- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 109 : -

اختلافهما مع عثمان :


ثم اختلفت مع الخليفة عثمان ، وأدى اختلافها معه إلى قطع الالفين الزائدة في عطائها عنها على ما ذكره اليعقوبي وابن أعثم في تاريخيهما ( 6 ) قال اليعقوبي : " وكان بين عثمان وعائشة منافرة ، وذلك أنه نقصها مما كان يعطيها عمر بن الخطاب وصيرها أسوة بغيرها من نساء رسول الله " .


ولا نعلم على وجه التحقيق متى نشب الخلاف بين أم المؤمنين والخليفة غير أننا نعلم أن ذلك لم يكن في السنوات الست الأولى من خلافته ، ولم يقع
 

 

( 6 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 132 ، وتاريخ ابن أعثم 155 . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 110 -

مرة واحدة ، بل تدرج الخلاف بينهما حتى تفاقم الخطب ، وكانت أول من امال حرفه ( 7 ) وأصبحت ملجأ الساخطين عليه ، وتزعمت الفئة المعارضة له حتى قتل ، ولم يكن في الأسر الإسلامية يومذاك اشد على عثمان من نبي تيم أسرة أبي بكر ( 8 ) ، وفيما يلي نذكر في أمر الوليد بعض الحوادث التي اشتد الخصام فيها بينهما :

ما كان في أمر الوليد بن عقبة وعبد الله بن مسعود . أما الوليد هو ابن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو ، واسمه ذكوان .

كان أبو عمرو عبدا لامية ابن عبد شمس ثم تبناه أمية ، وأم الوليد أروى بنت كريز بن ربيعة وكانت أم عثمان بن عفان .
فالوليد أخو عثمان لامه . وكان أبوه عقبة بن أبي معيط جارا لرسول الله بمكة ، وكان يكثر مجالسة رسول الله واتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله صلى الله عليه وآله فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق الشهادتين ففعل ، فقالت قريش : صبا عقبة ، وكان له خليل ( 9 ) غائب عنه بالشام فقدم ليلا فقال لامرأته : ما فعل محمد مما كان عليه ؟ فقالت : أشد ما كان أمرا ! فقال : ما فعل خليلي عقبة ؟ فقالت : صبا ، فبات بليلة سوء . فلما أصبح أتاه عقبة فحياه فلم يرد عليه التحية . فقال : مالك لا ترد علي تحيتي ؟ ! فقال : كيف ارد عليك تحيتك وقد صبوت ؟

 

( 7 ) اشارة إلى كلام ابن ام كلاب لها في طريق مكة ، راجع الطبري 5 / 172 في ذكره حوادث سنة 36 .
( 8 ) راجع أنساب الاشراف 5 / 68 .
( 9 ) في بعض الروايات ان ابن أبي بن خلف كان خليل عقبة وفي غيرها كان أمية بن خلف خليله . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 111 -

قال : أوقد فعلتها قريش ؟ قال : نعم . قال : فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته ؟ قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ، ففعل فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وآله على أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال : " إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنك صبرا " .


وفي رواية عاتبه صديقه على ذلك وقال له : صبأت يا عقبة ؟ قال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي . فقال : وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم علينه . فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف . ثم أصبح عقبة بعد ذاك من ألد أعداء النبي حتى أن كان يأتي بالفروث فيطرحها على باب دار رسول الله ( 10 ) .

ولما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج ، فقال له أصحابه : أخرج معنا . قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا . فقالوا : لك جمل احمر لا يدركك فلو كانت هزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الارض فأخذه رسول

 

( 10 ) أنساب الاشراف 1 / 137 138 و 147 148 ، ط . دار المعارف . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 112 -

الله صلى الله عليه وآله أسيرا في سبعين من قريش وقدم إليه عقبة فقال : أتقتلني من بين هؤلاء ؟ قال : نعم بكفرك وفجورك وعتوك على الله ورسوله . فأمر عليا فضرب عنقه فأنزل الله فيه : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *  يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ) . الآيات 30 32 من سورة الفرقان ( 11 ) .


وابنه الوليد أسلم يوم فتح مكة وبعثه النبي مصدقا إلى بني المصطلق ، فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ، وذلك أنهم خرجوا يتلقونه فهابهم فانصرف عنهم فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد ، وأمره أن يتثبت فيهم ولا يعجل ، فأخبروه أنهم متمسكون بالاسلام ونزلت فيه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) الآية 6 من سورة الحجرات .


وفي عهد عثمان ولاه الكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقاص وكان سعد هو الذي كوف الكوفة بأمر عمر وأسكنها جيوش المسلمين وكان سعد قائدهم في فتح إيران فكانوا يحبونه ويحترمونه .

فلما قدم الوليد على سعد قال له : والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك ؟ ! فقال : لا تجزعن أبا إسحاق فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون . فقال سعد : أراكم ستجعلونها ملكا ( 12 ) . فساء الناس ذلك وقالوا : بئسما ابتدلنا عثمان . عزل أبا أبا إسحاق الهين

 

 ( 11 ) راجع ابن هشام 1 / 385 و 2 / 25 ، وامتاع الاسماع ص 61 و 90 وتفسير الآيات من تفسير الطبري والقرطبي والزمخشري وابن كثير والدر المنثور والنيسابوري والرازي ، وغيرها .
( 12 ) راجع ترجمة الوليد من الطبقات والاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وكنز العمال وتفسير الآية السادسة من الحجرات في جميع التفاسير . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 113 -

اللين الحبر ( * ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وولى أخاه الفاسق الفاجر الاحمق الماجن ( 13 ) .

وكان سبب تأمير الوليد على الكوفة ما أخرج أبو الفرج في الاغاني ( 14 ) بسنده إلى خالد بن سعيد بن عمرو بن سيعد عن أبيه قال : لم يكن يجلس مع عثمان ( رض ) على سريره إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاص والوليد بن عقبة ، فأقبل الوليد يوما فجلس ، ثم أقبل الحكم ، فلما رآه زحل ( * ) له عن مجلسه ، فلما اقام الحكم قال له الوليد : والله يا أمير المؤمنين ، لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمك على ابن امك فقال له عثمان ( رض ) : إنه شيخ قريش ، فما هما البيتان اللذان قلتهما ؟ ! قال قلت :

رأيت لعم المرء زلفى قرابة * دوين أخيه حادثا لم يكن قدما
فأملت عمرا أن يشب وخالدا * لكي يدعواني يوم مزحمة عما

يعني عمرا وخالدا ابني عثمان . قال : فرق له عثمان ، وقال له : قد وليتك العراق ( يعني الكوفة ) .


وفي الاستيعاب : لما قدم الوليد بن عقبة أميرا على الكوفة اتاه ابن مسعود فقال : " ما جاء بك ؟ " قال : " جئت أميرا " فقال ابن مسعود : " ما ادري أصلحت بعدنا أم فسد الناس ؟ ! " ( 15 ) هذا هو الوليد .
 

 

( * ) الحبر بفتح الحاء وكسرها : العالم الصالح .
( 13 ) أنساب الاشراف 5 / 29 و 31 . وراجع ترجمة الوليد من الاستيعاب ج 2 / 604 .
( 14 ) الاغاني 4 / 177 .
( * ) زحل : تنحى وتباعد .
( 15 ) ترجمة الوليد من الاستيعاب 2 / 604 . ( * ) 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب