|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 18 : - |
|
صعوبات الدراسة
وإن دراسة كهذه تدور حول
الشخصيات الإسلامية الأولى لابد وأن تعترض سبيلها
عقبات ليس من الهين تذليلها ، ومن تلك العقبات أمام
الباحث المسلم الشرقي :
أولا : عقائده التي نشأ عليها
، وعقائد مجتمعه الذي يعيش فيه ، والذي يرى في تلك
الشخصيات مالا يراه في غيرها من البشر ، ويعتقد لعصرهم
مالا يعتقده لغيره من العصور .
والباحث إن لم يستطع تذليل
هذه العقبة خرج من بحثه عقائديا يدافع عن عقيدة لا
دارسا يبحث عن حقيقة .
ولما أدركت هذه الحقيقة حاولت
في بحثي هذا أن لا أنقاد لعواطفي في أم المؤمنين عائشة
، وتكريمي لها ، كزوج للرسول الأكرم من ناحية ، وألا
أجرد الشخصيات الإسلامية المحترمة ، التي يدور البحث
حولها عن فطرة الله التي فطر الناس عليها من ناحية
ثانية كي أستطيع القيام بدراسة موضوعية لأحاديثها .
ولست أزعم أني نجحت في هذه المحاولة ولكني بذلت الجهد
في هذا السبيل ، والحكم لغيري في ذلك والله يعلم أن
الذي حداني إلى هذه الدراسة إنما هو رجاء انتفاع دارسي
التاريخ الإسلامي ، ودارسي قرآنه وأحكامه من هذا البحث
، والله من وراء القصد .
وثانيا : يعترض الباحث فيما
إذا وفق إلى ترويض نفسه ، وتذليل العقبة الآنفة الذكر
عقبة أخرى بعدها ، وهي الخوف من تأثير نشر هذه
الدراسات على وحدة كلمة المسلمين ، بعد أن بدأت تظهر
في هذا العصر بشائر تألفهم وتآخيهم نتيجة لبذل
المصلحين جهودا كبيرة في سبيل ذلك .
وهل يجوز لمن يغار
على مصالح المسلمين أن يبحث اليوم في الماضي السحيق ،
وينشر منه ما يوجب النقد والرد ، ويثير الحفيظة ،
وينتج النفرة ؟ ! وإذا كان ذلك مما لا يستسيغه أحدا ،
إذن فليمتنع الجميع عن البحث والتحقيق كي لا يسبب ذلك
عقم جهود المصلحين ، ويؤدي بالمسلمين إلى مالا يحمد
عقباه ! .
أما نحن فلا نرى هذا .
فإننا حين ندعو الله
مخلصين أن يوفق المسلمين لتلبية نداء المصلحين بنبذ الحزازات وتوحيد الكلمة ، لا نريد ذلك على حساب العلم
والمعرفة ،
ونعتقد أن المصلحين أنفسهم أيضا لا
يريدونها كذلك ، فإن المصلحين الغيارى يدعون إلى
الاجتماع على صعيد الإسلام ، والإسلام ليس برأي سياسي
دولي ، وإنما هو إيمان
وعقيدة ، وهما لا يتأتيان من
كتم الحقيقة ، بل إنهما ينتجان من البحث والنقد العلمي
الخالص ، على أن لا ينبعث ذلك من هوى النفس بدافع الحب
والبغض .
وما السبيل إلى معرفة مبادئ الإسلام وأحكامه غير البحث عن تاريخ
الإسلام في بدء
بدئه ، وتمحيص الأحاديث النبوية ، والتحقيق عن حال
رواتها ، لنفهم منها شأن نزول القرآن الكريم ،
ولنستطيع - على ضوء هذا العلم - استنباط الأحكام
الإسلامية التي نريد أن نعمل بها ، وندعو الناس إلى
العمل بها أيضا ، ولابد لنا في العمل من العلم .
* * *
والحق أن السعي لتقريب المسلمين بعضهم من بعض ،
والجهاد في سبيل إعادة حياة إسلامية ، والقيام بالبحث
والتحقيق في تاريخ الإسلام وحديث نبيه صلى الله عليه
وآله لا ينافي بعضه بعضا ، وإنما يتمم بعضه بعضا ،
فإنه لا يتمكن من إقامة مجتمع إسلامي
دون فهم لقرآنه
وحديث نبيه صلى الله عليه وآله وتاريخه ، كما لا يتأتى
التآخي الصحيح إلا بالإيمان بوجوب إعادة حياة إسلامية
، وإلا فعلى م يجتمع المسلمون ؟
وما الذي يوحد كلمتهم
؟
كما لا يتأتى التآخي أيضا إلا بترويض المسلمين
أنفسهم على سماع آراء بعضهم بعضا ومناقشتها مناقشة من
يطلب الحق ليتبعه ، ليصدق عليهم قول الله سبحانه : "
فبشر عباد
*
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " ،
وهذا ما ندعو إليه ، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى
الاهتداء به .
* * *
وبالإضافة إلى ما ذكرنا فإن في
التاريخ الإسلامي - كغيره من تواريخ الملل والنحل في
العالم - عقبات ثلاثا غير ما ذكرنا طالما اعترضت سبيل
الباحثين والدارسين ، وعاقتهم عن سلوك طريق العلم .
وأولى تلك العقبات وأهمها : عادة عبادة السلف الصالح ،
فقد دأب البشر منذ فجر تاريخه على عبادة سلفه ، ومن
هنا نشأت عبادة الأوثان ، ولم يكن نسر ، ويغوث ، ويعوق
، وود ، وسواع ( 3 ) غير رجال صلحاء احترمهم
| |
( 3 ) راجع تفسير الآية 24 من سورة نوح
في الدر
المنثور 6 / 269 ، وغيره من التفاسير . ( * )
|
|
|
قومهم أولا ، ثم تدرجوا إلى
عبادتهم .
ومن العجيب في هذا
الأمر : أننا نجد السلف
الصالح عندنا كان ينتقد بعضه بعضا ، ويرده أشد الرد
والنقد ، ويجوز لنفسه قتل من خالفه في الرأي من
معاصريه ، حتى إذا انصرم عصرهم ، وجاء الخلف من بعدهم
، رأينا في المسلمين من يحرم نقدهم ، فيغلق على نفسه
وغيره باب العرفان والعلم .
والعقبة المهلكة الثانية ،
هي سجية التعصب الذميم ، والتعصب عقبة أمام العلم لما
تسد على الإنسان منافذ النور ، ومهلكة نجد لها ضحايا
في كل عصر وكل مصر ، هذه الري في أوائل القرن السابع
الهجري ( 4 ) تدمرها العصبية المذهبية ، يبيد الحنفية
والشافعية الشيعة أولا ، ثم يثني الشافعية بالحنفية ،
ويبيدونهم حتى يتركوا أحياءهم خرابا بيانا .
وثالثة الاثافي في هذه العقبات تدخل السلطة ، آلهة العصور في
هذا الشأن ، فهي التي أغلقت باب البحث رياء ، وهي التي
سدت باب الاجتهاد سنة 665 ه ( 5 ) وبقي كذلك حتى
اليوم .
ولا أدري ألم يأن للمسلمين أن يفتحوا باب
البحث والتحقيق ! بعد أن فكروا في فتح باب الاجتهاد ،
أم إنهم لا يرضون بالتقليد بديلا ! ؟ لا لن يبقى الأمر
كذلك ، فقد بزغ فجر العلم في عصرنا نتيجة سعي المصلحين
، وسيأتي زمان يضحك أهله من متاعبنا كما ضحكنا من تعصب
أهل الري الذميم .
ومضافا إلى ما ذكرت من عقبات فإنا
قد تعودنا أن نقرأ لأحد مدحا فلا نرضى أن نسمع له نقدا
، أو نقدا فلا نرضى أن نسمع له ثناء ، وفي هذا الكتاب
رسمت أم المؤمنين كما وجدتا ، سواء أكان ذاك لها ثناء
، أو كان لها نقدا .
| |
( 4 ) راجع
ياقوت في لغة الري 4 / 355 ، وهذه واحدة من آلاف .
( 5 ) بيبرس البند قداري سد باب الاجتهاد بمصر . راجع
خطط المقريزي
ص 161 ، وكان جديرا بمصر مبادرتها في هذا العصر إلى
فتح الباب الذي أغلقته . ( * )
|
|
|
فمن أراد أن يقرأ أم
المؤمنين كما هي في الحديث والتاريخ ، ويحلل شخصيتها
من أحاديثها ، فدونه أدوارا من حياتها في ما يأتي .
وأما من لا يستطيع اجتياز ما ذكرت من عقبات والتي هي
مشتركة بين الكاتب والقارئ فليدع الكتاب لأهله ، والله
الموفق للصواب .
|