- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 92 : -

عصور الحديث :


وإنما جوزنا أن يكون عصر الخليفتين عصر نشر هذه الأحاديث ، لانا نجد الأحاديث التي فيها ذكر الخلفاء الأربعة ، وأن رسول الله كان يستخلفهم لو استخلف أحدا ، إلى نظائر هذه الأحاديث في هذا الباب إنما تنقسم إلى أربعة أقسام :

القسم الأول منها ما فيه ذكر الخلفاء الأربعة حسب تسنمهم الخلافة واحدا بعد الآخر حتى علي بن أبي طالب ، فذلك ما نرى فيه أنه قد حدث من بعد علي بن أبي طالب وبعد تدرج الخلفاء الأربعة عليها .


ومن هذا النوع من الحديث ما أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة ( 17 ) عن النبي انه قال : " كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أنوارا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألف عام ، فلما خلق أسكناه ظهره ، ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة إلى أن نقلني الله إلى صلب عبد الله ، ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ، ونقل عمر إلى صلب الخطاب ، ونقل عثمان إلى صلب عفان ، ونقل عليا إلى صلب أبي طالب ، ثم اختارهم لي ، فجعل أبا بكر صديقا ، وعمر فاروقا ، وعثمان ذا النورين ، وعليا وصيا ، وفمن سبا أصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله أكبه في النار على منخره " .


وإنما نرى تأخر وضع هذا النوع من الحديث عن عصر علي إلى ما بعده لان هذا الحديث مثلا مضافا إلى ما فيه من ذكر السب ، والسب كان قد انتشر في عصر معاوية وبتحريض منه ولم يكن سب الصحابة والخلفاء الأوائل في

 

( 17 ) الرياض النضرة 1 / 30 عن محمد بن إدريس الشافعي . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 93 -

عصر الرسول متداولا بين الناس ليمنع الحديث عنه . إذ ذكر الخلفاء الأربعة مسلسلا ، ينبغي أن يكون بعد مجيئهم كذلك إلى الحكم وليس قبله .

وفي عصر علي وإن كان الخلفاء الثلاثة قد تدرجوا على الخلافة كذلك غير أن المسلمين كانوا قد انشقوا إلى حزبين : حزب ينقم على عثمان ، وآخر لا يذكر عليا بخير .

فمن كان يضع هذا الحديث ؟ ! ، وفي زمن معاوية وإن كان السب قد انتشر وتنافس الناس على وضع الحديث ( 18 ) غير أن ذلك كله كان لمحاربة علي وبنيه ورهطه من بني هاشم وشيعتهم ، وأن السياسة الأموية كانت قد استندت في حكمها على التفريق بين علي وساير الخلفاء قبله ، وجعله قبالهم ، واستمرت الحال على ذلك إلى آخر العصر الأموي ، إذن فلابد من القول بتأخر وضع هذا الحديث عن هذه العصور إلى عصر ضعف الأمويين ، ومن قبل قيام الدولة العباسية ، لان العباسيين أيضا أخذوا - بعد استيلائهم على الخلافة - في مضايقة بني عمومتهم العلويين ، وحاربوهم في كل مجال كالأمويين .


فلم يبق عصر يناسب وضع هذا الحديث إلا أخريات العصر الأموي ، وعند ضعف دولتهم ، وانتشار الدعوة لآل البيت ، حيث إن الهاشميين يومذاك " علويين وعباسيين " كانت كلمتهم مجتمعة ، وكان في نشر اسم ابن أبي طالب في قائمة الخلفاء ونشر فضائله إلى جنب فضائل الخلفاء الثلاثة تأييد لسياسة العباسيين قبال سياسة خصومهم الامويين القائمة على إخراج اسمه من قائمة الخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه وآله ، ونشر مدح الثلاثة مع نشر ذمه .


ونرى أن العباسيين قد ذهبوا إلى أبعد من هذا في مقابلة سياسة خصومهم الأمويين بسياسة خاصة بهم يومذاك ، وذلك بإخراج اسم عثمان من قائمة الخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه وآله . ولعل الحديث الآتي الذي يؤيد ما ذهبنا إليه
 

 

( 18 ) راجع بعده فصل : " مع معاوية " . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 94 -

قد وضع أيضا في ذلك العصر .

في أسد الغابة ( 19 ) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ( 20 ) قال : كنا مع رسول الله في صور ( * ) بالمدينة ، فقال : " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " : فجاء أبو بكر ، فهنيناه ثم قال : " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " فجاء عمر ، فهنيناه ، ثم قال : " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " ، قال : ورأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصغي رأسه من تحت السعف ويقول : " اللهم إن شئت جعلته عليا " ، فجاء علي فهنيناه .
 

وليس إنكارنا لهذا النوع من الأحاديث ناشئا من إنكارنا فضائل الرسول والاطائب من أرومته ، والأبرار من صحابته جملة واحدة .

معاذ الله أن نكون كذلك ، فلسنا بمنكري فضائلهم الجمة وإنما ننكر - مثلا - أن يكون الله قد ميز بعض صحابة الرسول الذين أصابتهم الخلافة على من أخطأتهم ، فخلق الأولين من نور ، وجبل الآخرين من طين ، ثم نشك في كل حديث يرد فيه اسم الخلفاء الأربعة مسلسلا حسب مجيئهم إلى الحكم ، مضافا إلى قرائن أخرى نشير إلى بعضها في محلها إن شاء الله تعالى .


والقسم الثاني من تلكم الأحاديث ما فيها ذكر الخلفاء الثالثة واحدا بعد الآخر حتى عثمان . وهذا ما نرى فيه أنه قد حدث به من بعد استيلاء عثمان على الخلافة لا قبله ، وإذا كان في الحديث مضافا إلى ذلك ذكر قتل عثمان ، فلابد من القول

 

( 19 ) أسد الغابة 4 ر 29 بترجمة علي .
( 20 ) جابر بن عبد الله الأنصاري اثنان : احدهما ابن رياب بن النعمان ، والآخر ابن عمرو بن حرام ، وأمه نسيبة بنت عقيبة بن عدي السلمي ، وكلاهما أنصاريان سلميان . أسلم الاول قبل العقبة الاولى وشهد بدرا والمشاهد كلها مع الرسول ، والثاني شهد العقبة مع أبيه وكان صغيرا ، واختلف في شهوده بدرا ، وشهد صفين مع علي ، وكان كثير الحديث ، وربما يكون هو المقصود في سند الحديث ، توفي سنة 74 أؤ 77 ، وعمره تسعون سنة ودفن بالمدينة .
( * ) جماعة من النخل لا واحدة لها . نهاية اللغة . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 95 -

بأنه قد حدث به من بعد قتله وليس قبله .
 

والثالث من تلك الأحاديث ما فيه ذكر الخليفتين واحدا بعد الآخر وهذا ما نرى فيه أنه قد حدث به بعد استيلاء عمر على الخلافة .
 

والرابع منها ما اختص بذكر استخلاف أبي بكر وحده ، فمن المحتمل أن يكون التحديث به قبل استخلاف عمر . وعلى هذا فإنا نجوز أن يكون حديث الكتابة لأبي بكر إنما حدث به في عصره لخلوه عن ذكر عمر .


أما حديث " لو كان رسول الله مستخلفا لاستخلف أبا بكر ، ومن بعد أبي بكر عمر ، ومن بعد عمر أبا عبيدة " فنظن ظنا قويا أنه قد حدث به في عصر عمر ، ومن قبل استخلاف عثمان لما فيه تأييد في رأيه لابي عبيدة حيث كان يقول : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ( 21 ) " .
 

 

( 21 ) راجع ج 1 / 278 من الطبعة الخامسة ، بيروت ، من عبد الله بن سبأ ، هذا مضافا إلى موقفه القوي الحازم من بيعة أبي بكر ، راجع المصدر السابق ، 104 110 .  ( * ) 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب