ومن أبغض عمارا أبغضه الله .

وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 391 بطريقين صححهما هو والذهبي ، والخطيب في تأريخه 1 : 152 ، وابن الأثير في أسد الغابة 4 : 45 ، وابن كثير في تأريخه 7 : 311 ، وابن حجر في الإصابة 2 : 512 ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 73 من طريق ابن أبي شيبة وأحمد ، وفي 6 : 184 من طرق أحمد وابن حبان والحاكم .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 390 بإسناد صححه هو والذهبي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بلفظ : من يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله ، ومن يسفه عمارا يسفهه الله ورواه السيوطي في الجمع كما في ترتيبه 7 : 73 من طريق ابن النجار والطبراني بلفظ : من سب عمارا سبه الله ، ومن حقر عمارا حقره الله ، ومن سفه عمارا سفهه الله .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 391 بإسناده بلفظ : من يحقر عمارا يحقره الله ، ومن يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا

 

( 1 ) أنظر الطبعة المحققة من كنز العمال 13 : 539 / 37411  . ( * )

 
 

- ص 138 -

يبغضه الله وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 73 من طريق أبي يعلى وابن عساكر ، وفي 6 : 185 عن أبي يعلى وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي في المختارة .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 389 بإسناد صححه هو والذهبي في تلخيصه بلفظ : من يسب عمارا يسبه الله ، ومن يعاد عمارا يعاده الله .

وأخرج أحمد في المسند 4 : 90 بإسناده بلفظ : من يعاد عمارا يعاده الله عز وجل ، ومن يبغضه يبغضه الله عز وجل ، ومن يسبه يسبه الله عز وجل .

فأين هذه النصوص الصحيحة المتواترة ( 1 ) من اجتهاد أبي الغادية ؟
أو أين هو من تبرير ابن حزم عمل أبي الغادية ؟
أو أين هو من رأيه في اجتهاده ومحاباته له بالأجر الواحد ؟
وهو في النار لا محالة بالنص النبوي الشريف ، وهل تجد بغضا أو تحقيرا أعظم من القتل ؟

وهناك دروس في هذه كلها يقرأها علينا التأريخ ، قال ابن الأثير في الكامل 3 : 134 : إن أبا الغادية قتل عمارا ، وعاش إلى زمن الحجاج ، ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له : أنت قتلت

 

( 1 ) على ما اختاره ابن حزم من حد التواتر في سائر الأحاديث المؤلف . ( * )

 
 

- ص 139 -

ابن سمية ؟ يعني عمارا ، قال : نعم ، فقال : من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية ، ثم سأله أبو الغادية حاجته فلم يجبه إليها ، فقال : نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة ، فقال الحجاج : أجل والله من كان ضرسه مثل أحد ، وفخذه مثل جبل ورقان ، ومجلسه مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباغ يوم القيامة ، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا كلهم النار ، وذكره ابن حجر في الإصابة 4 : 151 .


وفي الاستيعاب ( هامش الإصابة ) 4 : 151 : أبو الغادية كان محبا في عثمان وهو قاتل عمار ، وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول : قاتل عمار بالباب ، وكان يصف قتله له إذا سئل عنه لا يباليه ، وفي قصته عجب عند أهل العلم روى عن النبي قوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، وسمعه منه ثم قتل عمارا .

وهذه كلها تنم عن غايته المتوخاة في قتل عمار واطلاعه ووقوفه على ما أخبر به النبي الأقدس في قاتل عمار ، وعدم ارتداعه ومبالاته بقتله بعدهما ، غير أنه كان بطبع الحال على رأي إمامه معاوية ويقول لمحدثي قول النبي بمقاله المذكور : إنك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك .

 

- ص 140 -

وأنت أعرف مني بمغزى هذا الكلام ومقدار أخذ صاحبه بالسنة النبوية واتباعه لما يروى عن مصدر الوحي الإلهي ، وبأمثال هذه كان اجتهاد أبي الغادية فيما ارتكبه أو ارتبك فيه .

وغاية ما عند ابن حزم في قتلة عثمان : أن اجتهادهم في مقابلة النص : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ( 1 ) .

لكنه لا يقول ذلك في قاتل علي ( عليه السلام ) ومقاتليه وقاتل عمار ، وقد عرفت أن الحالة فيهم عين ما حسبه في قتلة عثمان .

ثم إن ذلك على ما أصله هو في مورد لا يأدي إلا خطأ القوم في اجتهادهم ، فلم لم يحابهم الأجر الواحد كما حابى عبد الرحمن بن ملجم ونظرائه ؟ نعم له أن يعتذر بأن هذا قاتل علي وأولئك قتلة عثمان .

 

( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في السنن ، وابن سعد في الطبقات ، وأحمد والطيالسي في المسندين ، وابن هشام في السيرة ، والواقدي في المغازي 430 : 432 المؤلف .
انظر صحيح البخاري 9 : 6 ، صحيح مسلم 3 : 1302 / 1676 ، سنن أبي داود 4 : 26 / 4353 ،
 سنن الترمذي 4 : 19 / 1402 ، سنن النسائي 8 : 6 ، سنن ابن ماجة 2 : 847 / 3534 ، الطبقات الكبرى 7 : 142 ،
مسند أحمد بن حنبل
1 : 382 ، مسند الطيالسي 2 : 413 ، السيرة النبوية 2 : 318 ، سنن البيهقي 8 : 213 و 284
 . ( * )

 
 

- ص 141 -

على أن نفيه المجال للاجتهاد هناك إنما يصح على مزعمته في الاجتهاد المصيب ، وأما المخطي منه فهو جار في المورد كأمثاله من مجاريه عنده .

ثم إن الرجل في تدعيم ما ارتأه من النظريات الفاسدة وقع في ورطة لا تروقه ، ألا وهي سب الصحابة بقوله : فهم فساق ملعونون .

وذهب جمهور أصحابه على تضليل من سبهم بين مكفر ومفسق ، وأنه موجب للتعزير عند كثير من الأئمة بقول مطلق من غير تفكيك بين فرقة وأخرى أو استثناء أحد منهم ، وهو إجماعهم على عدالة الصحابة أجمعين ( 1 ) ، وهو بنفسه يقول في الفصل 3 : 257 .

وأما من سب أحدا من الصحابة ( رضي الله عنهم ) : فإن كان جاهلا فمعذور ، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنا وسرق ، وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) فهو كافر ، وقد قال عمر ( رضي الله عنه ) بحضرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن حاطب - وحاطب مهاجر بدري - : دعني أضرب عنق هذا المنافق .

فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا متأولا ، وقد قال رسول

 

( 1 ) راجع الصارم المسلول على شاتم الرسول : 572 - 592 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 631 ،
والشرف المؤبد للشيرازي : 112 - 119 المؤلف
. ( * )

 
 

- ص 142 -

الله ( صلى الله عليه وآله ) : آية النفاق بغض الأنصار ، وقال لعلي : لا يبغضك إلا منافق . انتهى .


وكم عند ابن حزم من المجتهدين نظراء عبد الرحمن بن ملجم وأبي الغادية ، حكم في الفصل بأنهم مجتهدون وهم مأجورون فيما أخطئوا ، قال في 4 : 161 : قطعنا أن معاوية ( رضي الله عنه ) ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا واحدا ، وعد في ص 160 معاوية وعمرو بن العاصي من المجتهدين ، ثم قال : إنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون ، وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر وفيهم من لا يراه ، فأي فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما ؟ لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم . انتهى .


