|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 130 : -
|
|
ثانيا : في خبر عمار مع الخليفة
الحادثة الأخرى التي اشتركت فيها أم المؤمنين ، وقادت
الجماهير فيها ضده كانت في قصة الخليفة مع عمار بن
ياسر .
وعمار بن ياسر هو أبو اليقظان بن ياسر بن عامر
، وكان ياسر والد عمار عربيا قحطانيا مذحجيا من عنس
قدم من اليمن إلى مكة وحالف أبا حذيفة ابن المغيرة
المخزومي وتزوج أمته سمية بن خباط فولدت عمارا فاعتقه
أبو حذيفة ، فمن هنا صار عمار مولى لبني مخزوم .
كان
هو وأبواه وأخوه عبد الله من السابقين إلى
الإسلام ،
واجهروا بإسلامهم فعذبوا عليه أشد العذاب . ألبسوا
أدراع الحديد ، ثم صهروا في الشمس على أن يتركوا
الإسلام وهم يأبون ذلك ، وكان رسول الله يمر عليهم
بالابطح وهم يعذبون في رمضاء مكة فيقول : " صبرا آل
ياسر موعدكم الجنة " وكانت سمية أول شهيد في
الإسلام
طعنها أبو جهل بحربة في قبلها فماتت من ذلك . وقتل
بعدها ياسر .
أما عمار فانه أعطاهم ما
أرادوا بلسانه مكرها فأخبر النبي بأن عمارا كفر فقال :
كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، وأخلط
الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه
وآله وهو يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه ، وقال : إن
عادوا لك فعد لهم بما قلت ، فأنزل الله تعالى فيه : (
مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ
إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ . . ) الآية ( 59 ) ( النحل / 106 ) .
هاجر
عمار إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها ، ولما قدم
النبي إلى المدينة جمع أحجارا وبنى له مسجد قبا فهو
أول من بنى مسجد في الإسلام ( 60 ) .
واشترك في بناء
المسجد النبي صلى الله عليه وآله .
قال ابن هشام ( 61
) عند ذكره بناء رسول الله مسجده في المدينة : فدخل
عمار وقد أثقلوه باللبن ، فقال : يا رسول الله قتلوني
يحملون علي مالا يحملون . قالت أم سلمة زوج النبي صلى
الله عليه وآله فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله
ينفض وفرته بيده وكان رجلا جعدا وهو يقول : " ويح ابن
سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية "
وارتجز علي بن أبي طالب ( رض ) :
لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا وقائما
طورا وطورا
قاعدا * ومن يرى عن الغبار حائدا
فأخذها عمار بن ياسر
فجعل يرتجز بها .
قال ابن هشام : فلما
أكثر ، ظن رجل
من أصحاب رسول الله أنه إنما
| |
( 59 ) ذكر نزول هذه الآية في عمار : ابن عبد البر
بترجمته من الاستيعاب قال : هذا مما اجتمع أهل التفسير عليه ، وراجع
تفسير الآية في تفسير الطبري والقرطبي
وابن كثير والسيوطي
وطبقات ابن سعد 3 / 178 والمستدرك
3 / 178 وغيرها وراجع - لسائر ما ذكرناه في نسب عمار وأبيه وأمه
وتعذيبهم - ترجمتهم في الاستيعاب وأسد
الغابة والإصابة ، وباب فضائلهم في
المستدرك
وكنز العمال .
(
60 ) ترجمته في أسد الغابة .
( 61 ) سيرة ابن هشام 2 /
114 . ( * ) |
|
|
يعرض به ، فقال : قد سمعت
ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية والله إني لاراني سأعرض
هذه العصا لانفك ، قال : وفي يده عصا ، قال : فغضب
رسول الله ثم قال : " مالهم ولعمار ! يدعوهم إلى الجنة
ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي
فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه " قال أبو
ذر في شرح سيرة ابن هشام : إن هذا الرجل هو عثمان بن
عفان ( 62 ) .
وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه
وآله في مواطن كثيرة منها قوله فيه لما رأى خالدا يغلظ
له القول : " من عادى عمارا عاداه الله ، ومن أبغض
عمارا أبغضه الله " شهد مع علي الجمل وصفين ، وكان في
صفين لا يأخذ في ناحية ولا واد إلا وتبعه أصحاب النبي
كأنه علم لهم ، وكان يرتجز ويقول :
اليوم ألقى الأحبة
* محمدا وحزبه
ولما قتل اختصم في قتله اثنان فقال عمرو
بن العاص : والله إن يختصمان إلا في النار ، والله
لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ( 63 ) .
هذا
هو عمار بن ياسر ، وأما قصته مع الخليفة عثمان فإنه
غضب عليه في عدة موارد :
منها في قصة ترحمه من كل قلبه
على أبي ذر في ما روى البلاذري ( 64 ) وقال : إنه لما
بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله . فقال
عمار بن ياسر : نعم فرحمه الله من كل أنفسنا ، فقال
عثمان : يا عاض أير أبيه ! أتراني
| |
( 62 ) شرح سيرة ابن هشام لابي ذر الخشني المتوفى ( 604 ) ه
وقد روى ذلك عن ابن اسحاق صاحب السيرة الذي من سيرته
أخذ ابن هشام ما اورده في سيرته . وقد اورد ابن عبد
ربة القصة تامة في العقد الفريد 4 / 342 343 .
( 63 )
استشهد مساء الخميس 9 صفر سنة 37 ه وعمره 93 سنة ،
راجع ترجمته في الاستيعاب
وأسد الغابة والإصابة
والبخاري ، كتاب الجهاد ، الباب السابع عشر والطبقات 3
ق 1 / 166 189 .
( 64 ) الانساب 5 / 54 واليعقوبي 2 /
150 وكان عثمان قد نفى أبا ذر إلى الربذة لما شكاه
معاوية فتوفي هناك في قصة طويلة ذكرها البلاذري في
الانساب 5 / 52 - 54 وابن سعد في الطبقات 4 / 168 ،
واليعقوبي 2 / 148 ، والمسعودي 1 / 438 . ( * ) |
|
|
ندمت على تسييره ؟ وأمر
فدفع في قفاه وقال : إلحق بمكانه فلما تهيأ للخروج
جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه .
فقال له علي : يا عثمان ! إتق الله فإنك سيرت رجلا
صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثم أنت الآن تريد
أن تنفي نظيره ، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان : أنت
أحق بالنفي منه فقال علي رم ذلك إن شئت ، واجتمع
المهاجرون فقالوا : إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته
فان هذا شئ لا يسوغ . فكف عن عمار .
ومنها في قصة أخذه
كتاب استنكار الصحابة من عثمان إليه في ما أخرجه
البلاذري وغيره ( 65 ) .
البلاذري : إن المقداد بن
عمرو ، وعمار بن ياسر ، وطلحة ، والزبير في عدة من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كتبوا كتابا عددوا
فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه وأعلموه أنهم مواثبوه إن
لم يقلع ، فأخذ عمار الكتاب وأتاه به فقرأ صدرا منه
فقال له عثمان : أعلي تقدم من بينهم ؟ فقال عمار :
لاني أنصحهم لك . فقال : كذبت يا ابن سمية ! فقال :
أنا والله ابن سمية وابن ياسر ، فأمر غلمانه فمدوا
بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على
مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه .
ومنها قصة استنكاره أخذ عثمان جواهر من بيت المال في
ما رواه البلاذري ( 66 ) وقال : كان في بيت المال
بالمدينة سفط فيه حلي وجواهر ، فأخذ منه عثمان ما حلى
به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه
بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال : لنأخذن حاجتنا من
هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام . فقال له علي : إذا
تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه . وقال عمار بن ياسر :
أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك ، فقال عثمان :
أعلي يا ابن المتكاء ( * ) تجترئ ؟ خذوه ، فأخذ ودخل
عثمان ودعا به فضربه حتى غشي
| |
( 65 ) الانساب 5 / 49 ، والعقد الفريد 2 / 272 ، وراجع تفصيل
الكتاب في الإمامة والسياسة .
( 66 ) أنساب الاشراف 5
/ 48 .
( * ) المتكاء : العظيمة البطن ، البظراء
المفضاة ، التي لا تمسك البول . ( * )
|
|
|
عليه ثم أخرج فحمل حتى أتي
به منزل أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله فلم
يصل الظهر والعصر والمغرب فلما أفاق توضأ وصلى وقال :
الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله .
وقام
هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوحي وكان عمار حليفا
لبني مخزوم فقال : يا عثمان أما علي فاتقيته وبني أبيه
، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به
على التلف ، أما والله لئن مات لاقتلن به رجلا من بني
أمية عظيم السرة ، فقال عثمان ، وإنك لها هنا يا ابن
القسرية ، قال : فانهما قسريتان ( وكانت أمه وجدته
قسريتين من بجيلة ) فشتمه عثمان وأمر به فأخرج ، فأتى
أم سلمة فإذا هي قد غضبت لعمار ، وبلغ عائشة ما صنع
بعمار فغضبت وأخرجت شعرا من شعر رسول الله صلى الله
عليه وآله وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله ثم قالت : ما
أسر ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل
بعد ، فغضب عثمان غضبا شديدا حتى ما درى ما يقول ،
فالتج المسجد وقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله ،
وكان عمرو بن العاص واجدا على عثمان لعزله إياه عن مصر
وتوليه إياها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فجعل يكثر
التعجب والتسبيح .
ومنها في قصة دفن ابن مسعود فانه
كان قد أوصى أن يصلي عليه عمار ولا يؤذن به عثمان ففعل
، فلما أخبر بذلك غضب عليه ولم يلبث يسيرا حتى توفي
المقداد فصلى عليه عمار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان
به ، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال : ويلي على ابن
السوداء ، أما لقد كنت به عليما ( 67 ) .
ومما يلفت
نظرنا في هذه القصة مجابهة الخليفة عمارا بقوله : يا
ابن المتكاء ، ويا عاض أير أبيه إلى أمثالها ، هذا مع
ما ورد في الصحاح والمسانيد عن أم المؤمنين من أن
عثمان رجل حيي ، وأن الملائكة والله لتستحي من عثمان ،
وأن رسول الله قد استحى منه لشدة حيائه ، إلى غيرها
مما فيه الإشادة بذكر حيائه !
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة
التالية أدناه
| |
( 67 ) اليعقوبي 2 / 171
وراجع الانساب 5 / 49 في قصة دفن
ابن مسعود . ( * ) |
|
|
|