مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري

 

 

كتاب المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين للدكتور : عصام العماد - ص 27 -

المرحلة الأولى
مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري .
 

( ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ ) (1) .

إنّ أول ما يجب مراعاته والالتزام به لمن يريد أن يكتب عن المذهب الاثني عشري من غير أتباع هذا المذهب ـ حتى يتجنب جريمة التشويه لحقائق وخصائص هذا المذهب ـ هو أن يبدأ قبل الكتابة عن الاثني عشرية بملاحظة هذه المرحلة ،

ففي هذه المرحلة ا لهامة والضرورية سوف ندرك أنّه يوجد جفوة أصيلة ومفارقة عميقة بين ( حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه ) وبين ( مشخصات الغلو ) ، بين الحقائق والخصائص الإسلامية العظيمة عند الاثني عشرية وتلك الصفات


الهجينة والمبتذلة للفرق المغالية المنحرفة، بين العقيدة الإ لهية الإسلامية عند الاثني عشرية وتلك الأساطير البشرية المجوسية


في هذه المرحلة الأولى الهامة سوف نتعرّف على النتائج الخطيرة التي نشأت من مشكلة الخلط بين ( الفكر الإسلامي الاثني عشري ) و ( الفكر المغالي ) ، وكان لهذا الخلط الأثر الكبير على اتباع الوهابية ؛ حيث نسبوا للاثني عشرية أموراً غريبةً غرابةً تامةً عنها وعن حقائقها وخصائصها.
 

 

* هامش *
(1) سورة البقرة: من الآية 42.

 

 

 - ص 28 -

ولعله مما يحتم الالتزام بهذا المنهج السليم ـ الذي طرحناه في هذا الكتاب ـ وجود هذه المرحلة ا لهامة التي لا بد لنا من إدراكها . وعدم إدراك أتباع الوهابية لهذه المرحلة هو الذي جعلهم ينسبون كل ما سمعوه من مخلفات المجوسية واليهودية

والنصرانية إلى المذهب الاثني عشري، وكان لعدم ادراكهم لهذه المرحلة الأثر في أن يَعرِضوا حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه عرضاً مشوهاً مضطرباً.

 

وإنّني على يقين بأنّ ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) لن تدرك كما هي في صفائها ونقائها إلاّ عند الالتفات إلى هذه المرحلة الأُولى الهامة والأساسية .
 

ونحن في هذا الكتاب أطلقنا عليها ( مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري ) ؛ لأنّه لا بد لنا قبل أنْ نشرع في دراسة ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) أن نميّز بين ما هو من صميم الاثني عشرية ، وما هو من صميم الغلو ؛ فعدم

التمييز بينهما جعل أتباع الوهابية ينسبون للاثني عشرية الاساطير والخرافات المتعلّقة بالفرق المغالية المنحرفة.


وفي هذه المرحلة سوف نفصل الأُمور التي نُسبت إلى الاثني عشرية، وهي في حقيقة الأمر من نصيب فرق الغلاة، ومن ثَمّ فهي ( مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية ). ولمّا كانت ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) مستمدّة من القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة؛ فلا بد أن تتباين وتنفصل عن المقالات الإلحادية والوثنية المستمدّة من المجوسية واليهودية والمسيحية.

 

وإنَّه لن يتم تصحيح دراسات الوهابية عن حقائق الاثني عشرية وخصائصها إلاّ في اليوم الذي يتحررون من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة.

وفي هذه المرحلة قمنا في البداية بتوضيح وتبيين ( مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند أتباع الوهابية ) ، وبعد أن انتهينا من تبيينها وتوضيحها
 

 - ص 29 -

قمنا بدراسة علمية للأسباب والعوامل التي كانت وراء ايجاد هذه المشكلة عند اتباع الوهابية .

ولا بد هنا أن ننبّه إلى أنّ قدماء أهل السنّة قد تحرروا من هذه المشكلة، كما تحرر منها ـ أيضاً ـ المتأخرون والمعاصرون من أهل السنّة، ومن ثَمّ نجدهم دافعوا عن المذهب الاثني عشري وهاجموا الذين ما زالوا يخلطون بينه وبين فِرَق الغلاة (1).
 

وقبل استكمال الحديث عن هذه المرحلة لا بد من التحدّث عن حقيقة حتمية في هذا المنهج الذي رسمناه وهي :

إنّ هذا المنهج ينقسم إلى ثلاث مراحل ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ، ولقد سارت هذه المراحل الثلاث بطريقة خاصة وترتيب معين ؛ لا بد من الالتزام بتلك الطريقة وهذا الترتيب دون أدنى تغيير أو تحوير .
 

وأنا على يقين وجزم بأنّ عدم الالتزام بذلك سوف يفقد هذا المنهج مقوّماته الاساسية وهدفه ا لهام، وهو تصحيح دراسات الوهابية عن المذهب الاثني عشري، وتبيين الفرق بين منهج أهل السنّة وبين منهج الوهابية في دراسة هذا المذهب .
 

ونحن على يقين بأنّه لن تخلص كتابات أتباع الوهابية عن المذهب الاثني عشري من التشويه والانحراف والمسخ إلاّ حين تلتزم بهذا المنهج.
 

وحين نلقي صورة مجملة لأسباب نجاح قدماء أهل السنّة ومتأخريهم ومعاصريهم بالقياس إلى الوهابية، في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها؛ سوف يتبين لنا أنّ العامل الأوّل في نجاحهم هو أنّهم لم يقعوا في مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة.
 

 

* هامش *
(1) سوف نذكر أقوال علماء أهل السنّة في خطورة مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وبين فرق الغلاة عند الوهابية في هذه المرحلة.

 

 

 - ص 30 -

إنّ هذه المرحلة ـ أي مرحلة المعرفة الانتسابية كما قلنا ـ هي مرحلة هامة وضرورية ؛ لأنّه من خلال تصحيح خطأ الوهابية في هذه المرحلة سوف يتم تصحيح أخطاء أتباع الوهابية في تفسير حقائق الاثني وخصائصها ( وهما المرحلتان

الأولى والثانية ) ، وبالتالي تكون دراساتهم قائمة على منهج واقعي ونظام علمي، ولأنّ أهل السنّة المعاصرين صاروا على منهج قدمائهم فهم يدركون خطورة الخطأ في معرفة هذه المرحلة، ومن هنا فسّروا حقائق الاثني عشرية وخصائصها بصورة

مباينة لتفسير الوهابية، وأعلنوا رفضهم لتفسير أتباع الوهابية لتلك الحقائق وهذه الخصائص، وقرروا موازين علمية يجب أن يرجع إليها أتباع الوهابية قبل الشروع بتفسير ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) ، ومن ثَمَّ لم يكن بدٌ من دراسة هذه

المرحلة ا لهامة كي لا يتأثر أحدٌ من عوامِّ أهل السنّة بمنهج الوهابية.

 

ولا يمكن لأتباع الوهابية أن يدركوا ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) إلاّ عند التأمّل الكامل في خطورة الخطأ في هذه المرحلة .
 

ومن ثَمَّ فنحن لا نبغي من القارئ الكريم مجرد القراءة السطحية الساذجة لهذه المرحلة ، القراءة التي لا تغوص في المعاني والافكار؛ إنّما نحن نبتغي من القارئ القراءة المتأمّلة العميقة التي تدرك ا لهدف من كتابة هذه المرحلة.. نبتغي استجاشة

ضمير أتباع الوهابية لقراءة هذه المرحلة ؛ لأنّه تولّد من الخطأ في هذه المرحلة كل الاخطاء التي ارتكبوها في تفسير ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) . نبتغي من كتابة هذه المرحلة ا لهامة أن يعود أتباع الوهابية إلى المنهج السليم والصحيح

في دراسة ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) الذي نهجه قدماء أهل السنّة ومتأخريهم. وهذا المنهج الصحيح هو الذي يريده الله وتفرضه الأمانة الدينية .
 

 - ص 31 -

ولا يخفى على القارئ أنّني في كتابي ( الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ) والذي خلطت فيه بين الاثني عشرية وفِرق الغلاة، وبالتالي كفرّت الاثني عشرية؛ إنّما كان نتيجة حتمية لعدم إدراكي لهذه المرحلة ، لأنني اعتمدت على كتابات الوهابية

لا على كتابات أهل السنّة . ومن ثَمَّ فنحن سوف نجعل هذه المرحلة في رأس هرم المذهب الاثني عشري الذي سنرسمه في هذا الكتاب.

 

لقد كنت ـ قبل أن أصحو من غفلتي عن هذه المرحلة ا لهامة والخطيرة ـ أنسبُ للمذهب الاثني عشري التصورات المجوسية والوثنية ، وأنسب إليه الأساطير الجاهلية، وأنسب إليه الشطحات الصوفية ، وأنسب إليه كل أفكار فِرَق الغلاة وما

فيها من لوثةٍ وثنية.. وجمعت كل ذلك في كتابي ( الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ) ؛ كما بيّنت ذلك بصورة مفصلة في كتابي ( رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية ) .
 

لقد نسبت في كتابي ( الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ) (1) كل الأفكار الوثنية المغالية إلى المذهب الاثني عشري ، وكنت أحسب أنني مُصيبٌ في كتابته. وبعد أن أدركت هذه المرحلة اكتشفت خطئي، وعلمت أنّ الخطأ في فهم مرحلة

المعرفة الانتسابية للاثني عشرية يساوي الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة . وبعد أن تمّ تصحيح خطئي في فهم هذه المرحلة (مرحلة المعرفة الانتسابية) أصبحت أميز بين ما نُسب للاثني عشرية ـ وهو ليس منها ـ وبين ما نفي عنها ـ وهو منها ـ، وعندئذٍ أحرقت ذلك الكتاب قبل طباعته بفترة قصيرة .
 

 

* هامش *
(1) إن أكبر مشكلة كنتُ أعاني منها حينما كنت وهابياً؛ أنني كنتُ أحسب أنّ كل أنواع الغلو والشرك الموجودة عند غلاة الصوفية توجد بشكل أكبر عند الاثني عشرية، لكنني بعد دراسة طويلة للاثني عشرية وقراءة العشرات من كتبهم التي تتبرأ من الشرك والغلو عند غلاة

الصوفية؛ تبين لي الفرق الجوهري بين الاثني عشرية وبين بعض الطرق الصوفية المغالية والجدير بالذكر هنا أنني تناولت موقف الاثني عشرية من الشرك والغلو عند غلاة الصوفية في كتابي (موقف الاثني عشرية من الغلو والغلاة).

 

 

 - ص 32 -

في ذلك العهد ـ قبل تصحيح فهم هذه المرحلة عندي ـ كنت أحسب أنّ هذه الصفات ـ مثل صفة المجوسية واليهودية والغنّوصية ـ يمكن لنا أن نطلقها على الاثني عشرية ، وبعد أن أدركت خطئي في فهم هذه المرحلة استيقنت أنّ تلك الصفات

إنّما تنطبق على الفرق المغالية المنحرفة؛ كما كان لإدراك خطئي في فهم هذه المرحلة ارتباطاً وثيقاً بتركي لمنهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية، واقتناعي ـ لا بصورة كلية وكاملة ـ بمنهج قدماء أهل السنّة ومتأخريهم السائرين على نهجهم.

وكان لتصحيح خطئي في ادراك هذه المرحلة أثرٌ حاسمٌ في تصحيح وتقويم نظرتي عن الاثني عشرية، وكان له أثرٌ حاسمٌ في استنقاذي من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفِرَق الغلاة؛ التي جعلتني أنسب للمذهب الاثني عشري ما هو من نصيب الغلو والغلاة .

 

ولا شك أنّ للبيئة الفكرية التي نشأت فيها صلةً كبيرة في تكوّن هذه المشكلة عندي؛ فقد درست في المعاهد الدينية الوهابية في مدينة صنعاء (عاصمة اليمن) التي كانت تنشر كتباً حول الاثني عشرية، ألفها أُناسٌ لا يدركون خطورة الخطأ في مرحلة

المعرفة الانتسابية للاثني عشرية ، ومن ثَمَّ فهم يخلطون بينها وبين فِرَق الغلاة، وينسبون الخرافات والتصورات الوثنية المغالية إليها. واثرّت عليّ تلك الكتب تأثيراً قوياً . وكانت تلك المعاهد تكتفي بتلك الكتب التي كتبت حسب منهج الوهابية،

وهو منهج يخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة. ولم تكن تلك المعاهد الوهابية تسمح بنشر الكتب التي كتبها علماء أهل السنّة عن المذهب الاثني عشري؛ التي تعتمد على منهج يخالف منهج الوهابية، ويرى هذا المنهج أنّهم يخلطون بين الاثني عشرية

والغلاة وينسبون انحرافات الغلاة إلى الاثني عشرية.
 

وبعد مرور فترة زمنية تهيأت لي الفرصة لقراءة بعض الكتب التي كتبت حول المذهب الاثني عشرية والتي كتبها كبار أهل السنَّة، وكانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي؛ لأنني وجدتها تختلف عن منهج الوهابية اختلافاً جوهرياً، وتدرك
 

 - ص 33 -

خطورة الخطأ في المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري، وتنتقد منهج الوهابية في دراسة المذهب الاثني عشري، وتعتبر أنّه لا يوجد عند الوهابية أدنى تمييز بين الاثني عشرية والغلاة ، وترى أنّ القارئ في كل ما كتبه أتباع الوهابية عن الاثني

عشرية لا يخرج إلى نتيجة معينة تعرّفه على حقائق هذا المذهب وخصائصه ، وفي هذا يقول الكاتب السنّي المعاصر الأُستاذ حامد حنفي(1) :


( بعد أن قضيت ردحاً طويلاً من الزمن أدرس فيها عقائد الأئمة الاثني عشر بخاصة وعقائد الشيعة بعامة؛ فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها... بشيء ذي بال) (2).
 

ويرى كبار أهل السنة أنّ الوهابيين لا يدركون خطورة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. ومن ثَمَّ كان من الطبيعي أنّهم لا يفصلون بين الاثني عشرية والغلاة، وفي هذا يقول المفكّر الإسلامي السنِّي المصري أنور الجندي ـ رحمه الله ـ في كتابه القيم ( الإسلام وحركة التاريخ ) :


( ومن الحق أنّ يكون الباحثُ يقظاً في التفرقة بين الشيعة [يعني : الاثني عشرية] والغلاة، هؤلاء الذين هاجمهم أئمة الشيعة أنفسهم وحذروا مما يدسونه ) (3).
 

والعلامة المفكر الإسلامي المصري علي عبد الواحد وافي ـ رحمه الله ـ (4) عالج هذه المشكلة في كتابه القيّم ( بين الشيعة وأهل السنَّة ) ومما قاله :

 

* هامش *
(1) رئيس قسم الأدب العربي في جامعة عين شمس.
(2) في سبيل الوحدة الإسلامية للعلامة مرتضى الرضوي: ص 45. مطبوعات مكتبة النجاح بالقاهرة، ط / 2 سنة 1979. وراجع تمام عبارته في ( ص 24 ـ  26) من هذا البحث.
(3) عبارة مقتطفة من : ص 421.

(4) قال أحد قادة المنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية وهو ( إحسان الهي ظهير ) في ترجمة العلامة ( علي عبد الواحد وافي ) : ( إنّه علمٌ من أعلام مصر ) ، ثم يقول : ( لقد سمعتُ الكثير من علم الدكتور علي عبد الواحد وافي ، وحدّثني عنه العديد من الأصدقاء حتى دفعني

الشوق إلى لقائه ، وإذا أنا أطرق باب مصر وأدخلها طالباً للعلم ) . انظر كتاب إحسان الهي ظهير ( بين الشيعة وأهل السنة ص 6 ) . ولكن إحسان الهي ظهير بعد أن وصف العلامة السنّي علي عبد الواحد وافي بأوصاف عظيمة قال: ( إنّه انخدع بالمذهب الاثني عشري )!

ونحن نقول : هل من المعقول أن ينخدع بالمذهب الاثني عشري كبار علماء أهل السنَّة في العصور القديمة والمتأخرة والحديثة ؟!
ولماذا لم ينخدعوا بالفرق المغالية الأخرى من غير الاثني عشرية ، على فرض أنّ الاثني عشرية من فرق الغلاة كما تحسب الوهابية ؟!! وليست القضية محصورة بالعلامة الدكتور علي عبد الواحد وافي .

 

 

 - ص 34 -

( إن كثيراً من مؤلفينا قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة ) (1) .

وقد بذل إمام أهل السنّة في العصر الحديث (الشيخ محمد الغزالي) ـ رحمه الله ـ جهوداً عظيمة مثمرة في تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية ؛ كما بذل جهوداً جبارة في مقاومة المقلِّدين لمنهج الوهابية من أهل السنّة المعاصرين،

وبذل جهوداً كبيرة في معالجة المصابين بمشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة، أو بتعبيرٍ أدق: في معالجة المصابين بمشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، وفي هذا يقول :
 

( ومن هؤلاء الأفاكين [ الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة ] من روّج أنّ الشيعة أتباع عليّ ، وأن السنيين أتباع محمدٍ، وأن الشيعة يرون علياً أحق بالرسالة، أو أنّها أخطأته إلى غيره. وهذا لغوٌ قبيح وتزوير شائن ) (2). وهو لا ينطبق إلاّ على الفرق المغالية المنقرضة.
 

وقد توسع الإمام الغزالي ـ إمام أهل السنة في العصر الحديث ـ في كتابه القيّم ( ليس من الإسلام ) في نقد منهج المتأخرين من أهل السنّة، المقلدين

 

* هامش *
(1) انظر كتابه: ص 11.
(2) رسالة التقريب: ص 250، العدد 3، السنة الأُولى، شهر شعبان 1414 هـ.

 

 

 - ص 35 -

للوهابية في دراسة الاثني عشرية، ونقد الذين ما زالوا لا يفرّقون بين الاثني عشرية والغلاة، وفي هذا يقول ـ رحمه الله ـ:

 

( نسب [(1) بعض الذين يخلطون بين الاثني عشرية وفرق الغلاة] إلى الإمامية ـ افتراء وتنكيلاً ـ نقصان آيات من القرآن ) (2).

ويرى بعض مفكري أهل السنَّة أنّ منهج الوهابية يعتبر منهجاً متطرفاً في دراسة الاثني عشرية، ومنهجاً مُخلِّطاً بين الاثني عشرية والغلاة، ومنهجاً منحرفاً في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. وقد تبنى هذا الرأي المفكر الإسلامي السنّي المصري ( محمد البهي ) (3) ـ رحمه الله ـ وقال في صدد نقده منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية :
 

( وسَّعت [الوهابية] شقة الخلاف بين السنّة والشيعة، وأصبحت الفجوة كبيرة في النزاع المذهبي بين السنّة والشيعة منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بل أصبحت أشدّ من ذي قبل. وكان لزيادة الفجوة على هذا النحو أثرٌ سلبيٌ للدعوة الوهابية ) (4).
 

ويقول العلامة السنّي ( عبد الحليم الجندي ) ـ حفظه الله ـ عن الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة أنّهم :

( ... نسبوا عمل الغلاة إلى الشيعة... فأحدثوا بذلك أثراً كاذباً في فهم الآخرين بدعاوى هم [أي الاثني عشرية] منها براء، مثل : إنّ الإمام هو الله ظهوراً واتحاداً وهو غلو يبلغ الكفر ) (5) .
 

 

* هامش *
(1) التزمت حتى يتم التمييز بين ما أنقله من المصادر وبين تعليقي أن اضع تعليقاتي بين معقوفتين [].
(2) عبارة مقتطفة: من ص 48.

(3) كان من كبار علماء أهل السنَّة في العصر الحديث، ويعد من الذين جمعوا بين الدراسة الأزهرية القديمة والدراسة الحديثة في الجامعات الاوربية، وتميز بسعة ثقافته وقوة منطقه. وهو من الشخصيات التي اعتمد عليها في كتبه الشهيد سيد قطب، واعتمد عليها ـ أيضاً ـ الشيخ محمد الغزالي في بعض كتبه، وقد كان وزيراً للأوقاف المصرية.

(4) في كتابه القيم (الفكر الإسلامي في تطوره)، الفصل الرابع والأخير: ص 140.
(5) الإمام جعفر الصادق، عبد الحليم الجندي: ص 235، ا لهامش رقم 1.

 

 

 - ص 36 -

وفي الحقيقة أنّ الذي لا يدرك مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية سوف ينسب للاثني عشرية ما ليس له صلة بها، وسوف يكون مثل الذين وصفهم الدكتور طه حسين ـ رحمه الله ـ (1) في كتابه ( علي وبنوه ) بقوله :


( إنّ خصوم الشيعة نسبوا إليهم ما يعلمون وما لا يعلمون... لا يكتفي خصوم الشيعة من الشيعة بما يسمعون عنهم أو بما يرون من سيرتهم وإنّما يضيفون إليهم أكثر مما قالوا وأكثر مما سمعوا، ثُمّ لا يكتفون بذلك ... بل يحملون ذلك كلّه على

أصحاب أهل البيت ... وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد، يحصون عليهم كل ما يقولون ويفعلون، ويضيفون إليهم أكثر مما قالوا ومما فعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال والأفعال... ثم يتقدم الزمان فيزداد الأمر تعقيداً وإشكالاً، ثم تختلط الأُمور بعد أن يبعد عهد الناس بالأحاديث... ) (2).
 

وقد ذكرنا ـ سابقاً ـ أنّ من كبار علماء أهل السنّة الذين أدركوا خطورة مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة؛ العلامة الدكتور علي عبد الواحد وافي (3) ، الذي عالج هذه المشكلة في كتابه ( بين الشيعة وأهل السنّة ) ، وقال في الرد على الوهابية الذين يخلقون ضجة مفتعلة بين السنّة والاثني عشرية :
 

( ... الخلاف بيننا وبينهم ـ أي بين السنّة والاثني عشرية ـ مهما بدا في ظاهره كبيراً لا يخرج في أهمِّ أوضاعه عندنا وعندهم من حيز الاجتهاد المسموح به ) (4) .

ومن كبار مفكري أهل السنّة الذين أدركوا أنّ الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة عند أتباع الفرقة الوهابية يعدّ هو السبب في إصرارهم على

 

* هامش *
(1) أعلن الدكتور طه حسين توبته عمّا كتبه في الطعن الذي وجهه للقرآن الكريم في كتابه ( الشعر الجاهلي ) أو في كتابه ( الأيام ) ، كان ثمرة هذه التوبة كتابه القيم ( مرآة الإسلام ). ونحن نرفض الذين ما زالوا يحاكمونه إلى كتبه التي تراجع عنها، يجب أن يحاكم بما انتهى إليه لا بما بدأ به.
(2) عبارة مقتطفة من: ص 35.
(3) انظر: ص 33 ـ 34 من هذا الكتاب.
(4) كتاب ( بين الشيعة وأهل السنّة ) للعلامة الدكتور عبد الواحد وافي: ص 4.

 

 

 - ص 37 -

تكفير الاثني عشرية؛ المفكر الإسلامي السني (فهمي هويدي) ـ حفظه الله ـ حيث يقول:

( تعتبر قضية تكفير الشيعة [ يعني الاثني عشرية ] إحدى الأطروحات الرئيسية في الفكر الوهابي ) (1) .

كل هذه الأقوال التي نقلناها عن كبار أهل السنّة تعتَبرُ أنّ منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية قد قادهم إلى الخلط والتخليط بين الاثني عشرية والغلاة، ومن ثَمّ وقعوا في انحراف كبير في مرحلة المعرفة الانتسابية لهذا المذهب .
 

ويرى بعض علماء أهل السنّة أنّ التصور الذي يحمله أتباع الوهابية عن الاثني عشرية مناقض أو مصادم لحقيقتها ولخصائصها ، ومُسَاوٍ ومتحدّ مع حقيقة الغلو؛ كما نلمس ذلك في كتابات المفكر الإسلامي السنِّي سالم البهنساوي ـ حفظه الله ـ صاحب 
( السنّة المفترى عليها ) .


وهو يعدُّ من الذين التفتوا إلى خطورة مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرقة الغلاة عند الوهابية، أو بتعبير أدق وأصح : إلى خطورة خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية. وكتابه يحتوي على دراسة عميقة تدعو إلى ضرورة

تصحيح منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية، وتبين خروجهم عن منهج أهل السنّة في دراسة هذا المذهب. كما انتقد كل التهّم التي شاعت في وسط الوهابيين، ومن أهم هذه التهم التهمة القائلة بـ ( أنّ للاثني عشرية مصحفاً آخر... ) ، فهاجم البهنساوي هذه التهمة وقال :

( إنّ المصحف الموجود بين أهل السنّة هو نفسه الموجود في مساجد وبيوت الشيعة ) (2).
 

 

* هامش *
(1) إيران من الداخل، فهمي هويدي : ص 322، ط / 2، 1408 هـ ـ 1988م، مركز الاهرام للترجمة والنشر.
(2) عبارة مقتطفة: من ص 6.

 

 

 - ص 38 -

ويرى بعض مفكري أهل السنّة أنّ أتباع الفرقة الوهابية أخذوا تصوراتهم عن الاثني عشرية من مقالات الغلاة، بل أخذ بعضهم تصوراتهم عن الاثني عشرية من مقالات اليهودية والنصرانية والمجوسية ومن مقالات المستشرقين .


وحينما أخذوا معلوماتهم عن الاثني عشرية من تلك المقالات أُصيبوا بمرض الخلط بين المذهب الاثني عشري وبين فرق الغلاة، وأُصيبوا بمشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، ومن هؤلاء الذين يرون هذا الرأي المفكر الإسلامي السنّي ( أنور الجندي ) ، والذي سبق أن ذكرنا عبارة مقتطفة من كلامه حول ذلك (1).


وكان الإمام حسن البنا ـ زعيم الحركة الإسلامية السنّية في العالم ـ من أكثر المتحمسين لتصحيح منهج الوهابيين في دراسة الاثني عشرية ، ومن أكثر المحاربين للذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة أو للذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية

للاثني عشرية ؛ كما كان الإمام حسن البنا ـ رضوان الله عليه ـ يعجب ـ كثيراً ـ من الذين يخلطون بين الاثني عشرية والغلاة! ( مع العلم بأنّ أئمة الشيعة [ يعني : أئمة وعلماء الشيعة الاثني عشرية ] قد أثروا التأليف الإسلامي ثروة لا تزال المكتبات تعج بها ) (2).
 

وكان الكاتب الإسلامي السنّي الكبير ( عبّاس محمود العقاد ) ـ رحمه الله ـ من الذين أدركوا دور مشكلة الخلط بين الاثني عشرية ، أو دور مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية؛ التي هي وراء كل الأكاذيب المنسوبة للمذهب الاثني عشري . وكان يتمنى ـ لولا أن وافته المنية ـ أن يكتب كتاباً في
 

 

* هامش *
(1) انظر: ص 33 من هذا البحث.
(2) عبارة مشهورة للإمام حسن البنا نقلها عنه تلميذه وزعيم الاخوان المسلمين الاستاذ عمر التلمساني المصري في كتابه القيم (ذكريات لا مذكرات): ص 250.

 

 

 - ص 39 -

الدفاع عن الاثني عشرية ، وفي هذا قال الكاتب المشهور المصري ( أنيس منصور ) : إنّه سمع العقاد يقول له :

( إنّه يريد ـ قبل أن يموت ـ أن يؤلف دراسة موضوعية عن المذهب الشيعي، فقد أدخلت عليه أكاذيب (1) أفسدت صورته عند كثير من الناس [ الذين لا يميزون بين حقيقة الاثني عشرية وبين تلك الاكاذيب ] ، ولم يتسع عمره لأن يكتب هذا الكتاب ) (2).
 

وكان المؤرّخ السنِّي ( محمد كرد علي ) ـ رحمه الله ـ يهاجم الذين يخطئون في المرحلة الأُولى ، ويخلطون بين الاثني عشرية والغلاة ولا يميزون بين قادة الاثني عشرية وقادة الغلاة.. ويقول :

( أما ما ذهب إليه بعض الكتاب [ الذين يخلطون بين قادة الغلاة وقادة الاثني عشرية ] من أنّ مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء؛ فهو وهم وقلة علم بتحقيق مذهبهم . ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة (3) وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك؛ علم مبلغ هذا القول من الصواب ) (4).
 

والمرشد الروحي ـ السابق ـ للإخوان المسلمين في العالم، الإمام ( عمر التلمساني ) ـ رحمه الله ـ يعجب من الذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، ثُمّ يقولون: بأنّ الاثني عشرية من فرق الغلاة . مع أنّ الواقع يثبت ويؤكد بأنّ ( الفقه الشيعي (5) أغنى العالم الإسلامي من حيث التفكير ) (6).
 

 

* هامش *
(1) وكل هذه الاكاذيب نسبت ظلماً وزوراً إلى المذهب الاثني عشري.
(2) انظر كتاب ( لعلك تضحك ) للكاتب المصري أنيس منصور: ص 201 الطبعة الثالثة، 1998، مطبعة نهضة مصر ـ القاهرة.
(3) يعني عند الاثني عشرية.
(4) انظر كتاب ( خطط الشام ) : ج 6، ص 251.
(5) يقصد الفقه الاثني عشري.
(6) صرح بذلك لـ ( مجلة العالم الإسلامية ) المشهورة، العدد 91.

 

 

 - ص 40 -

أمّا إمام أهل السنّة وفقيههم في العصر الحديث ( محمد أبو زهرة ) ـ رحمه الله ـ فقد هاله منهج الوهابية الذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري ، فيخلطون بين الاثني عشرية والغلاة ، وانتقد منهج الوهابية في التعامل مع

بعض المصطلحات الكلامية عند الاثني عشرية ، وقال في تبيين وتوضيح مصطلح ( التقية ) الذي يعتبر من أهمِّ المصطلحات التي لم تدرك معناها الوهابية ، فاثبت إمام أهل السنّة أنّ معنى التقية عند الاثني عشرية قد أُخذ من القرآن الكريم ، وفي هذا يقول :

( والتقية [ يعني : عند الاثني عشرية ] أن يخفي المؤمن بعض ما يعتقد ولا يجهر به ؛ خشية الأذى، أو للتمكن من الوصول إلى ما يريد من نصرة لدين الله أو للحق في ذاته. والأصل فيها ـ التقية ـ قوله تعالى: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإلى اللّهِ الْمَصِيرُ) (1)..)(2).


ويقول الإمام ( محمد أبو زهرة ) في صدد الرد على الوهابية الذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية ، ثم يخلطون بين مقام الإمام عند الغلاة ومقامه عند الاثني عشرية :

( وإنّ الإمامية [ الاثني عشرية ] لا يصلون بالإمام إلى مرتبة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم )(3).
 

وكان إمام أهل السنّة الإمام الأكبر شيخ الأزهر (محمود شلتوت) ـ رحمه الله ـ من أكثر الذين دافعوا عن منهج قدماء أهل السنّة في التعامل مع المذهب الاثني عشري ، وبذلوا جهوداً في محاربة المنهج الوهابي في دراسة هذا المذهب ؛ لأنّهم
 

 

* هامش *
(1) سورة آل عمران: 28.
(2) الإمام الصادق، محمد أبو زهرة: ص 22.
(3) الإمام الصادق، محمد أبو زهرة: ص 151.

 

 

 - ص 41 -

ما زالوا يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية لهذا المذهب ، وبالتالي فهم يخلطون بين الاثني عشرية وفرق الغلاة .

ولقد حاول الإمام شلتوت ـ رحمه الله ـ دعوة الوهابية البريئة إلى الرجوع لمنهج أهل السنّة ، كما حاول أن يزيل الضجة التي خلقتها الوهابية بين الاثني عشرية وأهل السنّة، فحاربه الذين ما زالوا مصابين بمشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة من الوهابيين، وحسبوا أنّه يدعو للتقريب بين أهل السنّة وبين فرق الغلاة.
 

وأراد ـ رحمه الله ـ أن يبين للوهابيين أنّ المقالات التي ينسبوها للاثني عشرية هي مقالات السبئية والخطابية والبيانية الذين كفرهم الاثنا عشرية وأهل السنّة، واعتبر أنّهم نسبوا تلك المقالات القبيحة إلى الاثني عشرية لأنهم يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، ومن ثَمَّ فلا غرابة أن يخلطوا بين حقائق الاثني عشرية ومقالات الغلاة.
 

وقد اضطر إلى مهاجمة بعض المعاصرين من أهل السنّة الذين تأثروا بالمنهج الوهابي، وبدأوا يشككون في منهج قدماء أهل السنّة في التعامل مع الاثني عشرية؛ لأنّهم كانوا العقبة الكبرى ـ في نظره ـ أمام التقريب بين السنّة والاثني عشرية، قال رحمه الله :
 

( حارب هذه الفكرة [ أي فكرة التقريب بين السنّة والاثني عشرية ] ضيقوا الأُفق، كما حاربها صنف آخر من ذوي الاغراض الخاصّة السيئة، ولا تخلوا أية أُمة من هذا الصنف من الناس .. حاربها من يجدون في التفرق ضماناً لبقائهم وعيشهم، وحاربها

ذوو النفوس المريضة [ من أمثال المصابين بمرض الخلط بين الاثني عشرية والغلاة ] وأصحاب الأهواء والنزعات الخاصّة، هؤلاء وأولئك ممن يؤجرون أقلامهم لسياسات مفرقة، لها أساليبها المباشرة وغير المباشرة في
 

 - ص 42 -

مقاومة أية حركة إصلاحية، والوقوف في سبيل كل عمل يضم شمل المسلمين ويجمع كلمتهم )(1).

والذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية هم الذين لا يميزون بين الاثني عشرية والغلاة، وبالتالي لا يمكن لهم أن يدركوا ـ أيضاً ـ الفرق بين الرافضة والاثني عشرية. وقد واجه المفكّر السنِّي الكبير ( أنور الجندي ) أتباع الوهابية

الذين لا يفرِّقون بين الرافضة وبين الاثني عشرية وقال: ( والرافضة غير السنّة والشيعة ) (2) ؛ لأنّ الرافضة كلمة عامة في كتب الفرق تشمل الكثير من الفرق المغالية التي كفرّها علماء الاثني عشرية قبل أن يكفرّها أهل السنّة.
 

وهناك مئات الأقوال لكبار علماء أهل السنة التي تحذر من مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية أو من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة؛ لو ذكرناها كلها لتضاعف حجم الكتاب، وسنذكر الكثير منها في القسم الثاني من هذا الكتاب.
 

بعد أن ذكرنا أقوال كبار علماء أهل السنّة في خطورة مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، أو خطورة مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة؛ يتضح لنا أنّه ليس هناك مشكلة اخترعها خصوم الإسلام في سبيل ضرب المسلمين

وهدم وحدتهم أعظم من مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة. وتأتي الخطورة الكبرى في هذه المشكلة أنها من المشكلات غير البارزة والظاهرة التي يمكن كشفها ومعرفتها لأوّل وهلة، بل هي مشكلة خفية استطاع
 

 

* هامش *
(1) مجلة (رسالة الإسلام) المصرية، ونحن نأسف كثيراً اننا وجدنا بعض المسلمين يحاربون فكرة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، مع أنهم يقولون بأن كلا الطائفتين من المسلمين. والغريب من هؤلاء أنهم يزعمون أن الخصومة بين الاثني عشرية وبين الوهابية اشد من الخصومة بين المسلمين وبين اليهود!!! وهذا بهتان عظيم والله المستعان على ما يقولون.

(2) الإسلام وحركة التاريخ، أنور الجندي: ص 28.

 

 

 - ص 43 -

خصوم الإسلام ـ بطريقة ماكرة تُظهر الخير وتُبطن الشر ـ أن يزرعوها بين المسلمين من أجل تحطيم الوحدة الإسلامية المقدَّسة.

ومن ثَمّ وقع في حبال هذه المشكلة الخبيثة القبيحة بعض عوام أهل السنّة في العصور المتأخرة، الذين انخدعوا بالمنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية، ولم يَكتشف خباياها ومقاصدها الخطيرة إلاّ كبار علماء أهل السنّة المحققين. وبفضل جهود كبار علماء أهل السنّة بدأت هذه المشكلة تنحصر في إطار جماعة قليلة مهددة بالانقراض.
 

ونحب ـ هنا ـ أنّ ننبه إلى أننا رأينا تلك الوهابية البريئة تقول: بأنّ هنالك مشكلة غلو عند الاثني عشرية. وهم لا يدركون أنّه يوجد عندهم في الحقيقة مشكلة خلط بين الاثني عشرية والغلو، أو مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية.

وحقيقة الأمر أنّ هنالك مشكلة خلط عند الوهابية لا مشكلة غلو عند الاثني عشرية. ونرى هؤلاء المصابين بمشكلة الخلط يبحثون عن علل الغلو عند الاثني عشرية، وهم لا يدركون أنه كان الأولى لهم أن يبحثوا عن علل خلطهم بين الاثني عشرية

وفِرَق الغلاة، وأنّه ليس هناك مشكلة غلو عند الاثني عشرية، بل هي مشكلة خلط بين فرق الغلاة والاثني عشرية أو مشكلة خطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية.
 

وقد لاحظت أنّ أتباع الوهابية ـ من حيث لا يعلمون ـ يبحثون ويجهدون أنفسهم في البحث عن علل الغلو عند الاثني عشرية، ويبحثون عن مشكلة الغلو عند الاثني عشرية.
 

أما أهل السنّة المحققون المعاصرون فقد اكتشفوا أنّ أتباع الفرقة الوهابية مصابون بالخلط بين الاثني عشرية والغلاة، بسبب عدم قراءتهم الصحيحة لكتب قدماء أهل السنّة عن الاثني عشرية. ومن ثَمّ اتجه كبار أهل السنّة المعاصرين المحققين إلى دراسة علل الخلط بين الغلاة والاثني عشرية عند الوهابية، وصرّحوا بأنّ الوهابيين يحسبون أنّ هنالك مشكلة غلو عند الاثني
 

 - ص 44 -

عشرية، ولا يعرفون أنّ المشكلة فيهم، ولم يدركوا أنّها مشكلة خلط عندهم بين الاثني عشرية والغلاة. وتبين لعلماء أهل السنّة المحققين أنّ الاثني عشرية لم يصابوا ـ أبداً ـ بالغلو، وإنّما أتباع الوهابية التبس عليهم الأمر، فلم يميزوا بين الاثني عشرية والغلا.

* * * *
 

ونحن بعد دراسة طويلة لمناهج البحث عن حقائق الاثني عشرية وخصائصها قد حصرناها في مناهج ثلاثة:

1 ـ المنهج الأول : منهج الجماعة الوهابية في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

2 ـ المنهج الثاني : منهج قدماء أهل السنّة ومتأخريهم في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها.

3 ـ المنهج الثالث : منهج علماء الاثني عشرية في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها.
 

ونحن ـ في بداية الأمر ـ كنا نؤمن بمنهج الوهابية في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها، ثم تعرّفنا على منهج قدماء علماء أهل السنّة ومتأخريهم وانتقلنا إليه، ثم اهتدينا إلى منهج علماء الاثني عشرية في دراسة حقائق الاثني عشرية

وخصائصها. وقد لاحظنا أنّ هنالك تناقضاً في تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها؛ بين منهج الوهابية ومنهج قدماء علماء أهل السنّة ومتأخريهم. ولا شك أنّه من المستحيل أن تكون كل تفسيراتهم صحيحة في الوقت الذي ينعدم الاتفاق بينها. ولو قلنا

بصحتها مع تعارضها وتباينها للزم أن تكون كلها باطلة ـ بالمعنى المنطقي ـ أي غير صحيحة، ولما استحق أي تفسير يقدّمه علماء الوهابية أو علماء أهل السنّة لحقائق الاثني عشرية وخصائصها أن ينظر إليه بتقدير واحترام.
 

 - ص 45 -

ومن ثَمّ لا بد أن نقول بصحة بعض تفسيرات حقائق الاثني عشرية وخصائصها وبطلان بعضها. وسوف نثبت في البحوث القادمة (1) أنّ تفسير أهل السنّة من القدماء والمتأخرين لحقائق الاثني عشرية وخصائصها كان مصيباً غالباً، وأنّ تفسير الوهابية لحقائق الاثني عشرية وخصائصها كان مخطئاً وبعيداً عن حقيقة الاثني عشرية.

 

إننا حين نراجع المنهج الوهابي في تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها نجده عاجزاً عن الاهتداء إلى التفسير الصحيح لحقائق الاثني عشرية وخصائصها؛ الذي اهتدى إليه قدماء علماء أهل السنّة ومتأخريهم.
 

إنّ الاثني عشرية التي تبحث عن حقائقها وخصائصها الوهابية لا تعني أهل السنّة في شيء؛ لأنّ بحث الوهابية عن الاثني عشرية ـ على ذلك المنهج الغريب ـ لن يجعلها تدرك أنّ الاثني عشرية الحقة هي التي صوّرها ورسمها علماء أهل السنّة، وهي التي دلّنا عليها كبار علماء الاثني عشرية.
 

وقد عجزت الوهابية عن الاهتداء إلى حقيقة الالوهية والنبوة عند الاثني عشرية، وعجزت عن إدراك كل حقائق الاثني عشرية وخصائصها؛ لأنّها حاولت دائماً أن تفسر هذه الحقائق وأن تصورها تحت نفوذ مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، أو مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة، في حين أن الاثني عشرية ليس لها صلة بالغلو.
 

وبمثل هذا العجز فسرّت الوهابية خصائص الاثني عشرية، وضربت في التيه عندما حاولت دراسة (خصائص الاثني عشرية).

والعجب العُجاب ما يصادفه الإنسان من بعض عوام أهل السنّة؛ أنّك تجدهم يؤمنون بما قاله بعض الوهابية عن حقائق الاثني عشرية وخصائصها، بينما
 

 

* هامش *
(1) في القسم الثاني من هذا الكتاب.

 

 

 - ص 46 -

يسخرون بما قاله كبار قدماء علماء أهل السنّة ومتأخريهم في تلك الحقائق وهذه الخصائص!!
 

ويعجب الإنسان ـ أيضاً ـ أن الكثير من عوام أهل السنّة لم يبحثوا عن سبب اختلاف الوهابية البريئة وقدماء أهل السنّة؛ في تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها، مع اتحاد الموضوع المبحوث عنه، أي موضوع الاثني عشرية! ومن الغريب أنّ بعض عوام أهل السنّة يغفلون عن الصراع الكبير والخطير بين الوهابية وبين أهل السنّة حول تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها!
 

ويبدو أنّ هذه المشكلة الخبيثة ـ مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، أو مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الوهابية ـ كانت وما زالت وراء هذا الصراع الشديد بين الوهابية وعلماء أهل السنّة.
 

وإذا كانت هذه المشكلة سبباً في توسيع مساحة الصراع بين السنّة وبين الاثني عشرية منذ ظهور الوهابية في القرن الثامن عشر؛ فقد أصبحت هذه المشكلة ـ في عصرنا ـ سبباً في توسيع مساحة الصراع بين الوهابية وأهل السنّة. ولا يمكن لنا أن نكشف سرّ اختلاف الوهابية مع أهل السنّة في تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها ما لم ندرك هذه المشكلة.
 

والذين يخطئون في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، أو يخلطون بين الاثني عشرية وفرق الغلاة هم الذين فسروا حقائق الاثني عشرية وخصائصها بصورة مخالفة لتفسير الذين أصابوا في إدراك مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية، وميزوا بين المذهب الاثني عشري وبين فِرَق الغلاة.
 

ولقد لاحظنا أنّ الكثير من القضايا المُثارة المتنازع عليها بين الاثني عشرية وبين الوهابية أصبحت ـ الآن ـ قضايا مثارة ومتنازع عليها بين الوهابية وكبار أهل السنّة في العصر الحديث.
 

 - ص 47 -

وإنّه من الطبيعي أن تثار تلك القضايا بين الاثني عشرية والوهابية من جهة وبين السنّة والوهابية من جهة أُخرى؛ لأنّ أتباع الوهابية مصابون بمشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية.

وبعبارة أُخرى : مصابون بمشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة.

 

لقد بيّن أهل السنّة أنّ القضايا التي أثارتها الوهابية البريئة ضد الاثني عشرية إنّما هي من شأن الغلو والغلاة؛ لأن أهل السنّة يدركون الفرق بين الاثني عشرية والغلو. ومن ثَمّ لا يوجد نزاع وصراع بين السنّة والاثني عشرية، بينما يوجد هذا الصراع وذلك النزاع بين أهل السنّة والوهابية الذين يخلطون بين الاثني عشرية وفرق الغلاة.

 

ومن هنا فهذه المشكلة الخبيثة وسّعت الخلاف بين السنّة والاثني عشرية من خلال تأثير الوهابيين، ثُمّ وسّعت الخلاف بين السنّة والوهابية. وهذا هو الذي يفسرّ لنا سرّ تحذير كبار علماء أهل السنّة وكبار علماء الاثني عشرية من هذه المشكلة، ويفسرّ لنا

السبب الذي جعلهم يعدّونها أكبر مشكلة زُرعت من أجل تمزيق الصف بين السنّة والاثني عشرية، وتمزيق الصف بين السنّة والوهابية، لأن اختلاف أهل السنّة مع الوهابية حول الاثني عشرية قد خلق صراعاً شديداً بين الوهابيين وأهل السنّة، ولا يمكن

أن يتم التقريب بين الاثني عشرية والوهابية إلا إذا عالجنا هذه المشكلة، كما لا يمكن أن يتم التقريب بين أهل السنّة والوهابية إلا إذا عالجنا هذه المشكلة.

 

وقد عبّر عن حالة الصراع الشديد والاضطراب المرير بين مفهوم الاثني عشرية عند الوهابية ومفهومه عند أهل السنّة؛ أحدُ الكتاب المكفرّين للاثني عشرية والمؤيدين للمنهج الوهابي في دراستها، صاحب المؤلفات المشهورة ضد الاثني عشرية، وهو الدكتور الشيخ ( ناصر القفاري ) من كبار الوهابيين المعاصرين، فقال:

( استرعى انتباهي تضخم الخلاف حول الاثني عشرية لدى الكتّاب المعاصرين؛ فمن فريقٍ يرى أنّهم كفرة وأنّ غلوهم تجاوز الحدود الإسلامية، كما في كتابات
 

 - ص 48 -

الاستاذ محب الدين الخطيب، وإحسان ا لهي ظهير، وإبراهيم الجبهان وغيرهم. وفريقٍ يرى أنّ الاثني عشرية طائفة معتدلة لم تجنح إلى الغلو الذي وقعت فيه الفرق الباطنية، مثل: كتابات النشار، وسليمان دنيا، ومصطفى الشكعة. وفريق ثالث التبس عليه

الأمر حتى ذهبَ يستفتي شيوخ الشيعة الاثني عشرية فيما كتبه عنهم احسان ا لهي ظهير، ومحبّ الدين الخطيب؛ كما تجد ذلك فيما كتبهُ البهنساوي في كتابه ( السنّة المفترى عليها )، ومن خلال هذه الاختلافات قد تضيع الحقيقة أو تخفى على الكثير)(1)-(2).

 

ومن ثَمّ كان تأكيدي على ضرورة معالجة هذه المشكلة، فجعلت رسالة الماجستير الجامعية تحت عنوان ( مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة عند الوهابية )، وبينت أنّ هذه المشكلة هي وراء تعدد مناهج دراسة الاثني عشرية.
 

وإنّني بعد دراسة طويلة للمناهج الثلاثة التي ذكرتها ـ منهج الجماعة الوهابية، ومنهج أهل السنّة، ومنهج الاثني عشرية ـ استيقنت بأنّه لا يصّح أن يستفاد من المنهج الوهابي، لا سيما بعد الاختلاف الشديد بين منهج الوهابية في تفسير حقائق الاثني عشرية وخصائصها من جهة، وبين منهج أهل السنّة ومنهج الاثني عشرية في تفسيرها من جهة أخرى..
 

إنّ دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها ـ حسب المنهج الوهابي ـ تتمُ بطريقة تقتضي أن يُضّحى بالموضوع ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) في سبيل المنهج، وكأنّ الموضوع ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) لا يفرضُ منهجه من داخله، وكأنّ أتباع المذهب الاثني عشري الذي ينتمي إليهم الموضوع ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها ) لا منهج لهم.
 

 

* هامش *
(1) أُصول مذهب الشيعة الإمامية لاثني عشرية للشيخ الدكتور ناصر القفاري حفظه الله، مقدمة الكتاب: ج1، ص10 ـ 11.
(2) ستصدر مؤسسة الفكر الاسلامي كتاباً تناولتُ فيه نقد منهج ناصر القفاري في الكتابة عن الاثني عشرية.

 

 

 - ص 49 -

ولا يمكن للمنهج الوهابي في دراسة الاثني عشرية أن يخرج من أزمة الصراع مع أهل السنّة حول تفسير حقائق الاثني
عشرية وخصائصها؛ إلاّ عند مراجعة منهج الاثني عشرية في تفسير هذه الحقائق والخصائص، ومن ثَمّ نجد أنّ الكاتب الوهابي

( ناصر القفاري )(1) ذكر أنّ العلامة السنّي ( سالم البهنساوي ) بعد أن رأى اختلاف ( إحسان ا لهي ظهير ) مع العلامة
( مصطفى الشكعة ) في مفهوم الاثني عشرية؛ لجأ إلى شيوخ الاثني عشرية، وكتب نتيجة حواره مع الاثني عشرية في كتابه

( السنة المفترى عليها )، وعرف أنّ الحق مع منهج أهل السنّة. ونجدُ ـ أيضاً ـ المفكر الإسلامي السنّي ( الدكتور حامد حنفي داود )(2) يدعو إلى ضرورة نبذ المنهج الوهابي في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها، وإلى ضرورة الرجوع إلى منهج الاثني عشرية في دراستها، وفي هذا يقول:

 

( يُخطىء كثيراً من يدعي أنّه يستطيع أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم، مهما بلغ هؤلاء الخصوم منْ العلم والإحاطة، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل النصوص والتعليق عليها بأسلوب نزيه بعيد عن التعصب الأعمى.


أقول هذا جازماً بعد أن قضيت ردحاً طويلاً من الزمن أدرس فيه عقائد الأئمة الاثني عشر بخاصّة، وعقائد الشيعة بعامة، فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها متصفحاً في كتب المؤرخين والنقاد... بشيء ذي بال، وما زادني إلى هذه الدراسة، وميلي الشديد في الوقوف على دقائقها إلاّ بعداً عنها وخروجاً عليها... ذلك لأنّها دراسة بتراء
 

 

* هامش *
(1) نقلنا عبارته في ص 47 ـ 48 من هذا الكتاب.
(2) وهو من كبار مفكري أهل السنّة في العصر الحديث، وكان مشرفاً على الدراسات الإسلامية بجامعة (عليكرة) با لهند.

 

 

 - ص 50 -

أحلتُ نفسي فيها على كتب الخصوم لهذا المذهب، وهو المذهب الذي يمثل شطر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومن ثمّ اضطررت ـ بحكم ميلي الشديد إلى طلب الحقيقة حيث كانت، والحكمة حيث وجدت، والحكمة ضالة المؤمن ـ أن أدير دفة دراستي العلمية لمذهب الأئمة الاثني عشر إلى الناحية الأُخرى، تلك هي دراسة هذا المذهب في كتب أربابه، وأن أتعرف على عقائد القوم ممّا كتبه شيوخهم والباحثون المحققون من علمائهم وجهابذتهم.

 

ومن البديهي أنّ رجال المذاهب أشدّ معرفة لمذهبهم من معرفة الخصوم به، مهما بلغ أولئك الخصوم من الفصاحة والبلاغة،
أو أُوتوا حظاً من اللسن والإبانة عمّا في النفس، وفضلاً عن ذلك فإنّ الأمانة العلمية التي هي من أوائل أسس المنهج العلمي

الحديث، وهو المنهج الذي اخترته وجعلته دستوري في أبحاثي ومؤلفاتي حين أحاول الكشف عن الحقائق المادية والروحية؛ هذه الأمانة المذكورة تقتضي التثبت التام في نقل النصوص والدراسة الفاحصة لها، فكيف لباحث بالغاً ما بلغ من المهارة العلمية والفراسة التامة في إدراك الحقائق أن يتحقق من صحة النصوص المتعلقة بالشيعة والتشيع في غير مصادرهم؟!
 

إذن، لارتاب في بحثه العلمي على غير أساس متين.. ذلك ما دعاني أن أتوسع في دراسة الشيعة والتشيع في كتب الشيعة أنفسهم، وأن أتعرف عقائد القوم نقلاً عمّا كتبوه بأيديهم ونطقت به ألسنتهم، لا زيادة ولا نقص، حتى لا أقع في الإلتباس

[ والخلط بين الاثني عشرية والغلاة ] الذي وقع فيه غيري من المؤرخين والنقاد حين قصدوا للحكم على الشيعة والتشيع. وإنَّ الباحث الذي يريد أن يدرس مجموعة ما من الحقائق في غير مصادرها ومظانها الأصلية إنّما يسلك شططاً ويفعل عبثاً، ليس

هو من العلم ولا من العلم في شيء. ومثل هذا ما وقع فيه العلامة الدكتور ( أحمد أمين ) حين تعرّض لمذهب الشيعة في كتبه، فقد حاول
 

 - ص 51 -

هذا العالم أن يجلّي للمثقفين بعضاً من جوانب ذلك المذهب، فورّط نفسه في كثير من المباحث الشيعية كقوله: ( إنّ اليهودية ظهرت في التشيع )، وقوله: ( إنّ النار محرمة على الشيعي إلاّ قليلاً )، وقوله: ( بتبعيتهم لعبد الله بن سبأ )، وغير هذا من المباحث التي ثبت بطلانها وبراءة الشيعة منها، وتصدّى لها علماؤهم بالنقد والتجريح، وفصّل الحديث فيها العلامة محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأُصولها )(1).

 

ولكي يدرك القارئ الخطورة الكبيرة في منهجية الوهابية في بيان ( حقائق الاثني عشرية وخصائصها )؛ نذكر مثالاً هاماً يبيّن ويوضّح مشكلة خلط أتباع الوهابية بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، فقد نقل الوهابية في كتبهم أن ّ الرافضة ـ ويقصدون الاثني عشرية لأنّهم يخلطون بين الاثني عشرية والرافضة ـ تقول: ( إنّ عليّاً في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي منادٍ من السماء، ـ يريد علياًَ ينادي ـ: اخرجوا مع فلان )!
 

ومن المعلوم أنّ الذين يزعمون أنّ علياً في السحاب هم الغلاة لا الاثني عشرية.. كما أن الذين يزعمون ان الإمام علياً ينادي من أعلى السحاب: ( اخرجوا مع فلان ) هم الغلاة لا الاثني عشرية!

 

ونحن بعد دراسة عميقة في المذهب الاثني عشري عند كبار علمائه، وفي أعظم مدينة علمية للاثني عشرية في العصر الحديث وجدنا الاثني عشرية في كتبهم القديمة والحديثة يتبرؤون ويلعنون من يقول: ( إن علياً في السحاب أو إنه ينادي من السحاب )!

والثابت عندهم هو عين الثابت عند أهل السنّة، وهو: أنّه عندما يخرج الإمام المهدي ـ الذي أجمع على خروجه أهل السنّة والاثنا عشرية ـ سوف ينادي ملك من السماء باسمه، ويأمر بنصرته. ومن ثمَّ يجب علينا أن لا نعتمد على كتب الوهابية في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها.
 

 

* هامش *
(1) كلمة مقتطفة من مقدمة علامة أهل السنّة حامد حنفي داود لكتاب عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر: ص 20 ـ 23. وانظر كتاب في سبيل الوحدة الإسلامية للسيد مرتضى الرضوي: ص 75 ـ 83، مطبوعات النجاح في القاهرة، ط 3، سنة 1400 هـ ـ 1980م.

 

 

 - ص 52 -

وهكذا؛ تتجلى في هذه المقتطفات الكبيرة وا لهامة مشكلة خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية أو مشكلة خلط الوهابية بين الاثني عشرية والغلاة ، وكيف كانت سبباً في اخفاقات المنهج الوهابي في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها على مدار فترة زمنية طويلة، وكانت سبباً في التباين الشديد بين حكم الوهابية وحكم أهل السنّة على هذه الحقائق وتلك الخصائص.

 

والغرض من توضيح مشكلة الخطأ في مرحلة المعرفة الانتسابية للاثني عشرية أو مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، والتي توسعنا عامدين في عرضها من خلال أقوال كبار مفكري أهل السنة وعلمائهم؛ إنّما يعود للأسباب التالية:

أولاً: خطر هذه المشكلة باعتبارها كانت وما زالت السبب الأول في توسيع الاختلاف بين السنّة والاثني عشرية، بعد أن اندسَّ الوهابيون في صفوف أهل السنّة؛ كما أصبحت هذه المشكلة سبباً في توسيع الاختلاف بين السنّة والوهابية.
 

ثانياً: خطأ منهج الوهابية في دراسة حقائق الاثني عشرية وخصائصها كان نتيجة حتمية لهذه المشكلة. ولا شك أنّ خطأ منهج الوهابية في دراسة الاثني عشرية كان سبباً لاختلاف أهل السنّة مع الوهابية في تفسير مفهوم الاثني عشرية.
 

ثالثاً: معرفة هذه المشكلة بينّت لنا أهمية هذه المرحلة، أي مرحلة المعرفة الانتسابية؛ لأنّها قاعدة رئيسية في هذا المنهج الذي رسمناه من أجل تصحيح منهج الوهابية في دراسة حقائق المذهب الاثني عشري وخصائصه، ومن أجل التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، ومن أجل التقريب بين أهل السنة والوهابية كما أسلفنا في أوائل البحث عن هذه المرحلة.
 

رابعاً: يكتسب البحث عن مشكلة الخلط بين الاثني عشرية والغلاة أهمية كبيرة، لأنّ مشكلة الخلط بين الحقائق والأوهام تمثل أكبر خطر يهدد جميع الديانات والمذاهب الدينية. وإذا كانت الأفكار المادية الإلحادية تمثل أكبر عدو
 

 - ص 53 -

خارجي للديانات والمذاهب الدينية، فإنّ مشكلة الخلط بين الحقائق والأوهام تشكّل أكبر عدوٍ داخلي يهدد كيان الديانات والمذاهب الدينية. وإذا كان الفكر المادي يثير الشبهات ضد الديانات والمذاهب الدينية، فإنّ مشكلة الخلط بين الحقائق وبين الأوهام تصر على التفسير الغريب والفهم البعيد لحقائق الأديان والمذاهب الدينية، وتعطي صورة مشوهة لكل المذاهب الدينية، وبالتالي تجعل العقل البشري ينفر من الدين ـ أي دين ـ ويتجه صوب الإلحاد والمذاهب اللادينية.

 

خامساً: لقد كانت مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين فرق الغلاة، عند الوهابية هي السبب الأول الذي جعلهم يقولون بأنّ هنالك صلة بين الاثني عشرية وبين غلاة الصوفية، في حين أن علماء الاثني عشرية يكفرّون الطرق الصوفية المغالية.

كان هذا توضيحاً وتبييناً للمرحلة الأُولى في معرفة المذهب الاثني عشري.

 

* * * *

ومن المسائل ا لهامة في المرحلة الأولى لمعرفة المذهب الاثني عشري، معرفة أسباب وعوامل خطأ الوهابية في المرحلة الأولى لمعرفة الاثني عشرية، فالخطأ في هذه المرحلة يساوي ايجاد مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة.

وسوف نبحث ـ الآن ـ عن أسباب وعوامل خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري، أو بتعبير آخر: أسباب وعوامل مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وفِرَق الغلاة عند أتباع الوهابية. وهي ترجع إلى قسمين:

القسم الأول: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى جهل أتباع الوهابية. وهي ترجع إلى عدة أسباب:

السبب الأُول: الجهل بمعنى الغلو.

السبب الثاني: الجهل بمعنى المذهب الاثني عشري.

السبب الثالث: الجهل بموقف المذهب الاثني عشري من الغلو وفِرَق الغلاة.

 - ص 54 -

القسم الثاني: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى طبيعة الوهابية. وهذه الأسباب ترجع إلى سببين رئسيين وهما:

السبب الرابع: طريقة التفكير عند الوهابية.

السبب الخامس: الخروج عن منهج أهل السنّة في التعامل مع المذهب الاثني عشري.

وقبل تناول هذه الأسباب بصورة مفصلة (1) نريد أن نبين للقارئ الكريم أننا لا نريد من البحث عن هذه المشكلة مجرّد
( المعرفة الباردة )، إنّما نبتغي من القارئ الكريم أن يدرك خطورة هذه المشكلة على الوحدة الإسلامية المقدسة.. نبتغي أنّ

تستحيل معرفة القارئ لهذه المشكلة إلى قوةٍ تفصله وتبعده عن الوقوع في حبا لها، ومن ثمَّ آثرنا أن نرسم هذه المشكلة على شكل قنبلة يدوية من أجل تجسيم وتصوير شدّة خطرها على وحدة المسلمين، فهي المشكلة التي وسعت دائرة الخلاف بين السنّة والاثني عشرية من جهة، وبين الاثني عشرية والوهابية من جهة أُخرى، وبين السنّة والوهابية من جهة ثالثة.
 

 

* هامش *
(1) تناولناها بصورة مفصلة في القسم الثاني من هذا الكتاب

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب