|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 73 : - |
|
مع ذكرى خديجة :
أخرج البخاري في صحيحه
( 61 ) ، في باب غيرة النساء من كتاب النكاح عن عائشة
، قالت : " ما غرت على امرأة لرسول الله كما غرت على
خديجة ، لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله إياها
وثنائه عليها ، وقد أوحى الله إلى رسول الله ، أن
يبشرها ببيت في الجنة من قصب " ( * ) .
وأخرج ( 62 )
في باب مناقب خديجة منه ، أنها قالت : ما غرت على أحد
من نساء النبي ما غرت على خديجة ، وما رأيتها ! ولكن
النبي كان يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها
أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة وفي رواية قال بعده
اني لاحب حبيبها ( 63 ) .
وفيه أيضا عن أم المؤمنين
قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة ( 64 ) على
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعرف استيذان خديجة ،
فارتاع لذلك ، فقال " اللهم هالة " قالت : فغرت ، فقلت
: ما تذكر من عجوز من عجايز قريش ، حمراء الشدقين ،
هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها ! ؟ وفي مسند
أحمد بعد هذا : " فتغير وجه رسول الله تغيرا ما كنت
أراه إلا
| |
( 61 ) 2 / 209 .
( * ) القصب ما كان مستطيلا من الجوهر ، الدر الرطب الزبرجد الرطب
المرصع بالياقوت .
( 62 ) البخاري 2 / 210 .
( 63 ) راجع ترجمتها في الإصابة .
( 64 ) خديجة بنت خويلد
القرشية الاسدية ، وامها فاطمة بنت زائدة من آل لؤي ،
تزوجها أبو هالة هند التميمي ، فولدت له هندا ، ثم خلف
عليها عتيق بن عائذ المخزومي وتزوجها الرسول وعمرها
اربعون سنة ، وهو ابن خمس وعشرين ، فولدت له أولاده
كلهم ما عدا ابراهيم ، وتوفيت في السنة العاشرة من
البعثة ، راجع ترجمتها في الطبقات ، والاستيعاب
الترجمة 84 وأسد الغابة والإصابة . |
|
|
عند نزول الوحي أو عند
المخيلة حتى ينزل ، أرحمة هو أم عذاب ؟ " ( 65 ) .
وفي
رواية ( 66 ) قال لها : " ما أبدلني الله خيرا منها ،
قد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس
، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله عزوجل
ولدها إذ حرمني أولاد النساء " انتهى .
وفي رواية
الاستيعاب قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا
يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها
.
ما فتئ الرسول يذكر زوجه الأولى خديجة ، ويعيش مع
ذكراها مؤثرا ذوي قراباتها وأصدقائها ببره وإحسانه .
حتى أوغر بذلك صدر أم المؤمنين عائشة ،
فاعترضت عليه غير مرة ، وزاد في الطين بلة ما تلقته من
الرسول أخيرا من تقريع ولوم في ذلك ، وما سمعته من
المدح والقدح المتقابلين مما حز في نفسها وآلمها كثيرا
، فأثر ذلك تأثيرا سيئا في علاقاتها مع فاطمة ابنة
خديجة من رسول الله ، وفي علاقاتها مع زوج فاطمة
وبينها الذين خصهم الرسول بمزيد من عطفه ، وحدبه عليهم
ومن آثار ذلك ما رواه أحمد في مسنده ( 67 ) عن
النعمان ابن بشير ، حيث قال : استأذن أبو بكر على رسول
الله صلى الله عليه وآله فسمع صوت عائشة عاليا وهي
تقول : " والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومني
مرتين أو ثلاثا . . . الحديث " .
وكانت - أحيانا - لا
تذكره بخير ، روت عائشة ان النبي خرج يمشي بين رجلين
من أهله ، أحدهما الفصل بن عباس ورجل آخر . .
| |
( 65 ) مسند أحمد
6 / 150 و 154 عن موسى بن طلحة .
( 66 ) مسند أحمد 6 / 117 ، وراجع أسانيد
الحديث وألفاظ في كل من سنن الترمذي ص
247 باب ما جاء في حسن العهد ،
وسنن ابن ماجة ، باب الغيرة من أبواب
النكاح 1 / 315 ، والبخاري أيضا في 2 /
177 ، و 4 / 36 و 195 ،
والإصابة 4 / 383 ، وراجع
أسد الغابة 5 / 439
، والاستيعاب بترجمة خديجة ، ومسند أحمد
6 / 58 و 102 و 202 و 279
وابن كثير في تاريخه 3 / 128 والكنز 6 /
224 الحديث 3973 و 3974 .
( 67 ) مسند أحمد 4 / 275 ،
وراجع خصائص النسائي ، ص 28 ، ومجمع الزوائد 9 / 126 .
( * ) |
|
|
قال ابن عباس للراوي هل تدري
من الرجل الآخر ؟ قال : لا ، قال : علي بن أبي طالب
ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع . .
( 68 ) .
وقد وصف بعض ذلك ابن أبي طالب في خطبته التي
قال فيها : " أما فلانة فقد أدركها ضعف رأي النساء ،
وضغن غلا في صدرها ، كمرجل القين ( * ) . " ولو دعيت
لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل " ( 69 ) !
وفي
الكنز ( 70 ) : " وأما عائشة فقد أدركها رأي النساء وشئ كان في نفسها علي يغلي كالمرجل ، ولو دعيت لتنال
من غيري ما أتت إلي لم تفعل ، ولها بعد ذلك حرمتها
الاولى ، والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب من
يشاء " .
ويناسب في المقام أن نورد ما ذكره ابن أبي
الحديد في شرحه لهذه الخطبة ( 71 ) : قال ابن أبي
الحديد : وقد كنت قرأته على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن
إسماعيل اللمعاني ( ره ) أيام اشتغالي عليه بعلم
الكلام ، وسألته عما عنده فيه ، فأجابني بجواب طويل
أنا أذكر محصوله ، بعضه بلفظه وبعضه بلفظي ، فقد شذ
عني الآن لفظه كله بعينه ، قال : أول بدء الضغن كان
بينها وبين فاطمة ، وذلك لان رسول الله تزوجها عقيب
موت خديجة ، فأقامها مقامها ، وفاطمة هي ابنة خديجة ،
ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها وتزوج أبوها
أخرى
| |
( 68 ) الطبري 1 / 1801
. ط . أوربا .
( * ) المرجل : قدر كبير والقين الحداد اي كغليان
قدر من حديد .
( 69 ) شرح ابن أبي الحديد 2 / 456 -
460 في ( ومن كلام له ( ع ) خاطب به أهل البصرة على
جهة اقتصاص الملاحم فمن استطاع منكم عند ذلك . . إلى
قوله واما فلانه ) .
( 70 ) 8 / 215 - 217 ، ومنتخبه 6
/ 315 - 331 .
( 71 ) وقد لخصنا كلام ابن أبي الحديد
وربما اشرنا في الهامش إلى مصادر الأحاديث التي يستشهد
بها . شرح النهج ( 2 / 457 - 460 ) . ( * )
|
|
|
كان بين الابنة وبين المرأة
كدر وشنآن ، وهذا لابد منه ، لان الزوجة تنفس عليها
ميل الأب ، والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غريبة ،
كالضرة لامها ، بل هي ضرة على الحقيقة وإن كانت الأم
ميتة ، ولانا لو قدرنا الأم حية لكانت العداوة مضطرمة
، متسعرة ، فإذا كانت قد ماتت ، ورثت ابنتها تلك
العداوة . . ثم اتفق أن رسول الله مال إليها وأحبها ،
فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله .
وأكرم رسول
الله فاطمة إكراما عظيما أكثر مما كان الناس
يظنونه ،
وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتى خرج بها عن حد حب
الآباء للأولاد ، فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لا
مرة واحدة ، في مقامات مختلفة لا في مقام واحد : إنها
سيدة نساء العالمين ( 72 ) ، وإنها عديلة مريم بنت
عمران ( 73 ) ، وإنها إذا مرت في الموقف ، نادى منادى
من جهة العرش ، يا أهل الموقف ! غضوا أبصاركم لتعبر
فاطمة بنت محمد ( 74 ) .
وهذا من
الأحاديث الصحيحة ،
وليس من الأحاديث المستضعفة ، وإن إنكاحه عليا إياها
ما كان إلا بعدما أنكحه الله تعالى إياها في السماء ،
بشهادة الملائكة ( 75 ) ، وكم قال - لا مرة - : "
يؤذيني ما يؤذيها ، ويغضبني ما يغضبها " ( 76 ) ، و "
إنها بضعة مني . يريبني ما يريبها " ( 77 ) .
فكان هذا
وأمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة ، حسب زيادة هذا
| |
( 72 ) كنز العمال 6 /
219 الحديث 3853 ( عن عائشة ) ، والحديث 3854 ( ش ع عبد الرحمن ابن أبي
ليلى ) .
( 73 ) الكنز 6 / 219 ، الحديث 3845 ، و
3855 .
( 74 ) المستدرك 3 / 153 و 156 والكنز
6 / 218 ، 3830 ، و 3831 و 3832 .
( 75 ) المستدرك 3 / 158 - 159 ، والكنز
6 / 218 الحديث 3834 عن المسور بن مخرمة ، و 3836 عن ابن الزبير ، وص
219 الحديث 3864 .
( 76 ) والترمذي 13 / 246 في فضل فاطمة .
( 77 ) الكنز 6 / 220 الحديث 3866 ،
وراجع ترجمة خديجة وفاطمة في الطبقات 8 ، والاستيعاب وأسد الغابة
والإصابة ، وخلاصة
تذهيب الكمال ، وحلية أبي نعيم . ( * )
|
|
|
التعظيم والتبجيل ، والنفوس
البشرية تغيظ على ما دون هذا فكيف هذا ؟ ثم حصل عند
بعلها ما هو حاصل عندها - أعني عليا عليه السلام - فإن
النساء كثيرا ما يجعلن الأحقاد في قلوب الرجال ، لا
سيما وهن محدثات الليل ، كما قيل في المثل ، وكانت
تكثر الشكوى من عائشة ، ويغشاها نساء المدينة وجيران
بيتها ، فينقلن إليها كلمات عن عائشة ، ثم يذهبن إلى
بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة ، وكما كانت
فاطمة تشكو إلى بعلها ، كانت عائشة تشكو إلى أبيها ،
لعلمها أن بعلها لا يشكيها على ابنته ، فحصل في نفس
أبي بكر من ذلك أثر ما ، ثم تزايد تقريظ رسول الله
لعلي ، وتقريبه واختصاصه ، فأحدث ذلك حسدا له ، وغبطة
في نفس أبي بكر عنه ، وهو أبوها ، وفي نفس طلحة وهو
ابن عمها ، وهي تجلس إليهما ، وتسمع كلامهما ، وهما
يجلسان إليها ويحادثانها فأعدي إليها منهما كما
أعدتهما قال : وليست أبرى عليا من مثل ذلك
ثم كان
بينها وبين علي في حياة الرسول أحوال وأقوال ، كلها
تقتضي تهييج ما في النفوس ، نحو ما روي أنه سائره يوما
وأطال مناجاته ( 78 ) ، فجاءت ، وهي سائرة خلفهما ،
حتى دخلت بينهما ، وقالت : فيم أنتما فقد أطلتما ،
فيقال إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - غضب ذلك
اليوم
وما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت
الخادم ، فوقفت لها فأكفأتها ، ونحو ذلك مما يكون بين
الأهل وبين المرأة وأحمائها ، ثم اتفق أن فاطمة ولدت
أولادا كثيرة ، بنين وبنات ولم تلد هي ولدا ، وأن رسول
الله كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه ، ويسمى الواحد
منهما ابني ، ويقول : " دعوا لي ابني " و " لا تزرموا
على ابني " و " ما فعل ابني ؟ " فما ظنك بالزوجة إذا
حرمت الولد من البعل ، ثم رأت البعل يتبنى بني ابنته
من غيرها ، ويحنو عليهم حنو الوالد المشفق ، هل تكون
محبة لأولئك البنين ولامهم ولابيهم أم مبغضة ؟ وهل تود
دوام ذلك واستمراره أم زواله وانقضاءه ؟ !
| |
( 78 ) في باب مناقب علي من كتاب المناقب بسنن
الترمذي 13 / 173 دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم
الطائف فانتجاه فقال الناس : لقد طال نجواه
مع ابن عمه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " ما
انتجيته ولكن الله انتجاه " . ( * ) |
|
|
ثم اتفق أن رسول الله صلى
الله عليه وآله سد باب أبيها إلى المسجد ، وفتح باب
صهره ( 79 ) ، ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ، ثم عزله
عنها بصهره ( 80 ) ، فقدح ذلك أيضا في نفسها ، وولد
لرسول الله إبراهيم من مارية ، فأظهر علي بذلك سرورا
كثيرا ، وكان يتعصب لمارية ، ويقوم بأمرها عند رسول
الله صلى الله عليه وآله ميلا على غيرها ، وجرت لمارية
نكبة ، فبرأها علي منها ، وكشف بطلانها ، أو كشفه الله
على يده ، وكان ذلك كشفا محسا بالبصر ، لا يتهيأ
للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل
ببراءة عائشة
وكل ذلك مما يوغر صدر عائشة عليه ،
ويؤكد ما في نفسها منه ، ثم مات إبراهيم ، فأبطنت
شماتة ، وإن أظهرت كآبة ، ووجم علي من ذلك ، وكذلك
فاطمة ، وكانا يؤثران مارية ، ويريدان أن تتميز عليها
بالولد ، فلم يقدر لهما ولا لمارية ذلك ، وبقيت الامور
على ماهي عليه . . .
وكان علي لا يشك أن الأمر له ،
وأنه لا ينازعه فيه أحد من الناس ، ولهذا قال له عمه :
أمدد يدك أبايعك ، فيقال : عم رسول الله بايع ابن عم
رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان . قال : يا عم وهل
يطمع فيها طامع غيري ؟ ! قال : ستعلم ! قال : فإني لا
أحب هذا الأمر من وراء رتاج ( * ) ، وأحب أن أصحر به ،
فسكت عنه ( 81 ) .
فلما ثقل رسول الله في مرضه ، أنفذ
جيش أسامة ، وجعل فيه
| |
( 79 ) مسند أحمد ومنتخب
الكنز 5 / 29 ، والكنز 6 / 152
الحديث 2495 والمستدرك 3 / 125 . والترمذي
13 / 176 ولم يسد باب أبي بكر لانه كان بالسنح .
( 80 ) مسند أحمد 1 / 331
المستدرك 3 / 52 عن ابن عباس ، وص 6 من
خصائص النسائي
، ومسند أحمد ج 1 / 2 عن طريق أبي بكر ومسند أحمد 1 /
351 عن طريق علي ، وص 20 من خصائص النسائي وعبد الله
بن عمر راجع : المستدرك 3 / 51 .
( * ) الرتاج : الباب
المقفل .
( 81 ) راجع : المرشحون للبيعة من عبد الله
بن سبأ ، المدخل ص 31 نجد تفصيل المحاروة هناك مع بيان
رأينا فيه . ( * ) |
|
|
أبا بكر ( 82 ) وغيره من
أعلام المهاجرين والأنصار فكان علي حينئذ بوصوله إلى
الامر - إن حدث برسول الله حدث أوثق ، ويغلب على ظنه
أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الامر بالكلية
، فيأخذه صفوا وعفوا ، وتتم له البيعة ، فلا يتهيأ
فسخها لو رام ضد منازعته عليها ، فكان من عود أبي بكر
من جيش أسامة بإرسالها - يعني عائشة - إليه وإعلامه
بأن رسول الله يموت ما كان .
ومن حديث الصلاة بالناس
ما عرف ، فنسب علي إلى عائشة أنها أمرت بلالا مولى
أبيها أن يأمره فليصل بالناس ، لان رسول الله كما روي
قال ليصل بهم أحدهم ، ولم يعين ، وكانت صلاة الصبح ،
فخرج رسول الله وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل
بن العباس ، حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر ، ثم
دخل ، فمات ارتفاع الضحى ، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر إليه ( 83 ) .
وقال : أيكم يطيب نفسا أن يتقدم
قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة ، ولم يحملوا خروج
رسول الله إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على
الصلاة مهما أمكن ، فبويع على هذه النكتة التي اتهمها
علي أنها ابتدأت منها ، وكان علي يذكر هذا لأصحابه في
خلواته كثيرا ، ويقول : إنه لم يقل " إنكن لصويحبات
يوسف " إلا إنكارا لهذه الحال ، وغضبا منها ، لانها
وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، وإنه استدركها
بخروجه ، وصرفه عن
| |
( 82 ) روى ابن سعد في الطبقات عن جيش اسامة ، وقال : فلم يبق أحد من وجوه
المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة .
فيهم أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة ابن
الجراح ، وسعد بن أبي وقاص . . فتكلم قوم وقالوا :
يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين ، فغضب رسول
الله ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
ما مقالة بلغني عن بعضكم في تأميري اسامة ؟ . . ثم نزل
فدخل بيته ، وذلك يوم السبت . وتوفي يوم الاثنين ،
راجع الطبقات . ط . ليدن ج 2 ق 1 1 / 136 ، وفي ج 4 ،
ق 1 / 46 منه عن ابن عمر ، وراجع تهذيب
تاريخ ابن
عساكر 2 / 391 ، وكنز العمال 5 / 312 ، ومنتخبه 4 /
180 .
( 83 ) لنا بحث مفصل في ذلك باسم صلاة أبي بكر .
( * ) |
|
|
المحراب ، فلم يجد ذلك ولا
أثر ، مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ،
ويمهد له قاعدة الأمر ، وتقرر حاله في نفوس الناس ،
ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين ، والأنصار ( 84
) ، ولما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي ، والأمر
السمائي الذي جمع عليه القلوب والأهواء .
فكانت هذه
الحال عند علي أعظم من كل عظيم ، وهي الطامة الكبرى ،
والمصيبة العظمى ، ولم ينسبها إلا إلى عائشة وحدها ،
ولا علق الامر الواقع إلا بها ، فدعا عليها في خلواته
وبين خواصه ، وتظلم إلى الله منها ، وجرى له في تخلفه
عن البيعة ما هو مشهور حتى بايع ( 85 ) .
وكان يبلغه
وفاطمة عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول الله ، إلى أن
توفيت فاطمة وهما صابران على مضض ورمض ، واستظهرت
بولاية أبيها واستطالت وعظم شأنها ، وانخذل علي وفاطمة
، وقهرا .
وأخذت فدك ، وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا
، فلمتظفر بشئ ( 86 ) ، وفي ذلك تبلغها النساء
الداخلات والخارجات عن عائشة كل كلام يسوءها ويبلغن
عائشة عنها وعن بعلها مثل ذلك إلا أنه شتان ما بين
الحالتين ، وبعد ما بين الفريقين ، هذه غالبة ، وهذه
مغلوبة ، وهذه آمرة ، وهذه مأمورة ، وظهر التشفي
والشماتة ولا شئ أعظم مرارة ومشقة من شماتة العدو !
فقلت له - ره - : أفتقول أنت : إن عائشة عينت أباها
للصلاة ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يعينه ؟ !
| |
( 84 ) راجع : عبد الله بن سبأ
، السقيفة ، تجد تفصيلا وافيا هناك .
( 85 ) راجع : عبد الله بن سبأ ، ص 43 56
.
( 86 ) راجع طبقات ابن سعد ج 2 ق 2 / 86
ط . أوربا ، ( باب ذكر ميراث رسول الله ) ،
وصحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خبير 3 38 ،
وصحيح مسلم
باب قول رسول الله ( نحن لا نورث ما تركناه صدقة ) 1 /
72 و 3 / 153 ، والطبري بعد ايراد السقيفة ،
وابن كثير
6 / 285 - 286 ، وابن عبد ربه 3 / 64 ،
ومسند أحمد 1 /
4 و 9 و 10 و 14 ، و 2 / 353 . ( * )
|
|
|
فقال : أما أنا فلا أقول ذلك
، ولكن عليا كان يقوله ، وتكليفي غير تكليفه ، كان
حاضرا ولم أكن حاضرا ، فأنا محجوج بالاخبار التي اتصلت
بي ( 87 ) ، وهي تتضمن تعيين النبي لأبي بكر في الصلاة
وهو محجوج بما كان قد علمه ، أو يغلب على ظنه من الحال
التي كان حضرها . قال : ثم ماتت فاطمة ، فجاء نساء
رسول الله كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلا عائشة ،
فإنها لم تأت ، وأظهرت مرضا ، ونقل إلى علي عنها كلام
يدل على السرور ( 88 ) .
ثم بايع علي أباها ، فسرت
بذلك ، وأظهرت من الاستبشار بتمام البيعة واستقرار
الخلافة وبطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون
فأكثروا ، واستمرت الأمور على هذه مدة خلافة أبيها
وخلافة عمر وعثمان ، والقلوب تغلي والأحقاد تذيب
الحجارة ، وكلما طال الزمن على علي تضاعفت همومه
وغمومه ، وباح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان ، وقد
كانت عائشة أشد الناس عليه تأليبا وتحريضا ، فقالت :
أبعده الله .
وأملت أن تكون الخلافة في طلحة ، فتعود الامرة تيمية كما كانت أولا ، فعدل الناس عنه إلى علي
بن أبي طالب ، فلما سمعت ذلك صرخت : واعثماناه قتل
عثمان مظلوما ، وثار ما في الانفس حتى تولد من ذلك يوم
الجمل وما بعده . قال ابن الحديد : هذه خلاصة كلام
الشيخ أبي يعقوب - ره - ولم يكن يتشيع . إنتهى .
| |
( 87 ) راجع باب أحاديثها في صلاة أبي بكر من هذا
الكتاب .
( 88 ) في ترجمة فاطمة من النبلاء 2 / 94 ، قالت فاطمة لاسماء : إذا مت فغسليني أنت وعلي ولا يدخلن أحد علي .
فلما توفيت جاءت عائشة فقالت أسماء لا تدخلي ، فشكت
إلى أبي بكر فجاء فوقف على الباب فكلم أسماء فقالت :
هي أمرتني ، قال فاصنعي ما أمرتك . ثم انصرف . ( * ) |
|
|
قد أوردنا قسما كبيرا من
محاورة ابن أبي الحديد وشيخه ( 89 ) في شرح كلام علي
بن أبي طالب ، لما كان فيها من إيضاح لغوامض لنا عن
حياة أم المؤمنين الزوجية ، وعلاقاتها بأسرة النبي
الأقربين في عصره ، والأحداث التي نشأت عنها بعده ،
ونقتصر عليه في دارسة بعض نواحي حياتها الزوجية ، لما
في عرضها مفصلا من خروج بنا عن الدراسة الممهدة لفهم
أحاديثها إلى دراسة مفصلة لحياتها وأثرها على المجتمع
الإسلامي ، مما ينبغي بحثها في دراسات أخرى .
والذي
نستخلصه من كل ما مر ، أن أم المؤمنين كانت امرأة غيرى
، تغار على زوجها الرسول ، وأن غيرتها هذه كانت تؤثر
على حياتها الزوجية ، وعلاقاتها بزوجات الرسول وسراياه
وسائر أفراد أسرته .
وسنرى - مضافا إلى ما رأينا في ما
مر - أنها كانت تغار على مصلحة ذوي قرباها ، وحزبهم (
90 ) أيضا بمثل تلك القوة والشدة ، وأن هذه الصفة (
الغيرة ) الشديدة ) المصحوبة بحدة الطبع كانت تدفعها
إلى أعمال عنيفة ، وأقوال حادة مما عقدنا الفصول
الآتية لدراسة أكثرها .
| |
( 89 ) سيأتي بحث بعض ما أشار إليه اللمعاني في الابواب الآتية من هذا
الكتاب إن شاء الله تعالى .
( 90 ) كان لام المؤمنين
حزب داخل بيت الرسول على ما حدثت هي وقالت : " ان نساء
النبي كن حزبين ، فحزب عائشة وحفصة وسودة ، والحزب
الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه
وآله . . الحديث . وفي بقية الحديث ما يدل على ان
فاطمة كانت في الحزب المناوئ لها راجع
البخاري باب من
أهدى إلى صاحبه من كتاب الهبة 2 / 60 . أما خارج بيت
الرسول فسنرى فيما يأتي انها صرفت عمرها في حفظ مصالح
ذوي قرباها وحزبهم مدى الحياة . ( * )
|
|
|
|