وشتان بين المفتين الذين التبست عليهم الأدلة في الفتيا ، أو اختلفت عندهم بالنصوصية والظهور ولو بمبلغ فهم ذلك المفتي ، أو أنه وجد إحدى الطائفتين من الأدلة أقوى من الأخرى لصحة الطريق عنده ، أو تضافر الإسناد ، فجنح إلى جانب القوة ، وارتأى مقابله بضرب من الاستنباط تقوية الجانب الآخر ، فأفتى كل على مذهبه ، كل ذلك إخباتا إلى الدليل من الكتاب والسنة .  

- ص 143 -

فشتان بين هؤلاء وبين محاربي علي ( عليه السلام ) ، وبمرأى الملأ الإسلامي ومسمعهم كتاب الله العزيز وفيه آية التطهير الناطقة بعصمة النبي وصنوه وصفيته وسبطيه ، وفيه آية المباهلة النازلة فيهم وعلي فيها نفس النبي ، وغيرهما مما يناهز ثلاثمائة آية ( 1 ) النازلة في الإمام أمير المؤمنين .


وهذه نصوص الحفاظ الأثبات ، والأعلام الأئمة ، وبين يديهم الصحاح والمسانيد وفيها حديث التطهير ، وحديث المنزلة ، وحديث البراءة ، ذلك الهتاف النبوي المبين المتواتر ، كل ذلك كانت تلوكه أشداق الصحابة وانهي إلى المتابعين .


أفترى من الممكن أن يهتف المولى سبحانه في المجتمع بطهارة ذات وقدسه من الدنس ، وعصمته من كل رجس ؟
أو ينزله منزلة نفس النبي الأعظم ويسمع به عباده ؟
أو يوجب بنص كتابه المقدس على أمة نبيه الأقدس مودة ذي قرباه ؟
( وأمير المؤمنين سيدهم ) ، ويجعل ولائهم أجر ذلك العب الفادح الرسالة الخاتمة العظمى ؟
ويخبر بلسان نبيه أمته بأن طاعة علي طاعته ومعصيته معصيته ؟ ( 2 )

ويكون مع ذلك كله هناك مجال للاجتهاد بأن

 

( 1 ) راجع تأريخي الخطيب 6 : 221 ، وابن عساكر ، وكفاية الكنجي : 108 ، والصواعق : 76 ، وتأريخ الخلفاء للسيوطي : 115 ، والفتوحات الإسلامية 2 : 342 ، ونور الأبصار : 81 ، وهناك مصادر كثيرة أخرى المؤلف .
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 121 و 128 ، والذهبي في تلخيصه وصححاه المؤلف
. ( * )

 
 

- ص 144 -

يقاتل ؟ أو يقتل ؟ أو ينفى من الأرض ؟ أو يسب على رؤوس الأشهاد ؟ أو يلعن على المنابر ؟ أو تعلن عليه الدعايات ؟ وهل يحكم شعورك الحر بأن الاجتهاد في كل ذلك كاجتهاد المفتين واختلافهم في تقل الساحر وأمثاله ؟


وابن حزم نفسه يقول في الفصل 3 : 258 : ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ ، فإن كان لم تقم عليه الحجة ولا تبين له الحق فهو معذور مأجور أجرا واحدا لطلبه الحق وقصده إليه ، مغفور له خطؤه إذ لم يتعمد ، لقول الله تعالى : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) ( 1 ) .

 وإن كان مصيبا فله أجران : أجر لإصابته ، وأجر آخر لطلبه إياه . وإن كان قد قامت الحجة عليه ، وتبين له الحق ، فعند عن الحق غير معارض له تعالى ولا لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) فهو فاسق لجرأته على الله تعالى بإصراره على الأمر الحرام .

فإن عد عن الحق معارضا لله ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) فهو كافر مرتد حلال الدم والمال ، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شئ كان من الشريعة وبين الخطأ في الفتيا في أي شئ كان . إنتهى .

فهل من الممكن إنكار حجية كتاب الله العزيز ؟ أو نفي ما تلوناه

 

( 1 ) الأحزاب : 5 . ( * )

 
 

- ص 145 -

منه ؟ أو احتمال خفاء هذه الحجج الدامغة كلها على أهل الخطأ من أولئك المجتهدين ؟ وعدم تبين الحق لهم ؟ وعدم قيام الحجة عليهم ؟ أو تسرب الاجتهاد والتأويل في تلك النصوص أيضا ؟ .

على أن هناك نصوص نبوية حول حربه وسلمه ، منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 149 عن زيد بن أرقم عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم .

وذكره الذهبي في تلخيصه ، وأخرجه الكنجي في الكفاية ص 189 من طريق الطبراني ، والخوارزمي في المناقب ص 90 ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 216 من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم .

وأخرجه الخطيب بإسناده عن زيد في تأريخه 7 : 137 بلفظ : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ، والحافظ بن عساكر في تأريخه 4 : 316 ، ورواه الكنجي في كفايته : 189 من طريق الترمذي ، وابن حجر في الصواعق ص 112 من طريق الترمذي وابن حبان والحاكم ، وابن الصباغ المالكي في فصوله ص 11 ، ومحب الدين في الرياض 2 : 189 ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 : 102 من طريق ابن أبي شيبة والترمذي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي في المختارة .

وأخرجه ابن كثير في تاريخه 8 : 36 باللفظ الأول عن أبي  

- ص 146 -

هريرة من طريق النسائي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، وابن ماجة من حديث وكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري .

وأخرج أحمد في مسنده 2 : 442 عن أبي هريرة بلفظ : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ، والحاكم في المستدرك 3 : 149 ، والخطيب في تأريخه 4 : 208 ، والكنجي في الكفاية ص 189 من طريق أحمد وقال : حديث حسن صحيح ، والمتقي في الكنز 6 : 216 ( 1 ) من طريق أحمد والطبراني والحاكم .

وأخرج محب الدين الطبري في الرياض 2 : 189 عن أبي بكر الصديق : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 129 عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو يقول : هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ثم مد بها صوته .

 

( 1 ) أنظر الطبعة المحققة من كنز العمال 12 : 96 / 34159  . ( * )

 
 

- ص 147 -

وأخرجه ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل ص 31 عن أبي ذر بلفظ : قائد البررة ، وقاتل الكفرة إلخ .

ورواه ابن حجر في الصواعق ص 75 عن الحاكم ، وأحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية 2 : 338 . إلى أحاديث كثيرة لو جمعت لتأتي مجلدات ضخمة ، على أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يبث الدعاية بين أصحابه حول تلك المقاتلة التي زعم ابن حجر فيها اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما ، وكان ( صلى الله عليه وآله ) يأمرهم ويأمر أميرهم ولي الله الطاهر بحربهم وقتالهم ، وبطبع الحال ما كان ذلك يخفى على أي أحد من أصحابه ، وإليك نماذج من تلك الدعاية النبوية ( 1 ) .

أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 139 والذهبي في تلخيصه عن أبي أيوب الأنصاري : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، ورواه الكنجي في كفايته ص 70 .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 140 عن أبي أيوب قال : سمعت رسول الله يقول لعلي : تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين .
 

 

( 1 ) لم نذكرها بجميع طرقها التي وقفنا عليها روما للاختصار المؤلف . ( * )

 
 

- ص 148 -

وأخرج الخطيب في تأريخه 8 : 340 و 13 : 187 وابن عساكر عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين ، وأخرجه الحمويني في فرائد السمطين في الباب الثالث والخمسين ( 1 ) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 392 .


وأخرج الحاكم وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 6 : 391 عن ابن مسعود قال : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأتى منزل أم سلمة فجاء علي فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أم سلمة ؟ هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي .


وأخرج الحمويني في فرائد السمطين في الباب الرابع والخمسين بطريقين عن سعد بن عبادة عن علي قال : أمرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين ( 2 ) .

وأخرج البيهقي في المحاسن والمساوئ 1 : 31 ، والخوارزمي في المناقب ص 52 و 58 عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأم سلمة : هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، يا أم سلمة هذا

 

( 1 ) فرائد السمطين 1 : 274 .

( 2 ) فرائد السمطين 1 : 285  . ( * )  
 

- ص 149 -

أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، ووعاء علمي ، ووصيي ، وبابي الذي أؤتى منه ، أخي في الدنيا والآخرة ، ومعي في المقام الأعلى ، علي يقتل القاسطين والناكثين والمارقين .

ورواه الحمويني في الفرائد في الباب السابع والعشرين والتاسع والعشرين بطرق ثلاث ، وفيه : وعيبة علمي مكان وعاء علمي ( 1 ) ، والكنجي في الكفاية ص 69 ، والمتقي في الكنز 6 : 154 من طريق الحافظ العقيلي ( 2 ) .

وأخرج شيخ الإسلام الحمويني في فرائده عن أبي أيوب قال : أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بقتال الناكثين والقاسطين . من طريق الحاكم ، ومن طريقه الآخر عن غياث بن ثعلبة عن أبي أيوب قال ( غياث ) : قاله أبو أيوب في خلافة عمر ابن الخطاب ( 3 ) .

وأخرج في الفرائد في الباب الثالث والخمسين عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، قلنا : يا رسول الله ؟ أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : مع علي بن أبي طالب ( 4 ) .

 

( 1 ) فرائد السمطين 1 : 145 .
( 2 ) أنظر الطبعة المحققة من كنز العمال 13 : 138 / 36434 .

( 3 ) فرائد السمطين 1 : 282 .
( 4 ) فرائد السمطين 1 : 281
. ( * )
 
 

- ص 150 -

وقال ابن عبد البر في الإستيعاب 3 : 53 ( هامش الإصابة ) : وروي من حديث علي ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي أيوب الأنصاري : إنه أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . فلعلك باخع بما ظهرت عليه من الحق الجلي غير أنك باحث عن القول الفصل في معاوية وعمرو بن العاصي ، فعليك بما في طيات كتب التأريخ من كلماتهما ، وسنوقفك على ما يبين الرشد من الغي في ترجمة عمرو بن العاصي وعند البحث عن معاوية في الجزء العاشر .


هذا مجمل القول في آراء ابن حزم وضلالاته وتحكماته ، فأنت - كما يقول هو : لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم - تجد الرأي العام في ضلاله قد صدر من أهله في محله ، وليس هناك مجال نسبة الحسد والحنق إلى من حكم بذلك من المالكيين أو غيرهم ، ممن عاصره أو تأخر عنه ، وكتابه الفصل أقوى دليل على حق القول وصواب الرأي .


قال ابن خلكان في تأريخه 1 : 370 : كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد أحد يسلم من لسانه : قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين . قاله لكثرة وقوعه في الأئمة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردوا قوله ، واجتمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا

 

- ص 151 -

سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامهم من الدنو إليه ، والأخذ عنه ، فأقصته الملوك ، وشردته عن بلاده ، حتى إنتهى إلى بادية لبلة ( 1 ) ، فتوفي بها في آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة ( 2 ) .


ولقد حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ؟

 

( 1 ) بفتح اللامين من بلاد الأندلس المؤلف .
( 2 ) أنظر وفيات الأعيان ، الطبعة المحققة 3 : 327 - 328
 . ( * )

 
 

- ص 152 -

الآن حصحص الحق الآن حق علينا أن نميط الستر عن خبيئة أسرارنا ، ونعرب عن غايتنا المتوخاة من هذا البحث الضافي حول الكتب .


الآن آن لنا أن ننوه بأن ضالتنا المنشودة هي إيقاظ شعور الأمة الإسلامية إلى جانب مهم فيه الصالح العام والوئام والسلام والوحدة الاجتماعية ، وحفظ ثغور الإسلام عن تهجم سيل الفساد الجارف
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب