مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري

 

 

كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور : عصام العماد - ص 137 -

المرحلة الثانية : (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري)
 

والأمر الثاني الذي يجب مراعاته والالتزام به حينما نريد طرح (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) على أخواننا الوهابيين، حتى لا يرفضوا مسألة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية وحتى لا يتعرضوا للانزلاق والخطأ، وحتى لا يرتكبوا جريمة التشويه في حقِّ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) من حيث لا يعلمون؛ هو أن نبين لهم ضرورة دراسة هذه المرحلة، بعد أن وضحّنا لهم المرحلة الأولى.


كما سنوضح لهم أنّ هدف (المرحلة الأولى) يتلخَّص في معالجتهم واستنقاذهم من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، وتحقق هذا ا لهدف عندما بيّنا لهم في المرحلة الأُولى الفرق بين الحقائق والخصائص المرتبطة والمتعلِّقة بالاثني عشرية، وبين الأوهام المرتبطة والمتعلِّقة بفرق الغلاة.


أما ا لهدف الرئيسي لهذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلية للاثني عشرية) فهو يتبلور في تحليل ودراسة الحقائق التي أثبتنا ـ في المرحلة الأُولى ـ ارتباطها وتعلقها بالاثني عشرية بالدليل والبرهان، ولا علاقة لنا بالأوهام التي ثبت لنا عدم انتسابها للاثني عشرية في المرحلة الأُولى ـ أيضاً ـ.
 

والحقائق التي سوف نقوم بتحليلها ودراستها هي الحقائق الموجودة في الكتب المعتبرة عند الاثني عشرية. وهذه الحقائق ليست شيئاً آخر سوى الثمرة الطبيعية لما تحتويه الكتب المعتبرة عند الاثني عشرية.
 

 - ص 138 -

وكلمة أُخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا الكتاب وهي: إنّنا قسّمنا الحقائق المستخرجة والمستلهمة من كتب الاثني عشرية إلى ثمان حقائق، وفي هذه المرحلة الثانية سوف نتناول (أربع حقائق) من حقائق الاثني عشرية، وسنتناول في المرحلة الثالثة (مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري) الحقائق الأربع المتبقية من حقائق الاثني عشرية الثمان.

 

والذي يقرأ هذه المرحلة دون أن يراجع المرحلة الأُولى من هذا الكتاب قد لا يدرك البيان الذي سنقدّمه حول الحقائق الأربع التي سنتناو لها في هذه المرحلة، وسنرى هذا بوضوح كلما تقدم بنا البحث.
 

وقد أطلقنا على هذه المرحلة بـ (المرحلة التحليلية للمذهب الاثني عشري)، لأننا سوف نقوم في هذه المرحلة بدراسة تحليلية لمحتويات ومضامين حقائق الاثني عشرية وخصائصها.
 

ولعله مما يُحتم الالتزام بهذا المنهج الذي وضعناه لغرض تصحيح منهج أتباع الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية، ولغرض التقريب بين الاثني عشرية والوهابية أن نُدرِكَ حقيقة هامة، وهي: إنّنا وجدنا أنّ الطابع العام فيما كتبه أتباع الجماعة

الوهابية حول الاثني عشرية لم يكن يستند على الدراسة التحليلية لمضامين ومحتويات الاثني عشرية، بل كان يستند على الدراسة التحليلية لمضامين ومحتويات مقالات فِرق الغلاة؛ التي ذكرها قدماء أهل السنَّة وذكرها قدماء الاثني عشرية في كتب المقالات والفرق، فتلقف تلك المقالات أتباع الجماعة الوهابية وحسبوها من حقائق الاثني عشرية وخصائصها.
 

والغريب أنّ بعض المتأخرين من أهل السنَّة اعتمدوا على تلك الدراسات الوهابية عن الاثني عشرية، وهم يعلمون أنّ أتباع الجماعة الوهابية اعتمدوا على تلك المقالات التي نسبها علماء أهل السنَّة، وعلماء الاثني عشرية في كتب الفرق للفرق المغالية والمنحرفة التي كفرها الاثنا عشرية.
 

 - ص 139 -

وقد لاحظت أنّ المحققين من أهل السنَّة أدركوا هذه الحقيقة ا لهامة، ومن ثَمّ رفضوا مقالات الجماعة الوهابية ضد الاثني عشرية، بعد أن علموا أنّ منبعها المقالات التي أثبتها أهل السنَّة والاثني عشرية عند ذكر فِرَق الغلاة، وأخذوا يدرسون الاثني عشرية من خلال تحليل مضامينها ومحتوياتها.

 

وهذا هو الذي يفسّر لنا سرّ الاختلاف بين فتوى (إحسان إ لهي ظهير) الذي حكم بتكفير الاثني عشرية، وفتوى إمام أهل السنَّة وشيخ الأزهر (محمود شلتوت) الذي حكم بأنّ الاثني عشرية مسلمون، فالإمام الأكبر اعتمد على الدراسة التحليلية لمضامين الاثني عشرية، فحكم بأنّ الاثني عشرية مسلمون، وإحسان إ لهي ظهير اعتمد على تلك المقالات، فحكم بكفر الاثني عشرية، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى لهذه المرحلة.
 

إنّ المنهج السليم يقتضي أنْ ندرس مضامين ومحتويات المذهب ـ أيّ مذهب ـ قبل الحكم عليه بالكفر.

وسبق أنْ أشرنا أنّ قصدنا في هذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري) إنّما هو عرض بعض الحقائق
الهامة عند الاثني عشرية، وأشرنا إلى أننا سنتناول أربع حقائق.
 

ولعله يتحتَّم أن ندرك هذه الحقائق الأربع ا لهامة بصورة مجملة، وسوف نتناول هذه الحقائق بصورة مفصّلة في القسم الثاني من هذا البحث(1).
 

 

* هامش *
(1) يراجع البحث التفصيلي لهذه الحقائق الأربع في كتابنا (حقائق الاثني عشرية وخصائصها بين أهل السنّة والجماعة الوهابية) والذي بينت فيه رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية، الفصل الأول والفصل الثاني من الباب الثاني من ذلك الكتاب.

 

 

 - ص 141 -

الحقيقة الأُولى : (حقيقة الألوهية والنبوة في المذهب الاثني عشري)
 

إنّ أوّل حقيقة من الحقائق التي طُرِحت في كتب الاثني عشرية هي: (حقيقة الألوهية والنبوة)، واحتلت هذه الحقيقة ا لهامة والأساسية أكبر مجال في الفكر الاثني عشري.
 

ويدرك كل من راجع كتب الاثني عشرية أنّ هذه الحقيقة هي موضوع الاثني عشرية وغايتها، فكتب العقيدة عند الاثني عشرية هي تعريف بالله وبالنبوة، تعريف لتوحيده في الألوهية، وتوحيده في الربوبية.. وتعني كل كتب الاثني عشرية بضرورة الفصل والتمييز بين خصائص الألوهية وخصائص العبودية، وضرورة تجريد العباد من خصائص الألوهية؛ فالله هو وحده المتفرد بالألوهية، وكل ما وراءه ـ سبحانه ـ فهو من خلق الله.
 

إنّ الاهتمام الشديد لدى الاثني عشرية بهذه الضرورة ـ أي ضرورة الفصل بين الله سبحانه وبين العباد المخلوقين ـ هو الذي جعل الاثني عشرية يقفون موقفاً عدائياً من الفرق المغالية.


وإذا راجع القارىء الكمية ا لهائلة من الكتب التي كتبها الاثنا عشريون في الرد على الغلاة، وقرأ محتويات هذه الردود، يجد أنّ هذه الردود كانت تأكّد على تكفير الغلاة؛ لأنّهم أهملوا ضرورة الفصل بين مقام الألوهية ومقام العبودية.


ومن أجل هذه الضرورة كفّر الاثنا عشرية الغلاة الذين يقولون بالحلول والاتحاد؛ إذ إنّ هذا القول يلزم منه عدم الفصل بين مقام الألوهية ومقام العبودية.
 

ومن أجل هذه الحقيقة الكبرى حارب الاثنا عشرية الغلو والغلاة، حتى أصبحوا في العصر الحديث شرذمة قليلة منبوذة ومطرودة من قبل كل الاثني عشريين.
 

 - ص 142 -

والقسم الآخر من هذه الحقيقة الأُولى هي قضية (النبوة) إذ إننا نعتقد ـ من خلال الدراسة الطويلة للمذهب الاثني عشري لفترة ثلاثة عشر سنة متواصلة(1) ـ أنّ منهج الاثني عشرية وطريقتهم في طرح قضية (النبوة) وعرضها يتفق تماماً مع منهج القرآن في عرض هذه القضية ا لهامة.


ونطلب من القارئ الكريم أن يرجع في معرفة هذه القضية وغيرها إلى كتب الاثني عشرية وحدها، ليجد فيها أنّها تعرض قضية النبوة من خلال الاعتماد على النصوص القرآنية.

 

ونحب أن يكون معروفاً لقارئ هذا الكتاب أنّ الاثني عشرية حاربوا الغلاة؛ لأنّهم لم يعتمدوا على القرآن في معرفة قضية النبوة، وخرجوا عن منهجه، وأنكروا حقيقة قرآنية مسلّمة وهي حقيقة (إنّ قضية النبوة خُتمت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم)، كما حاربوا الغلاة؛ لأنّهم أنكروا حقيقة قرآنية مسلّمة وهي حقيقة (أفضلية محمد على كلِّ البشر).

 

وملحوظ في كتب الاثني عشرية أنّها تقوم بتجلية حقيقة خاتمية النبوة بمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وتجد كل مَنْ كتب مِنْ الاثني عشرية حول نبوة النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يذكر أنّه آخر وخاتم الأنبياء، ويكفر من يزعم أنّ هناك نبيّاً بعده؛ فلا نبوة بعده، ولا رسالة جديدة بعد رسالته. وتلمس في مواضع كثيرة في الكتب التي كتبها الاثنا عشرية ضد الغلاة؛ ا لهجوم الشديد على الذين يزعمون أنّ النبوة لم تختم بمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

 

ونحبُّ في الأخير أنْ يكون معروفاً لقارئ هذا الكتاب أنّ هذه الحقيقة الأُولى عندما عرضت في كتب الاثني عشرية لم تعرض بصورة مستقلة عن القرآن والسنّة، بل إنّ القارئ لكتب الشيعة سوف يجد بصورة صريحة أنّ هذه الحقيقة مأخوذة بكاملها وتمامها من نصوصّ القرآن ومن السنّة الشريفة(2).
 

 

* هامش *
(1) منذ سنوات وأنا أحضر بحوث الخارج، وهي أعمق وأهم مرحلة في دراسة الاثني عشرية، ولم أشرْع في دراسة بحوث الخارج إلا بعد أن أكملتْ دراسة مرحلة المقدمات ومرحلة السطوح.
(2) سنتناول هذه الحقيقة الكبرى وا لهامة في الفصل الثاني من الباب الثاني من كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

 

 

 - ص 143 -

الحقيقة الثانية : (حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري)

ولعله مما يميز هذا المنهج الذي رسمناه هو أنّه التزم بالترتيب العلمي والمنطقي بين الحقائق الثمان التي يتكوّن منها هرم الاثني عشرية، بحيث إنّه إذا أدركت الحقيقة الأُولى فسوف تدرك بقية الحقائق. فهذه الحقائق تسير على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مترتبة بشكل هرمي، وكل حقيقة تسوقنا إلى الحقيقة التي بعدها؛ فمن السذاجة والعبث محاولة الإصابة في إدراك الحقيقة التالية إذا لم تحالفنا الإصابة في إدراك الحقيقة السابقة.

 

وإذا كانتْ الحقيقة الأُولى تتحدّث عن العقيدة، وكان الطابع العام لها هو الحديث عن الجنبة الفكرية، فإنّ الحقيقة الثانية تتحدّث عن جانب عملي.. الحقيقة الأُولى تتحدّث عن ممارسات العقل، وهذه الحقيقة تتحدث عن ممارسات الجسد. وهذا هو الفرق بين الحقيقتين. ولا يمكن التفكيك بين الحقيقتين، فالإيمان بالحقيقة الأُولى يقتضي العمل بالحقيقة الثانية.

 

ومن ثَمّ فالحديث عن هذه الحقيقة في كتب الاثني عشرية لا ينفصل عن الحديث عن الحقيقة الأُولى؛ لأنّ هذه الحقيقة هي من مقتضيات الحقيقة الأُولى (حقيقة الألوهية والنبوة)، وتنبثق منها انبثاقاً ذاتياً؛ فإذا كانت الحقيقة الأولى في كتب الاثني عشرية تقرر أنّه لا إله إلاّ الله، ولا معبود إلاّ الله، ولا خالق إلاّ الله،
 

 - ص 144 -

ولا نافع ولا ضار إلاّ الله، ولا مدبر إلاّ الله، ولا مشرِّع إلاّ الله، فإنّ هذه الحقيقة الثانية تقول: ((ما دام أنّه قد تقرر وثبت في الحقيقة الأُولى أنّه لا مشرِّع إلاّ الله؛ فيجب إذن أن لا تستمد الشرائع والأحكام إلاّ من القرآن الكريم والسنّة الشريفة)).

 

ومن ثَمّ فحين يراجع الإنسان كتب الشرائع والأحكام الفقهية في كتب الاثني عشرية، سيجد أنّها مستخرجة ومنبثقة ومستنبطة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، وأنّ منهج كتب الاثني عشرية في عرض الشرائع والأحكام لا يخالف منهج القرآن والسنّة في عرض الشرائع والأحكام، ومن ثَمّ رتبوا الشرائع والأحكام بنفس الصورة التي عرضها القرآن، وتعاملوا بصورة مباشرة مع النصوص القرآنية.

 

وطريقتهم ـ في كتبهم الفقهية ـ أنْ يشرعوا بالبحث عن أحكام الصلاة، ثُمّ أحكام الصيام، ثم أحكام الزكاة والخمس، ثم أحكام الحج.

وحين رأى الاثنا عشرية أنّ الغلاة انحرفوا في تأويل الشرائع والأحكام عن منهج القرآن والسنّة، وحرّفوا معانيها إلى معانٍ باطنية غريبة عن معانيها الشرعية واللغوية مما يقتضي تعطيلها؛ كفرّوهم وتبرّأوا منهم.

 

ويندرُ أن تجد كتاباً من كتب الاثني عشرية في أُصول الفقه لا يهاجم تأويلات الباطنية الغلاة ـ لعنهم الله ـ، كما أنّ كتب الاثني عشرية أجمعت على أنّ غرض الغلاة من التأويلات الباطنية للنصوص القرآنية هو استباحة الشرائع والأحكام المحرمة، ومن ثَمّ كفّرت كتب الاثني عشرية الذين استباحوا ترك الشرائع والأحكام، بحجة أنّ ولاية الأئمة تغني عن الالتزام بالشرائع والأحكام.

 

وفي هذه الحقيقة سوف نستعرض ـ أيضاً ـ بعض الأحكام المعروضة في كتب الاثني عشرية التي يستنكرها الذين لم يراجعوا الأدلة القرآنية والحديثية التي تثبتها(1)، وسوف نستعرض مشكلة الذين يخلطون بين موقف الاثني عشرية من الشرائع والأحكام وموقف الغلاة منها.
 

 

* هامش *
(1) مثل: حكم المتعة، وحكم السجود على التربة، وحكم مسح القدمين في الوضوء. (يراجع حول هذه القضايا الفصل الأول من الباب الثاني عند الحديث عن هذه الحقيقة؛ حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري). وسوف نتناول هذه الحقيقة بصورة مفصّلة في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

 

 

 - ص 145 -

الحقيقة الثالثة : (حقيقة أهداف المذهب الاثني عشري)
 

إنّه لا يمكن معرفة نوع أهداف مذهب من المذاهب ـ أي مذهب ـ ومعرفة طبيعته إلاّ عند معرفة نوع اعتقادات ذلك المذهب (الحقيقة الأولى)، ومعرفة شرائع وأحكام ذلك المذهب (الحقيقة الثانية).

 

ومن أخطاء منهج الجماعة الوهابية في دراسة الاثني عشرية أنّهم يبحثون عن أهداف الاثني عشرية قبل البحث عن مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، وقبل البحث عن الحقيقتين السابقتين للاثني عشرية، ومن ثَمّ نراهم ينزلقون في مشكلة

الخلط بين (أهداف الاثني عشرية وأهداف فرق الغلاة)، مع أنّ أهداف الاثني عشرية لا بد أن تنبثق من خلال موقفها من الحقيقتين الأساسيتين السابقتين، فإنّه لا يمكن أن نفصل بين أهداف الإنسان ومعتقداته؛ لأنه حينما تنفصل أهدافه عن معتقداته

يعيش في فترة صدام ونزاع داخلي مع نفسه، نزاع بين المعتقد وا لهدف، وسوف يخلق هذا النزاع في حياته انفصاماً في شخصيته.

 

وقد لاحظنا ـ أيضاً ـ أنّ خطأ أتباع الجماعة الوهابية، في إدراك الحقيقتين الأساسيتين السابقتين عند الاثني عشرية قد قادهم بالضرورة الفكرية إلى الخطأ في إدراك (حقيقة أهداف الاثني عشرية)، بل إنّ خطأهم في فهم الحقيقة الأُولى عند الاثني عشرية قد قادهم إلى الخطأ في فهم كل الحقائق التي بعدها(1).
 

 

* هامش *
(1) انظر الدراسة الموسعة حول هذه الحقيقة في الفصل الثاني من الباب الثاني في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).

 

 

 - ص 147 -

والحقيقة الرابعة : (حقيقة معنى بعض المصطلحات في المذهب الاثني عشري).
 

إنّ الذي جعلني أهتّم بهذه الحقيقة هو: أنني رأيت أن منهج أتباع الجماعة الوهابية قد عرّف بعض المصطلحات المطروحة بكثرة عند الاثني عشرية تعريفاً مختلفاً اختلافاً عميقاً عن تعريف بعض المحققين من أهل السنَّة لهذه المصطلحات، ومن ثَمّ فلن أدرس في هذه الحقيقة إلاّ المصطلحات التي اختلف حول تعريفها أتباع الوهابية مع المحققين من أهل السنَّة ومع علماء الاثني عشرية، مثل مصطلح: البداء، والتقية، والعصمة، والمصحف.

 

وكما ذكرت في مقدمة هذا الكتاب بأنّ أهم شرط من شروط نجاح حوار الاثني عشرية مع الوهابية هو تعريف وتبيين وتوضيح المصطلحات المتداولة بين الاثني عشرية والوهابيين؛ ليتم التقريب بين المتحاورين ـ وكلهم مسلمون ـ، لأننا وجدنا تلك المصطلحات تتفق من حيث اللفظ والغلاف الخارجي، مع وجود الاختلاف العميق بين تعريف الاثني عشرية لهذه المصطلحات وبين تعريف الوهابية لها.

 

وما لم يفهم كل واحدٍٍ منّا مراد الآخر، ومراد علمائنا الاثني عشريين أو الوهابيين من تلك المصطلحات، فلن تتحقق فكرة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، وبالتالي سوف نفرِّط ونقصِّر في حق الوحدة الإسلامية المقدّسة.
 

 - ص 148 -

وكاتب هذا الكتاب اهتم في كتاباته ومحاضراته بفكرة التقريب بين الاثني عشرية وبين الوهابية، وهذه الحقيقة الرابعة سوف تخفف من مشكلة الصراع بين الاثني عشرية والوهابية.

 

ولا شك أنّنا إذا أدركنا الحقائق الثلاث السابقة للاثني عشرية، فسوف يكون لدينا اليقين بأنّه لا يمكن أن يكون هنالك مصطلح عند الاثني عشرية يتنافى مضمونه ومحتواه مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية(1).

 

وبعد؛ فهذه الحقائق الأربع أشرنا إليها إشارة مختصرة في هذا العرض السريع لمنهج تفهيم الوهابية للمذهب الاثني عشري، وسنقوم بدراستها في مرحلة المعرفة التحليلية.

 

وقبل أنْ نختم هذا العرض نذكر تنبيهاً ضرورياً في نهاية هذه المرحلة وهو:

لقد كان من ضروريات هذا المنهج أنْ ندرس الحقيقة السادسة (حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري) في هذه المرحلة (مرحلة المعرفة التحليلة للمذهب الاثني عشري)، وأن تُدرس في المرتبة الثانية بعد الحقيقة الأُولى، لكننا نعلم أنّ الوهابية لا

يمكن أنْ تستوعب حقيقة الإمامة عند الاثني عشرية إلاّ في مرتبة متأخرة، ومن هنا آثرنا أن نذكر (الإمامة عند الاثني عشرية) في المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل دراسة الاثني عشرية.

 

كما أننا لا نشك أنّ (خاصّية الغيبة)(2) كان يجب أنْ تدرس في هذه الحقيقة (حقيقة الإمامة)؛ لارتباطها الوثيق بهذه الحقيقة، بل لانبثاقها منها، لكننا آثرنا تأخير البحث عنها؛ لأنّ الإيمان (بالغيبة) يحتاج إلى مقدمات لا بد من ذكرها قبل الحديث عن (الغيبة).

والآن حان الوقت للاستعراض السريع للمرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل دراسة الاثني عشرية.
 

 

* هامش *
(1) انظر دراستنا عن هذه الحقيقة في الفصل الثاني من الباب الثاني في كتاب (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية).
(2) نحن لا نشك أن (خاصّية الغيبة) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرحلة المعرفة التحليلية للاثني عشرية.

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب