- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 9 : -

بسمه تعالى

العالم المصري الفقيه الشيخ محمود أبو رية . صاحب البحوث الضافية النافعة في الحديث والاجتماع . ولد عام 1889 وتوفي بجيزة القاهرة عام 1970 م . تحدث عن كتاب أحاديث عائشة في كلمته التالية :

يحسب العامة وأشباه العامة من الذين يزعمون أنهم على شيء من العلم أن التاريخ الإسلامي ( وبخاصة في دوره الأول ) قد جاء صحيحا لا ريب فيه ، وأن رجاله جميعا ثقات لا يكذبون، وهم - من أجل ذلك - يصدقون كل خبر جاء عن هذه الفترة ، ويشدون أيديهم على تلك الأحاديث التي شحنت بها الكتب المشهورة في الحديث ، تلك التي حملت الطم والرم ، والغث والسمين ، والصحيح القليل ، والموضوع الكثير .
 

وقد بلغ من ثقتهم بأحاديث هذه الكتب ، أن من يشك في حديث منها يعد في رأيهم فاسقا ! وإذا كان الله قد آتاهم عقولا ليفهموا بها ، وفهوما يزنون بها ، فإنهم يعطلون هذه المواهب استمساكا بالتقليد الأعمى ، والتعبد لمن سلف ! وإذا أنت بصرتهم بالحق ، وبينت لهم المحجة والواضحة ، لووا رؤوسهم ، وأصروا على معتقداتهم واستكبروا استكبارا .
 

وليتك تسلم من ألسنتهم ، بل يرمونك بشتائمهم وسبابهم ، ويسلقونك بألسنتهم ، وقد بلوت ذلك منهم عندما أخرجت كتابي ( أضواء على السنة المحمدية ) الذي أرخت فيه الحديث ، وكشف كيف روي ، وما شاب رواياته من الموضوعات ، ومتى دون ، وما إلى ذلك مما يجب بيانه . فإنهم ما كادوا يقرؤونه حتى هبت علي أعاصير الشتائم والسباب من كل ناحية ، من مصر 

- ج 1  ص 10 -

والحجاز والشام ! فلم أبال كل ذلك بل استعذبته لأني على سبيل الحق أسير ، فلا يهمني شئ يلاقيني في هذا السبيل مهما كان .

ومن عجيب أمر هؤلاء الذين يقفون في سبيل الحق حتى لا يظهر ، ويمنعون ضوء العلم الصحيح أن يبدون ، أنهم لا يعلمون مقدار ما يجنون من وراء جمودهم ، وأن ضرر هذا الجمود لا يقف عند الجناية على العلم والدين فحسب ، بل يمتد إلى ما وراء ذلك .
 

فإن الناشئين من المسلمين وغير المسلمين الذين بلغوا بدراستهم الجامعية العلمية إلى أنهم لا يفهمون إلا بعقولهم ، وما وصلوا إليه بعلمهم ، قد انصرفوا عن الإسلام لما بدا لهم على هذه الصورة المشوهة التي عرضها هؤلاء الشيوخ عليهم .

من أجل ذلك كله كان من الواجب الحتم على العلماء المحققين الذين حرروا أعناقهم من أغلال التقليد ، وعقولهم من رق التعبد للسلف ، أن يشمروا عن سواعد الجد ، ويتناولوا تاريخنا بالتمحيص ، وأن يخلصوه من شوائب الباطل والعصبيات ، ولا يخشون في ذلك لومة لائم .


وإني ليسرني كل السرور أن أشيد بفضل عالم محقق كبير من علماء العراق قد نهض ليؤدي ما عليه نحو الدين والعلم فأخرج للناس كتبا نفيسة كانت كالمرآة الصافية التي يرى فيها المسلمون وغير المسلمين تاريخ الإسلام على أجمل صوره في أول أدواره ، ذلكم هو الاستاذ " مرتضى العسكري " فقد أخرج لنا - من قبل - كتاب ( عبد الله بن سبأ )

أثبت فيه بالأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة ، أن هذا الاسم لم يكن له وجود ، وأن السياسة ( لعنها الله ) هي التي ابتدعت هذا الاسم لتجعله من أسباب تشويه وجه التاريخ ، وبين أن شيخ المؤرخين في نظر العلماء وهو الطبري قد جعل جل اعتماده في تاريخه ورواياته على رجل أجمع الناس على تكذيبه .
 

ومن الغريب أن جميع المؤرخين الذين جاءوا بعد الطبري قد نقلوا عن ابن جرير كل رواياته بغير تمحيص ولا نقد ، وهذا الرجل الكذاب هو : سيف

- ج 1  ص 11 -

ابن عمر التيمي .

وأردف العلامة المؤلف هذا الكتاب النفيس بكتاب آخر أكثر منه نفاسة هو كتاب ( أحاديث عائشة ) وقد تناول في هذا الكتاب تاريخ هذه السيدة لا كما جاء من ناحية السياسة والهوى والعصبية ، ولكن من أفق الحقيقة التي لا ريب فيها ، وكتبه بقلم نزيه يرعى حرمة العلم وحق الدين . لا يخشى في الله لومة لائم .
 

أشار الاستاذ في تمهيده لكتابه إلى ما في الأحاديث التي نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله من اختلاف بين حديث وآخر ، وبين بعض تلك الأحاديث ، وآية من القرآن الكريم مما كان مثار الطعن والنقد إلى النبي من أعداء الإسلام .


ثم بين أن هذه الأحاديث إن هي إلا مجموعات مختلفة رويت عن رواة مختلفين ، وعلى الباحث العالم النزيه أن يقوم بتصنيفها نسبة إلى رواتها . . ثم يدرس أحاديث كل منهم على حدة ، وبخاصة أحاديث الرواة المكثرين أمثال : عائشة ، وأبي هريرة ، وأنس ، وابن عمر ، مع دراسة حياة راويها ، وبيئته وظروفه

ثم مضى يقول : " إن التاريخ الإسلامي منذ بعثة الرسول حتى بيعة يزيد بن معاوية لا يفهم [ فهما ] صحيحا إلا بعد دراسة أحاديث أم المؤمنين " دراسة موضوعية " ولان الأستاذ المؤلف : بصدد البحث عن التاريخ الإسلامي في دوره الأول فقد قدم هذه الدراسة على غيرها من الدراسات ".


وبعد أن بين صعوبة هذه الدراسة لما يجد في سبيلها من عقبات متعددة أخذ في موضوع دراسته فبين نسب عائشة ، ومولدها ، وتزوجها من النبي صلى الله عليه وآله وما صنعته معه ( كامرأة ) - كما قال شوقي - من مكر وكيد ( إن كيدهن عظيم ) .


وأنها قد أقامت مع النبي نيفا وثمانية أعوام ، ثم أخذ يذكر أنها كانت تؤيد خلفاء النبي : أبا بكر وعمر وعثمان في أول خلافته ، ثم انحرافها عنه وترأسها للمعارضة له حتى بلغ من أمرها أنها كانت تحرض على قتله ، وما أن قتل هذا

- ج 1  ص 12 -

الخليفة بسبب خروجه عن نهج سابقيه ، وتركه الأمر لقومه يتصرفون فيه بأهوائهم ، حتى ( برزت ) تعارض عليا معارضة شديدة لم يلق مثلها من غيرها ، وكان أول شيء بدا منها لهذا الإمام العظيم أنها ما كادت تعلم بنبأ بيعته حتى ثارت ثائرتها وصاحت : لا يمكن أن يتم ذلك ! ولو انطبقت هذه على هذه - أي السماء على الأرض - وما لبثت أن ألبت عليه طلحة والزبير وقادوا جميعا الجيوش الجرارة لمحاربة علي (رضي الله عنه) في وقعة الجمل وكانت تركب جملا من المدينة إلى البصرة

وبعد أن انتهت هذه المعركة بسفك الدماء المحترمة ، وبقتل طلحة ، أعادها علي ( رضي الله عنه ) إلى المدينة مكرمة لم ينلها سوء ، ولكنها لم تحفظ له هذا الجميل ، ولم ترجع عن غيها ، وظلت ضده بكل وسيلة وكان من ذلك أن كانت تؤيد معاوية في حروبه ضد علي ( رضي الله عنه ) ولم تهدأ ثائرتها حتى قتل علي ، فقرت عينها ، وهدأت نفسها ، وتمثلت عند قتله بقول الشاعر :

فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر

وقد كان ذلك بسبب ضغنها لعلي ( رضي الله عنه ) ، وما يكنه صدرها له لأنه زوج فاطمة بنت خديجة ، وما كان لموقفه من حديث الإفك مما بينه شاعر الإسلام الكبير أحمد شوقي بأحسن بيان فقال يخاطب عليا ( رضي الله عنه ) بقوله :

يا جبلا تأبى الجبال ما حمل * ماذا رمت عليك رية الجمل
أثأر عثمان الذي شجاها * أم غصة لم ينتزع شجاها

ذلك فتق لم يكن بالبال * كيد النساء موهن الجبال
وإن أم المؤمنين لامرأة * وإن تك الطاهرة المبرأة
أخرجها من كنها وسنها * ما لم يزل طول المدى من ضغنها
. . الخ

هذا بعض ما قاله شاعر الإسلام في علي ( رضي الله عنه ) ، وما رمته به عائشة ، وقد خاطبها علي ( رضي الله عنه ) في كتاب أرسله إليها وإلى طلحة والزبير أثناء وقعة الجمل ، لو أنها عقلته وتدبرته لاشتد ندمها ولاستغفرت الله

- ج 1  ص 13 -

مما اجترحت وإن كان الظن أن الله لا يغفر لها : قال ( رضي الله عنه ) : وأما أنت يا عائشة فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ، ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين المسلمين فخبريني ما للنساء وقود الجيوش ؟ والبروز للرجال ؟ والوقوع بين أهل القبلة ، وسفك الدماء المحترمة ؟

ثم إنك على زعمك طلبت دم عثمان ، وما أنت وذاك ؟ وعثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم ؟ ثم إنك بالأمس تقولين في ملا من أصحاب رسول الله : اقتلوا نعثلا فقد كفر ! ثم تطلبين اليوم بدمه ! فاتقي الله وارجعي إلى بيتك وأسبلي عليك سترك والسلام .


هذه لمعة خاطفة مما حواه كتاب ( أحاديث عائشة ) ولو نحن ذهبنا نبين ما فصله هذا العالم المحقق في كتابه هذا مما أوفى به على الغاية ، ولم نر مثله من قبله لغيره ، لاحتجنا إلى كتاب برأسه . . . وإذا كان لابد من كلمة نختم بها قولنا هذا الموجز فإنا نقول مخلصين : إنه يجب على كل من يريد أن يقف على حقيقة الإسلام في مستهل تاريخه إلى بيعة يزيد فليقرأ كتابي هذا العلامة : ( عبد الله بن سبأ ، وأحاديث عائشة ) وليتدبر ما جاء فيهما ، فإن فيهما القول الفصل .


أما ما نرجوه من العلامة مؤلفهما فهو أن يغذ السير في هذا الطريق الذي اختطه حتى يتم ما أخذ نفسه به . والله ندعو أن يكتب له التوفيق ، والسداد في عمله ، إنه سميع الدعاء .


محمود أبو رية
القاهرة : عن جيزة الفسطاط ليلة الجمعة 18 رمضان المبارك 1381 ه‍ الموافق 23 فبراير 1962 م 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب